كيف يمكن للقيادة الجديدة للبنك أن تحقق نجاحا في أعمالها؟

(عدن الغد) خاص:

تقرير يقرأ في أبعاد القرارات الأخيرة بإعادة تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي وتعيين محافظ جديد للبنك..

هل ستُخرج القرارات  البلاد من الأزمة الاقتصادية؟

أم أن الأزمة أكبر من مجرد معالجتها بقرارات إدارية جديدة؟

هل تحتاج القرارات لوديعة بنكية حتى تؤتي ثمارها؟

أم أن مصير الوديعة البنكية سيكون مشابها لسابقتها؟

ما هي الرسائل الاقتصادية التي تحملها القرارات للداخل والخارج؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

تحركت أسواق صرف العملات لصالح الريال اليمني، عقب ساعات فقط من صدور قرارات رئاسية بإعادة تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي اليمني بعدن، وتعيين محافظ جديد للبنك.

القرارات ألقت بظلالها على سوق الصرف، وتحسن وضع الريال اليمني بشكل سريع غير متوقع، رغم أن شركات الصرافة كانت في ساعاتها الأخيرة من الإضراب الذي أعلنته جمعية صرافي عدن، منذ يوم السبت الماضي واستمر حتى مساء الاثنين.

لكن الساعات التي تلت القرارات، يوم أمس الثلاثاء، أكدت تأثر أسواق الصرف بقرار تغيير إدارة وقيادة المركزي اليمني.

وكأن هذه الأسواق كانت في انتظار هذه التغييرات والقرارات حتى يستعيد الريال اليمني بعض عافيته وتوازنه، بعد أن وصل مستويات خرافية لم يصلها من قبل على الإطلاق.

مقابل هذه الحالة من التفاؤل، هناك من يشكك بها، ويؤكد أنها ليست سوى "تحسن وهمي" سرعان ما سيعود الريال إلى تراجعه المخيف كما كان قبل القرارات.

وأصحاب هذه الرؤية يبررون رؤيتهم تلك بأن التحسن في سعر الريال لم يكن مقرونا بإجراءات عملية واقتصادية، ولكنها ارتبطت بالقرارات الإدارية ليس إلا.

وعليه، فإن هذا التحسن لا يعدو عن كونه وهميا، ولن يستمر، إذا لم تواكبه خطوات نقدية ومالية حقيقية تحافظ على التحسن وتعمل على استمراره.

>إيجابيات القرار

وعموما، فإن القرار بتغيير مجلس إدارة البنك المركزي، حمل الكثير من المؤشرات التي يمكن أن تنعكس إيجابا على سوق العملات.

ويأتي على رأس هذه الإيجابيات أن القرارات الصادرة عن هرم الحكومة الشرعية، ممثلةً بالرئاسة اليمنية، حظيت بمباركة من المجلس الانتقالي الجنوبي، ربما لأول مرة.

فمؤخرا اعتاد الشارع اليمني، تحديدا في جنوب اليمن، على أن يرفض الانتقالي قرارات الشرعية، كونها لم تتم "بالتوافق أو بالتشاور"، كما يطالب الانتقالي دوما.

لكن يبدو أن الوضع المعيشي الكارثي لم يعد يحتمل مزيدا من المماحكات والتجاذبات، خاصةً وأن القيادة الجديدة تتميز بالخبرة والتجربة العملية، ليس فقط محليا، وحتى دوليا.

وهو ما يزيد من الدلالات الإيجابية لقرار تعيين محافظ جديد للمركزي اليمني، وإعادة تشكيل مجلس إدارته.

كما أن من إيجابيات القرار أيضا أنه تضمن تكليف الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، بمراجعة أعمال وأنشطة البنك المركزي اليمني، وهذه الجزئية من القرار تحمل في ثناياها دلالة ضمنية.

هذه الدلالة مرتبطة بالاتهامات التي طالت البنك المركزي بعدن، وتورطه في أعمال مشبوهة، وعمليات غسيل أموال، وفق تقرير دولي، تراجع معدوه عن محتواه بعد التشكيك بالمعلومات التي بُنيّت عليها نتائج التقرير.

>حسن الاختيار

العديد من الخبراء والمراقبين الاقتصاديين، تحدثوا عن تأثيرات هذه القرارات ودلالتها، وكيفية انعكاسها على سوق الصرف، سواء بالإيجاب أو بالسلب.

وفي هذا الشأن يقول الخبير الاقتصادي، ماجد الداعري: إن الشرعية اليمنية حرصت، ولأول مرة على حسن اختيارها لأحمد غالب.

ولم يخفِ الداعري استغرابه من كيفية قبوله "الانتحاري" بهذا الوضع الكارثي، لقرار تعيينه محافظا لبنك مركزي عدمي مشوهة سمعته.

كما أن المحافظ الجديد يدرك جيدا صعوبة واقع البنك وتعقيدات وضعه المحلي والدولي، على محاولة تصحيح السمعة الدولية البنك المركزي المتهم من لجنة العقوبات الدولية، وجهاز الرقابة والمحاسبة، ولجنة برلمانية، بالتورط بجرائم غسل وتهريب أموال ومضاربات بالعملة كأول بنك مركزي بالعالم، كون من اهم مهامه الحفاظ على العملة ومحاربة هذه الجرائم، وفق الداعري.

