في ذكرى تحرير عدن....للنصر أكثر مِـن أب .. الصراع المؤجل يحتدم

عند كل ذكرى سنوية لتحرير عدن من قوات الرئيس السابق صالح وقوات الحركة الحوثية المعروفة بأنصار الله يتجدد السجال الإعلامي والتراشق السياسي العنيف داخل المعسكر المنتصر المتمثل بــ( التحالف العربي بقيادة السعودية، والطرف الجنوبي، والشرعية ،والجماعات الجهادية)،مصحوبا بسيل من الاتهامات المتبادلة بالخيانة والخديعة والاستئثار بهذه النصر وإشاعة الفوضى، وسواها من الاتهامات الصاعقة التي تطال الكل من الكل.

       فهذا الاختلاف - بل قُل الخلاف- الذي يجدد نفسه طلُّ برأسها أكثر وضوحا وشراسة في نهاية شهر رمضان من كل عام منذ ستة أعوام كان أمراً متوقعا وحتمي الحدوث بعد أن أنتفت أسباب الصداقة وبدأت مرحلة المصالح. فالإطار العسكري والسياسي والفكري والاقتصادي والاجتماعي الفضفاض الذي شكلته المملكة العربية السعودية ومعها إلى حد ما الإمارات العربية المتحدة أواخر أذار مارس 2015م  كان قد ضم هجين متنافر من المشاريع السياسية والفكرية والأطماع الاقتصادية من الداخل اليمني والمحيط الإقليمي بل والدولي. فهذا الخليط الغير متجانس من الشركاء لم يضمه ويوحّـد صفه هدف استراتيجي يمتلك ميزة الصيرورة وعامل البقاء والاستمرار، بل كان هدف آني في لحطة زمن استثنائية متمثلا بــ( خصم) واحد ولبعض الوقت،ونعني هنا قوات صالح والحوثيين التي اندفعت صوب الجنوب مطلع عام 2015م. فبعد أشهر بل أسابيع من تمكن هؤلاء الشركاء من إخراج هذه القوات من كل الجنوب-تقريبا- سرعان من طفت على السطح رأس جبل ثلج الخلافات وتكوّرتْ بوجه الجميع كُــرَة نيران حرب المصالح،ودبَّ الخلاف بكل بكل أشكاله وفي كل الأرجاء لتأتي على الجميع أو توشك أن تأتي عليه وتنسف نصرهم التنازع عليه. فكل طرف من هذه الأطراف بما فيها التحالف العربي دخل الحرب ضد الحوثيين وصالح ولديه فهمه الخاص لطبيعة هذه الحرب ولتوصيفه السياسي والفكري للحوثيين وصالح. فالتحالف والسعودية تحديدا رأت فيهما خطرا إيرانيا ماحقاً على أمنها ومصالحها يهددان نفوذها التاريخي باليمن وبالمنطقة يجب اجتثاثه من جذوره بأي ثمن، ولأجل هذه المهمة حشدت الرياض قضّها وقضيضها المالي والعسكري ومكانتها الإسلامية باتجاه الداخل اليمني وعلى المستويين الإقليمي و الدولي، ولدى عواصم الدول الكبرى، وفي كل أروقة وكواليس المؤسسات العربية والإسلامية والأممية وأعلنت له تحالف عسكري من عدة دول باسم( التحالف العربي) وأطلقت باسمه حربها المعرفة بـــ(عاصفة الحزم) وإن كان الهدف المعلن  هو استعادة الشرعية اليمنية الى صنعاء بعكس المهمة والأهداف المضمرة سالفة الذِكر.

   -أما القوات الموالية للسلطة المدعومة سعوديا ودوليا والمسماة بقوات الشرعية "الجيش الوطني" فقد حاربتهما أعني قوات الحوثيين وصالح باعتبارهما قوات انقلابية.

