سنة سادسة حرب

 

الحرب مثل الفيروس المدمر تدمر من قام بها ومن عاشها واكتوى بنارها ومن سيرث أحقادها.

فالحرب قضت على إنسانية الإنسان وتركته ما بين جريح ومعاق وفاقد للحس من ألم الفراق، وأحسنهم حظاً من لمه التراب.

ومن نجا يحاول أن ينقي روحه من تلوث الكراهية والأحقاد التي علقت بها بعد أن عاش لحظات فارقة كان الموت أقرب له من حبل الوريد، وسيقضي ما تبقى من عمره مذهولاً من قساوة تلك اللحظة متسائلاً كيف ولماذا تجاوزه القدر؟ ثم سيعيش ليكتشف بعد ذلك أن الموت المعنوي كل يوم أقسى وأمر من الموت دفعة واحدة.

سيعيش ليرى في المرايا وجه ذلك البائس الذي كان كتلة من الأحلام والآمال وقد أصبح وجوده مهماً فقط لتُجمع باسمه التبرعات التي تفرغ في كل الجيوب إلا جيبه، أو ليدفع الثمن بدمه ليعيش جلادوه وأبناؤهم في سلام.

ستصادر حقوقه وراتبه وعمره وحرفه وستسرق حياته وهو مسجون في بقعة أرض تسمى وطن لم يعد يعرف حتى ما حدوده؟ وهو محاصر بهويته التي لا يقبلها الآخر.

الحرب أفرغت حياتنا من كل القيم السامية وأولها حب الوطن، ونحن نرى كل من تغنى بحبه كان أول من ساهم ببيعه، وأن حب الوطن سلعة كل نصاب وقاتل.

وكلما طال أمد الحرب فقدت جدواها وطعم نتائجها أيضاً لدى الطرفين؛ ست سنوات من الحرب لم نعد نعرف فيها كيف كان حالنا وكيف كنا..!

تركتنا كأعجاز نخل خاوية، بلا حاضر ولا مستقبل، مجرد أشلاء روح على أطلال أرض محروقة.

وعلى ضفة القبور نصبح ونمسي، وعلى أعتاب الزمان وقفنا بلا بداية ولا نهاية محكوماً علينا بالتيه والضياع.

ست سنوات نسي فيها اليمني أسباب الحرب وكل همه أن ينجو يوماً بيوم بنفسه وأفراد عائلته من لظى الحرب ومسعريها.

ست سنوات لم يعد الوطن ولا الجمهورية ولم نعد نحن كما كنا، فقط المستفيدون منها مازالوا متمسكين بخطاباتهم وصمودهم وهم في قصورهم أو في أوطانهم البديلة.. فكيف لن تستمر الحرب وكيف لشعب لا يغضب أن يوقف عبثها..!