ويضيف: بتقديري، فقد سعت الشرعية المتهالكة، بقرارها هذا، إلى تحقيق أكثر من هدف، لعل من أهمها محاولة استعادة ثقة البنوك الدولية المراسلة، وصندوق النقد والبنك الدولي، والمؤسسات المالية العربية والعالمية، وإعادة تفعيل علاقتها وتعاملاتها المصرفية مع مركزي عدن والبنوك اليمنية.

كما سعت إلى إزالة القيود الدولية المفروضة على التحويلات المالية إلى اليمن؛ كونها تمثل إحدى أهم وأكبر التحديات التي ستواجه الإدارة الجديدة للبنك المركزي، بحسب الداعري.

>إنقاذ الوضع بالوديعة البنكية

يعتقد مراقبون أن القيادة الجديدة لن تنجح في مهامها باستعادة استقرار الريال اليمني بدون أن تكون هناك إجراءات ودعم مالي دولي وإقليمي.

وعلى رأس هذا الدعم تأتي الوديعة المالية التي وعد بها المجتمع الدولي والرباعية الدولية، والتحالف العربي حتى، وبدون مثل هذه الإجراءات الملحة لن يُكتب النجاح لهذه القرارات الرئاسية.

لهذا يرى الخبير المعني بالشئون الاقتصادية ماجد الداعري، أن الدعم المالي بودائع أو منح ومساعدات مالية إنقاذية لإعادة تكوين مركز مالي واحتياطي اجنبي من العملات؛ ستُمكن المركزي اليمني من التدخل بالسوق واستعادة السيطرة على القطاع المصرفي وإدارته.

كما ستعمل على فرض خطة إنقاذ مصرفية مدعومة حكوميا ومن التحالف وكل الأطراف والقوى الوطنية، لإنهاء المضاربات الاجرامية المستمرة بصرف العملة، بحسب توقعات الداعري.

بينما يحذر مراقبون آخرون أن أي وديعة جديدة سيكون مصيرها نفس مصير سابقتها من الودائع التي لم تستغل أو تستثمر الاستثمار الأمثل.

>حرب ضد الصيارفة

يُحمل كثير من الاقتصاديين شركات الصرافة المشبوهة مسئولية ما وصل إليه الريال اليمني من تدهور تاريخي غير مسبوق.

وهذا ما دفع الداعري إلى اقتراح أن نجاح للبنك المركزي وقيادته الجديدة يبدأ بفتح جبهة حرب وطنية مشتركة ضد صيارفة الإجرام وهوامير العملة، وإغلاق كل شركة أو منشأة صرافة غير مرخصة، مهما كانت تبعيتها.

وقال: "ما لم يتم ذلك، والله لو يتولى حتى مهاتير محمد باني نهضة ماليزيا، إدارة البنك المركزي، ما يقدر يعمل لعملة بلد منهار اقتصاديا، أي حل أو معالجة لوحده".

وأكد الداعري أن تمكن الإدارة الجديدة للبنك المركزي من إعادة تثبيت صرف الدولار إلى حدود الألف ريال يمني، والريال السعودي إلى 300 ريال يمني، أكبر منجز يمكن أن تقدمه للشعب وللعملة الوطنية اليوم، وفي ظل الواقع السوداوي الحالي والمعطيات الصعبة القائمة.

>رسائل للداخل والخارج

ويتصور الداعري أن ‏قرار تعيين محافظ البنك المركزي الجديد، يحمل أكثر من رسالة للداخل والخارج.

فأقل ما يمكن وصفه بأنه قرار مصيري إنقاذي لبلد منهار وشعب جائع؛ كونه مرتبطا اليوم بتعلق آمال الجميع بقدرة المحافظ الجديد الحاصل على كل المؤهلات المالية والمصرفية والخبرات الإدارية الكافية لقيامه بالمهمة.

وربط الداعري قدرة المحافظ الجديد للبنك، بصدق النوايا من حوله، ووعوده بالدعم المطلق لإنقاذ اقتصاد وعملة دولة شبه منهارة، وإشباع أكبر شعوب الأرض مجاعة.

خاصة بعد عجز الشرعية سابقا عن صرف مرتبات العسكريين، نتيجة إفلاس بنكها المركزي المحدود الموارد، وفي ظل إدارته الواقعية الأعجز ماليا ومصرفيا واداريا، عن تقديم أي خدمة او دعم حكومي ممكن لغذاء المواطن، بحسب وصف الخبير الداعري.

>التعاون مع الإدارة الجديدة

ورغم التعيين المتأخر للمحافظ أحمد المعبقي، إلا أن كثيرين يرون فيه اختبارا صعبا لشخصه وحنكته، بعد أن سبق وتولى مصلحة الضرائب وكان خير من أدارها، وورد أكبر عوائد مالية منها لخزينة الدولة، بشهادة الأرقام ومن خلفه وكل من يعرفه أو عمل معه.

كما أنه تولى مسئولية الهيئة الوطنية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، واستمر فيها حتى تعيينه محافظا للبنك.

ولذلك ليس أمام الجميع، سواء حكومة شرعية أم مجلس انتقالي وتحالف، وحتى رجال أعمال وتجار إلا التعاون مع المحافظ الجديد كل من موقعه، في مهمته الإنقاذية الكبرى لشعب جائع ودولة منهارة اقتصاديا، كونه آخر أوراق الشرعية وخير رجالها الوطنيين السابقين والمتبقين بحوزتها.