    وعلى النقض من ذلك كان الطرف الجنوبي يخوض حربه باعتبارها حربا تحررية تستهدف طرد احتلال جثم بقسوة على الجنوب  منذ غزوه عام 1994م، برغم تحالفه الاضطرار - كما يقول- مع أهم وأبرز قوى هذا الاحتلال( حزب الإصلاح) الذي شكل بتلك الحرب وما أفضت إليه من احتلال وتدمير للجنوب ولمشروع الوحدة رأس حربة    .....فالجنوب وبرغم تحمله العبء الأكبر من هذه الحرب بشريا ومادياً وكان وما يزال ساحة حرب يمينة يمنية مدمرة وميدانا واسعا لتصفية حسابات إقليمية ودولية إلا أنه اليوم يشعر بمرارة الخيبة من سلوك شركائها المحليين والإقليميين الذين أداروا له ظهر المجن، وكذا شعوره - وهو محقا في ذلك- بأنه يعترض لمؤامرة لئيمة تستهدف ليس فقط تضحيات بل وقضيته الوطنية ومشروعه السياسي التحرري.

    يُضاف لهذه القوى، قوة رابعة لا يستهان بدورها بهذه الحرب ولا بمشروعها المثير للجدل( الجماعات الجهادية ومنها السلفية الجهادية، وجماعات ما يسمى بأنصار الشريعة "تنظيم القاعدة باليمن والجزيرة العربية "،هذه القوى لها مشروعها الإسلامي المزعوم الذي تبحث اليوم عنه هي الأخرى بين ركام الخلافات التي تعصف بها وبشركائها الآخرين بمن فيهم السعودية والإمارات( الداعمين الرئيسيين لهذه القوى الدينية المتشددة، بعد أن خاضت هذه الجماعات حربا جهادية ضد الروافض والمجوس، بحسب تفسيرها لطبيعة مشاركتها بهذه الحرب.

 

    -هذا علاوة على  الدور الكبير والمؤثر الذي ظل وما يزال تلعبه  بالشأن اليمني وبالمنطقة الدول العظمى وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية، فلهذه الأخيرة فضلا عن المصالح الاقتصادية ورغبتها بالاستمرار  بالهيمنة على اليمن وموقعه الحيوي حسابات خاصة من حرب باليمن ضمن إطار خلافها مع إيران، وروسيا  والصين وسواها من القوى الدولية المتنافسة بشراسة بالشرق الأوسط والقرن الأفريقي. وبالتالي فهي أي أمريكا  ترى أن لها حقا مستحق من النصر على الحوثيين وصاح و لها قسمها من الكعكة التي نضجت في جنوب اليمن بعد إخراج قوات الحوثيين وصالح منه مثلما كان قبل ذلك وبعده كونها الدولة الكبرى التي نسجت خلسة جلباب العربي سياسيا من خلال إصدار قرارات أممية بحسب الرغبة السعودية، وسياسيا بحكم مشاركتها الاستراتيجية والعملياتية بهذه الحرب التي انطلقت صافرتها الأولى من عاصمتها " واشنطن". ولهذا نراها طرفا- ولو خفيا- من أطراف  الصراع الذي يعصف بعدن ويوشك أن يؤدي ليس فقط بالقضية الجنوبية وبتضحياتها بل وبهذه المسماة بالشرعية  إن لم نقل وبالأهداف والمخططات والمكاسب السعودية على الأرض من المهرة غربا حتى باب المندب غربا مرروا بميناء عدن الاستراتيجي، ويوشك هذا الخلاف يعلن وفاة هذا التحالف سياسيا وهزيمته الصريحة عسكريا. 

     إذاً من خلال نظرتنا السريعة السابقة لطبيعة هذا الخليط اليمني والإقليمي والدولي في الساحة اليمنية والجنوبية تحديديا ولأهدافه ومأربه المتضاربة يكون من الطبيعي والمنطقي أن نرى هكذا صراعا متشعب الأطراف ومتعدد الأهداف والنوايا...صراعا مرشحا لمزيد من التفاقم بين كل هذا الأطراف مجتمعة داخليا وخارجيا بما فيها الاحتكام للقوة إن ظلَ أفق التسوية السياسية مسدودا وظلت الإرادة والقرار الوطنيين مسلوبين بيد الخارج ،وبقي الولاء للخارج أكثر من الولاء للداخل.

      (وعيدكم مبارك... وكل عام والجميع بخير)