طارق صالح عسكرة المؤتمر أم خلافة الزعيم!!

 


بقلم/عبدالفتاح الحكيمي.

أسوأ نكبات اليمنيين هو أن يحكمهم عسكري جاهل أو أن يتحول العسكري المتخصص إلى ممارسة السياسة على طريقة الأقبية السرية.

وتلخص الفقرة أدناه التي وردت في إعلان طارق صالح مسمى ((المكتب السياسي للمقاومة الوطنية)) أزمة الألتباس الدستوري الخاص بتحول مليشيات مسلحة خارج القانون إلى ما يشبه(حزب حركة تحرير) يجمع بين البندقية والسياسة وكأنه مشروع ثوري في المنفى أو يقارع الأحتلال..
ورد بالنص((نطلق اليوم مشروعنا السياسي إيمانا بالشرعية الدستورية وبالدستور اليمني.. ومن حقنا أن نكون جزءاً سياسياً في هذا الوطن ضمن الشرعية)).. العميد/ طارق محمد عبدالله صالح.
هناك عدة تفسيرات لإعلان العميد طارق إشهار مسمى(المكتب السياسي للمقاومة الوطنية) الخميس ٢٥ يناير ٢٠٢١ م
منها :
١ - توقيت الإشهار بالتزامن مع إيحاءات التوجهات الدولية لفرض وقف إطلاق نار شامل في اليمن بتدخل قوات حفظ سلام وفصل أممية بين المتقاتلين وهو ما يفهم من نية رئيس الوزراء البريطاني جونسون إرسال قوات بريطانية إلى اليمن إذا طلب منها ذلك, وإشارات دولية أخرى .. ولذلك أعلن طارق تأييده لمبادرات السلام في الفقرة ٣(( نحن مع أي سلام عادل وشامل يحقق الأمن والاستقرار)).
٢ - توسيع مشاركة مختلف أطراف الصراع المسلح في اليمن بواجهة سياسية وضمنها المليشيات الشخصية خارج الدستور والقانون اليمني مع استباق ورهان إماراتي على عودة أسرة عفاش إلى الحكم في الشمال خصوصاً وشد عضد أحمد علي صالح الضعيف بابن عمه.
٣ - توفير غطاء ومظلة شرعية لا تتوفر حالياً لمسمى مكتب طارق صالح السياسي بصرف النظر عن مصداقية تخصيص فقرة في بيان إشهار المُكَوّن الغريب تؤكد التزامه بكونه جزءاً من الشرعية ما يجعل فرص استقلالية تمثيله كطرف مستقل في المفاوضات محدودة إلا إذا كان يراد بهذه الصيغة مهادنة قيادة سلطة الشرعية اليمنية وإثبات حسن النية ازاءها بحسب إملاءات وقتية وليس قناعة محضة كما فعل مجلس الانتقالي ببحثه عن شرعية للأنفصال من خلال سلطة شرعية دولة الوحدة.
وربما يدل التزام طارق الأدبي للشرعية على اشتراطات قيادة التحالف العربي أكثر من غيرها لضمان موقف موحد وانسجام وتماسك سياسي في المواقف في إطار التفاوض النهائي للتسوية السياسية لصالح تقوية مركز الجبهة المناوئة للأنقلاب الحوثي-إيراني.
واظهار تقرب الإعلان من الشرعية مؤقتاً فقط لأن الهدف النهائي استقلالية مسمى مكتب طارق السياسي ليكون بمنأى عن أي الالتزام للشرعية أو غيرها.

وترى الإمارات المتحدة ضرورة وجود كيان عسكري مليشاوي مسلح في الشمال يضمن مصالحها السياسية والعسكرية كامتداد لنفوذ أذرع بريطانيا في اليمن أكثر من قيامه بدور ضامن لبقاء تماسك الوحدة التنظيمية للمؤتمر الشعبي العام.
ويجد طارق محمد عبدالله صالح نفسه وطموحاته الشخصية مستقبلاً في إطار المكون السياسي أكثر من العسكري الزائل الذي باندماجه في جيش وطني عام لا مكان لطارق أو موقع مرموق ومؤثر فيه.
ولعل الرجل في ذلك يستثمر رصيده العسكري السابق في البديل السياسي أو المزدوج.

وفرضت معادلة المليشيات الحوثية وتركيبتها المذهبية العقائدية في الغالب توجهات لكيانات موازية هجينة من العسكري والسياسي تماماً كما أفرزت ذلك من قبل الحرب الطائفية اللبنانية أو الصومالية قادة مليشيات وأمراء حرب سياسيين لاحقاً.

وهذه أخطر إفرازات حرب الست السنوات الأخيرة مع توجس كل كيان حزبي أو زعامة قبلية لاحقاً إلى حاجتها لحماية كياناتها من غطرسة الآخر بالملشنة ومظاهر الاستقواء وبالتالي انتعاش مظاهر العنف والاضطرابات بعد الحرب إذا غابت رؤية وبصيرة قيام دولة مركزية اتحادية حقيقية بعقيدة جيش وأمن وطني.

