التخندق خلف الترسانة العسكرية!

كان في السابق تتسابق الحكومات على شراء الأسلحة، لتأمين الحدود، ولردع التهديدات الداخلية والخارجية. وكان اليمن من ضمن تلك الدول، فقد وجهت حكوماته المتعاقبة معظم دخله القومي لشراء الأسلحة وصيانتها، وبناء المعسكرات وإدارتها، وتجنيد الشباب وإعاشتهم، وأستأثرت المسارات الأمنية والعسكرية حصص مسارات التعليم والصحة والبناء والتطوير.

فكانت النتيجة وجود معسكرات ضخمة من الشباب شبه الأُمي، وترسانة هائلة من الأسلحة الصماء، وبمجتمعات تتدرج بين أمية، ونصف متعلمة، وبهويات متناثرة ومتنافرة، لا هوية تجمعهم ولا هدف يوحدهم.

فذهب مخرجات تلك المدخلات والواقع إلى دولة بوضع مائل، أدى إلى خروج مليشيات طائفية ومناطقية ومذهبية من كل حدب وصوب، دمروا منجزات نصف قرن من العمل، ووصل إلى قيادة مؤسسات الحكم الجهلة والقتلة واللصوص، فاستولوا على المعسكرات والأسلحة، ووظفوها لخدمة أهدافهم الطائفية والقروية، ولقمع الناس، واجبارهم على الصراخ لهم والدعاء لهم في الميادين والمساجد والجوامع، بل وحتى في الجامعات.

لم يتمكن الجيش الأُمي من الحفاظ على مكتسبات الدولة، لأنه بلا تعليم حقيقي يوجهه، وبلا هوية وطنية توحده، وبلا عقيدة جامعة تدفعه للدفاع عن البلد. لو تم تخصيص ثلث ما أُنفق لشراء الأسلحة في التعليم، لكان لدينا اليوم جيل قوي، متسلحًا بالعلوم والمعرفة والثقافة الوطنية، ولوقف ضد الخرافات المذهبية، ووضع العقائد الباطلة تحت أقدامه.

اليوم مليشيا الحوثي تواصل مسيرة التخندق خلف شعاراتها الطائفية، ومروياتها الكاذبة، وعقائد الشيعة المتطرفة، وخلف البندقية، وهذه الخنادق لن تؤدي إلا إلى الخراب، كما هو الحال في إيران والعراق وسورية ولبنان.

تراهن الجماعة على سياسات التجهيل والإفقار والتجويع والتخويف، وصحيح أنها تحقق بهذه المرتكزات مكاسب آنية، ولكن إلى متى؟

كيف لنا أن نقنع جماعة الحوثي أن أمنهم ومصالحهم في يمن يستوعب الجميع، وفي مجتمع متنوع، وبحكومة إدارية لا صلة لها بالصراعات المذهبية والطائفية؟

للأسف مازال الطريق طويل، ولكن في النهاية سنصل، ولكن بضحايا كُثر وبفاتورة باهظة من كل شيئ.