الرئيس علي ناصر يروي عن أول لقاء جمعه بحكيم العرب الشيخ (زايد آل نيهان)

(( عدن الغد)) خاص.

إعداد / د. الخضر عبد الله 

 أوضح الرئيس علي ناصر محمد ان علاقته مع حكيم العرب (الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله ) تمتد منذ  عام 1974 م.

واكد   ان الكثير من الذكريات حول علاقتيه مع (زايد) خلال سنوات طويلة. وهي ذكريات لم تفارقه لحظة منذ تعرفت عليه اول مرة الى لحظة وفاته، وحتى بعدها على الرغم من مرور السنين، وتغير الأزمنة، والأصدقاء، والمواقف. لكن علاقته بالشيخ (زايد  بن سلطان) صمدت في كل الظروف، ووسط صعوبات وتعقيدات ليست قليلة لم يجد من بين السياسيين الذين عرفهم  وعددهم ليس بالقليل من هو اكثر صدقا، وصراحة، ووفاء منه .

ويشير الرئيس علي ناصر ان كشفه مع علاقته مع ( زايد ) تعتبر من المعلومات والأحداث، والذكريات جاءت   لكي يعرفها الناس في داخل اليمن وخارجه  ويطلعوا عليها ..لأنها لازالت من وجهة نظر الرئيس  ناصر  تحتفظ بحرارة وصدق اللحظة والظروف التي حدثت وعايشها .. ومضى يقول " وفي كل الأحوال فإن الحديث عبر صحيفة (عدن الغد)  ليست قصة علاقة شخصية بيني وبين الشيخ زايد فقط، وهي علاقة امتدت على مدى نصف قرن، ولكنها شهادة على عصر بكل ما حفل به من احداث جسام، وتطورات عاصفة، وتغيرات ليست عادية . شهد ميلاد دول، وأفول حكومات، واختفاء زعامات، ظهور حروب، وثروات غيرت مصير المنطقة كلها . واني وان كنت لا اتعمق كثيرا في أسبابها ونتائجها ومآلتها، ولا الخوض في تفاصيلها، ولكنني ألمح إليها بقدر ما يتفق مع سياق التعبير في هذا القاء كيف كانت العلاقة مع  الشيخ (زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه . ) وخرجت(عدن الغد ) بهذه الحصيلة وإليكم تفاصيلها "

تولي زايد الحكم

 في بداية اللقاء تطرق الرئيس علي ناصر محمد بداية حديثه حول لظة ظهور الشيخ زايد بن سلطان - رحمه الله - على مسرح الاحداث ..فقال مفصلا في حديثه :"  ينتمي الشيخ زايد إلى قبيلة " بني ياس " التي مدت نفوذها على ساحل عمان من حدود قطر حتى واحة البريمي . كان الشيخ زايد بن خليفة ( الجد) حاكما للبلاد من عام 1855 حتى عام 1909م .. وفي عصره كما تذكر الكتب التي تؤرخ لهذه الفترة انتعشت الحياة الاقتصادية واختفت النزاعات وعم الرخاء . وكان عصره هو العصر الذهبي لتجارة اللؤلؤ .. وقد علمت ان جذور هذه القبيلة تعود الى قبيلة ( بني هلال ) اليمنية الجنوبية التي انتمي انا أيضا اليها .

بعد وفاة الشيخ زايد الجد بدا نفوذ القبيلة يخفت شيئا فشيئا ، حيث جاء الى الحكم الشيخ صقر بن زايد ( العم) وبعد مصرعه تولى الحكم الشيخ شخبوط الأخ الأكبر للشيخ زايد بن سلطان في عام 1928 م .

منذ هذه اللحظة ظهر الشيخ زايد على مسرح الأحداث اذ عينه اخوه الشيخ شخبوط حاكما للمنطقة الشرقية حيث مدينة العين ، وكانت مدينة لا دخل لها سوى التمر . فالدخل كله كان في ابوظبي وجزيرة دلما من الغوص وصيد اللؤلؤ ولم يكن النفط قد ظهر بعد . في مدينة العين بدأ الشيخ زايد رحلته الشاقة ، بإنهاء الخصومات والنزاعات القبلية ، وتحقيق الأمن والاستقرار .. وإقامة الأسواق وتعبيد الطرق ، وحفر الآبار .. والنهوض بالزراعة، ولكنه كان يحلم بأكثر من حكم إمارة صغيرة مثل العين التي لا دخل لها ... وجاء ذلك اليوم. وكان يوماً من أحد أيام أغسطس 1966 حين أصبح الشيخ زايد حاكما لإمارة أبوظبي .. وظهر البترول وتدفقت عائداته وأخذت رحلة تحقيق الأحلام تأخذ أبعاداً جديدة وتغير وجه الصحراء"

اللقاء الاول بزايد آل نهيان

وحول اللقاء الاول الذي جمع الرئيس ناصر  بحاكم الإمارات المتحدة العربية  الشيخ ( زايد  بن سلطان ) حيث  قال مستدركا في حديثه :"      لقائي الأول بالشيخ زايد كان خارج الجغرافيا العربية .. خارج الإمارات، وخارج اليمن  . لم نخطط له، ولكن الأقدار هي التي هيأته، وعندما تقرر الأقدار فإرادة الله لا راد لها ..