* أِنتهاك دستوري*

ألأِشكال القانوني في الإعلان وشخصية صاحبه يتمثل في تحول مليشيات انقلبت على شرعية الدولة والدستور قبل الحوثيين إلى حركات سياسية بعباءة الشرعية نفسها.. ما يفهم من نص الإعلان احتمالان:
ألتزام تخلي قادة المليشيات مقدماً(طارق وغيره) عن الصبغة العسكرية بعد الحرب إلى العمل السياسي المدني ودمج أفراد قواتها في إطار الجيش الوطني لاحقاً.
والثاني: إبقاء المليشيات المسلحة كإطار تابع ضمن هيكلية التنظيم .. وهو المرجح بحسب تفسير ما قبلها في قول طارق بالنص: ألمعركة التي نخوضها ليست عسكرية فقط, نحن بحاجة إلى السياسي والأقتصادي والجانب الإجتماعي للحفاظ على هويتنا اليمنية وعقيدتنا الصحيحة)).

ويفهم من ذلك أننا إزاء مكون تنظيمي حزبي جديد قد يكون مستقلاً عن المؤتمر الشعبي العام أو في إطاره في البداية رغم ما يفهم إن طارق صالح يعتبر كيانه الأفتراضي لاحقاً (( أِمتداداً لثورة الثاني من ديسمبر التي قادها الزعيم ورفيقه الأمين من أجل الكرامة والحرية/للحفاظ على هذه المكتسبات)).
ولا أزعم أن طارق صالح يعتبر نفسه وريث عمه(الشعبي) ويبحث بذلك عن دور شخصي مستقل أكبر من ابن عمه أحمد علي عبدالله صالح أو بعيداً عن المؤتمر الشعبي العام التنظيم المشتت الآن ولا أقول الممزق, بل أفترض من شرط نجاح هذا المشروع التوافق بين جناح القوة الذي يمثله طارق وجناح(الشعبية) ولا أقول(السياسة) المحسوب لصالح أحمد علي (نسبياً)على الرغم من لمعان نجم طارق عند البعض كبطل بعد واقعة ٢ ديسمبر لأنه استطاع الفرار من قبضة الحوثيين فقط !!.
ولعل أهمية الإعلان ليس في اقرار طارق صالح بسلطة الشرعية اليمنية التي يمثلها عبدربه منصور هادي فذلك يخدمه شخصياً ولا يقدم أو يؤخر اعترافه بالشرعية من عدمه أو يؤثر عليها, بل تكمن أهمية وتأثير ذلك على مواقف مختلف تجنحات وتشكيلات المؤتمر الشعبي العام وتحديد إمكانية استعادة بعض تماسكها وولائها التنظيمي وفق أرضية مشتركة جديدة وإعادة لملمة التشظيات أو أن حجم ورقعة التناقضات سوف تتسع بين مؤتمر الحوثي ومؤتمر الشرعية ومن يميل منهم لجناح أحمد علي أو يقترب من حزب الإصلاح ومن يرفض شخصية طارق وعسكرة المؤتمر كحزب قتالي استخباري للموت ومتاجرة القيادات به فقط.

وما يسمى مؤتمر الخارج والداخل تعبيرات متأرجحة لقناعات لم تتبلور إلا في إطار منافع قيادات متذبذبة وقواعد لا تثق بنزاهة من خذلوا براءتها من قبل .. فالحوثيون مثلاً الذين ورثوا أجهزة جيش وأمن صالح والمدراء وكبار موظفيه في حياته دليل على هشاشة الولاء العقائدي لقطاع كبير من المؤتمر ناهيكم عن من طعن منهم ثورة ٢٦ سبتمبر والجمهورية وانقلب على الشرعية الدستورية وأسلمها للحوثة العنصريين ثم يستنجد بشرعيتها الآن.
وما بقي من انتماءات عابرة للمؤتمريين الأحرار من باب ذكرى صالح ونكاية بفاشية الحوثي وعناد لحزب الأصلاح .. وعناد للعناد ذاته !!.

* إعلان غير قانوني *

في الحالة الطبيعية يحرم الدستور والقانون اليمني امتلاك الأحزاب والمكونات المدنية لمليشيات مسلحة كما يحرم انخراط العسكريين في العمل السياسي والحزبي والتَّرَشُّح للإنتخابات ما يعد في حكم الجريمة الجنائية التي يعاقب عليها القانون.
وتظهر هنا لا أهمية حقيقية لإعلان العميد طارق محمد عبدالله صالح التزام مكتبه السياسي(العسكري) بالشرعية الدستورية والقانون, كما أنه ليس من حقه كما يزعم( ومن حقنا أن نكون جزءاً سياسياً في هذا الوطن ضمن الشرعية). ومن حقه فقط أن يكون ضمن الشرعية إذا قبلت به أما جزءاً سياسياً فلا وبتاتاً .. ومستحيل .. من منطلق نصوص الشرعية الدستورية ألتي أكد تمسكه بها بالنص اعلاه ثم يناقضها في جوهر التصرفات والممارسة من خلال نص إعلانه عن كيان غير مشروع.. في تأكيد على عدم معرفة طارق كعسكري بالسياسة ولا أبجدياتها ولا دستور وقوانين الجمهورية اليمنية واحترامها.