 اللقاء الأول يترك دائما الانطباع عن الشخص الذي تقابله . والحقيقة ان تعارفي بالشيخ زايد ترك في نفسي انطباعا جيدا من اللحظة الأولى، وشعورا بالارتياح نحوه، فشخصيته العفوية، وطيبته، ونبله تحررك من أي شعور بالحرج، وعندما تقترب منه لا تملك الا أن تحبه وتكن له كل الاحترام والتقدير . 

 تلتقي في عملك السياسي، وفي الحياة عموما بعشرات الرؤساء والمسؤولين والناس من كل الجنسيات، والمستويات لكن نادرا ما تحظى بصديق من بينهم . الشيخ زايد كان أحد اولئك الأصدقاء النادرين .. ذلك الصديق الإنسان .. انسان خارج نماذج الزعماء وقادة الدول الذين عرفناهم، والذين عرفتهم . 

واستطرد الرئيس ناصر وقال :"   لقائي الأول بالشيخ زايد كان خلال المؤتمر الإسلامي الذي عقد في فبراير 1974 في مدينة لاهور بباكستان وحضرته على رأس وفد بلادي اليمن الديمقراطية. وهي القمة الاسلامية الثانية عقدت بمشاركة 37 دولة من بينها كل الدول الاعضاء في الجامعة العربية. وقد بحثت هذه القمة المسألة التي اصبحت محور اجتماعات المنظمة وهي قضية الشرق الاوسط، الى جانب مسألة مساعدات التنمية للدول الاسلامية الاكثر فقرا.. كانت هذه أول مشاركة لنا في مؤتمر إسلامي، وحضره صاحب السمو الشيخ زايد على رأس وفد دولة الإمارات العربية المتحدة ..  تصادف ان كنت أجلس أمامه على مأدبة العشاء التي أقامها الرئيس الباكستاني ضياء الحق  على شرف ملوك ورؤساء الدول الإسلامية والوفود المشاركة، عندها  فاجأني الشيخ زايد وقال لي : 

 ( كنا نتوقع أن تكونوا أول من يؤيد استقلالنا . كان آخر ماكنا نتوقعه أن يقف مندوبكم في الأمم المتحدة ضد استقلال بلادنا، ويصوره بأنه مجرد مسرحية أو استقلال صوري ! ) "

زايد يعاتب الرئيس ناصر  والأخر يرد

ويكمل الرئيس ناصر كلامه ويقول :" كان حديثه وديا رغم ما فيه من عتاب. وقد اعتذرت له وأبديت له أسفي على ذلك الموقف الذي ما كان يجب أن يحدث لكنه أتخذ في ظروف سياسية لم تكن فيها العلاقات جيدة مع دول الخليج أولم تكن فيه علاقات أصلا مع تلك الدول ما عدا الكويت بل أن البعض كان يناصبنا العداء..

كان ذلك أول اتصال مباشر بيني والشيخ زايد.. وقد بدا لي سمحا . حاد القسمات  والذكاء، يشع بالطيبة ونبل الخلق، وصفاء القلب، ويذكرك بعرب المناطق الصحراوية في قسماته وسماته ولباسه .، وعزز ذلك انطباعي الذي كونته عنه حتى قبل أن أراه بأنه رجل عظيم .

الشيخ زايد :  نحن أخوة لكم ولسنا أعداءكم

ويشير الرئيس ناصر في حديثه بالقول :"  أتذكر تماما كيف تم اللقاء كأنه جرى اليوم رغم مضي نحو 45عاما عليه .

من قراءته للبطاقة المكتوب عليها اسمي عرف من اكون . حياني بهدوء، وقال لي : " ياأخ علي ناصر، لماذا أنتم ضدنا مع اننا لانريد سوى الخير لكم ولبلادكم ؟! : " نحن أخوة لكم ولسنا أعداءكم .. ونعيش في منطقة واحدة، نحن أقرب اليكم.

قلت له : ياشيخ زايد، نحن أخوة وأشقاء دون شك، لكن من الأفضل أن نناقش هذا الموضوع في مكان آخر .

أجابني وهو يغلف كلامه بنوع من المزاح :

 فقال لي الشيخ زايد (أنتم لا تريدون علاقات معنا لأننا في نظركم أذناب الاستعمار كما يقول إعلامكم..

صراحته لم تبدد الانطباع الحسن الذي كونته عنه. كان الحديث يجري بيننا بينما كان الملك فيصل الذي يجلس بين الرئيسين على بوتو ومجيب الرحمن مشغولين بالحديث عن العلاقات بنغلادش – باكستان بعد انفصال بنغلادش عن باكستان عام 1971م ولهذا كان صوت المترجم وصوته العالي قد مكننا من الحديث مع الشيخ زايد دون أن يسمع الآخرين حديثنا.

ومضي يقول الرئيس علي ناصر :" هكذا تعارفنا، وبسرعة توطدت علاقاتنا الشخصية والرسمية بسموه، واستمرت لقاءتنا أثناء المؤتمر الذي أريد له أن يوطد التضامن الإسلامي وبحث كيفية مواجهة التحديات التي تجابه الدول والشعوب الإسلامية " ( للحديث بقية ) !!