لعل أبرز ذرائع اعتراف طارق صالح العابر والطارئ بالشرعية على طريقة سلفه مجلس الانتقالي هي أن يكون جزءاً فاعلاً من الشرعية لمواجهة((العدوان الحوثي في معركتنا الكبيرة لاستعادة الجمهورية)) تماماً كما أعلن عيدروس الزبيدي قبله بسنوات التزام مجلسه بالمعركة نفسها وانقلب على الشرعية لصالح الحوثي.. ونسي الأخ طارق من الذي سلم رقبة الجمهورية اليمنية للحوثيين وأدار الأنقلاب لصالح الحوثيين, وحارب الوطن وأهله بعدها ثلاث سنوات ..وعندما تخلص الحوثة من عمه الزعيم بعملية جراحية كما قالوا ونفوه شخصياً من صنعاء استمر بمناصبة سلطة الشرعية التي يستغيث بها العداء الفاحش.

* فتنة وتحولات *

وعلى العموم يدخل إعلان مكتب سياسي لمليشيات طارق صالح ضمن تحولات وترقبات كثيرة لن تكون في صالح اليمن ومستقبلها بعد التسوية السياسية المحتملة .. أبرزها تمكين سيطرة كل المليشيات وأمراء الحرب على الأرض على حساب تمكين سلطات ومؤسسات سيادة الدولة اليمنية..
وبإمكان العقلاء فقط تفادي كارثة لا وطنية كهذه أو تحجيم آثار ونتائج تداعياتها المحزنة.
وفي الغالب فإن إعلان مسمى المكتب السياسي لمليشيات الساحل الغربي غطاء مدني لوظيفة دولية استخبارية عسكرية أبعد من المعلن لصالح بريطانيا وأمريكا.
ومن هنا ستختلط ردود أفعال الحوثيين وحسابات إيران في هذه المنطقة إزاء ذلك أكثر خصوصاً أن مشروع طارق يؤثر أكثر على نفوذها في صنعاء وحولها ومدخل البحر الأحمر وباب المندب الأستراتيجي ويسبب بعض البلبلة في قريتين بتعز(شرجب).

أما أكبر إنجازات طارق صالح الحقيقية بعد تسليم الحوثيين مقدرات الدولة والجمهورية هي السطو على تضحيات شهداء ألوية العمالقة في جبهة الساحل الغربي وطعن شرعية الدولة اليمنية من الظهر.. ولا يعدو استلام مليشياته لمواقع العمالقة العسكرية دون عناء وتضحية حقيقية أكثر من تعبير انتهازي لعقلية الشاطر التي أطاحت بعمه من قبل وتتكرر بطريقته.
وسنرى قريباً ارتفاع أصوات باقي المليشيات بإعلان مكوناتها السياسية الموازية وطلب حق تمثيلها العادل كأطراف رئيسية في أي مفاوضات تقاسم السلطة ومحاصصة تسوية ما بعد الحرب .. وأبرزها قوات العمالقة التي سرق الآخرون تضحياتها بالمجان.

* المؤتمر إلى أين *

وسيكون على المؤتمريين في الداخل والخارج بعد إعلان مكتب الساحل الغربي السياسي توحيد موقفهم كطرف واحد أو تدشين الأنقسام الحاد الفعلي وإلى الأبد بمسميات مؤتمر الداخل والخارج والوسط والشمال والجنوب بالرغم من أن أغلب الصف القيادي الأول سيكون أكثر وفاءً لمبدأ من يدفع أكثر مع تراكمات تأثير حالة الفراغ القيادي الذي تركه رحيل صالح على تجاذبات خلافة الزعامة وعدم اعتراف رؤوس المؤتمر ببعضها وتناقض مصالحها ومطامحها الخاصة.

فأما تكون حصتهم في التمثيل الحكومي واحدة أو مجزأة بين أجنحة الشرعية والانقلابيين الحوثة والسعودية والإمارات.
وبقدر التوجه إلى سلخ هوية المؤتمر الشعبي العام المدنية لصالح تيار العنف المسلح فإن إعلان مكتب الساحل السياسي العسكري أيضاً يتعارض مع مبدأ العدالة الانتقالية وقاعدة العدالة الجنائية الدولية التي اعتمدتها توصيات دورة الأتحاد الأوروبي الأخيرة لحل المشكلة اليمنية.
لأنه عندما تكون جرائم الحرب مصدراً للجوائز والمكافآت من السهل استيلاد حروب يومية صغيرة لاحقاً تستتزف المجتمعات أكثر من الحروب المعروفة.
والتعقيدات أكبر عندما يوجد اناس يعتقدون أن أرحم الراحمين فوضهم بالتسلط على رقاب العباد أو أن السلطة تركة عائلية يرثها الأحفاد عن الآباء والأجداد.