مأزق المثقف العربي

 

مفهوم الثقافة مثله كمثل الكثير من المفاهيم تطور واتسع معناه عبر الزمن ليشمل إلى جانب الآداب والفنون والكم المعرفي السلوك الإنساني الخاص والعام للأفراد والمجتمعات بالإضافة للتطور التكنولوجي..
وبما أن الثقافة مكتسبة تُقدم للفرد منذ الصغر عبر قوالب جاهزة إلا أنها خاضعة للتغيير عبر الزمن رغم عوامل المقاومة والرفض، ويأتي دور المثقف ليقود ذلك التغيير عن طريق الالتحام بإرادة أفراد مجتمعه، لحلحلة القيود الجامدة التي لا تتماشى مع طموحاتهم ورغباتهم..
لم يعد منظر المثقف التقليدي بنظارته وبحروفه المصفوفة بعناية تلفت الأنظار مادام لا يملك ادوات التأثير، فكثيرة هي العقبات التي تقف في طريقه، فهو طريق محفوف مليء بالمخاطر إذا ما قرر المثقف العربي أن يقف في وجه خصوم التغيير مجرداً من كل الأسلحة إلا قلمه وفكره..
ومعضلة المثقف العربي أنه عالق بين مأزق موروث ثقيل مرمي على عاتقه وبين تطورات ثقافية عالمية متسارعة من حوله تلقي بتأثيرها على أفراد مجتمعه..
يطرح المثقف الأسئلة والإجابات ويعرض تحليلاته وهو محاصر بين ثقافة محافظة على القديم وتحارب كل جديد، وبين أجيال أصبحت لا تنتظر الأذن في وضع إطار ثقافي لها حتى في اختيار مفرداتها اليومية التي قد لا يكون لها معنى إلا أنهم يتداولونها كإثبات لذواتهم وبأنهم قادرين على إيجاد الفرق بينهم وبين من سبقوهم بغض النظر أكان سلباً أو إيجاباً..
ومن الاشكاليات أيضاً أصبحت الثقافة وصمة عار يتندر بها الكثيرون، ويبدأ المثقف يبعد عن نفسه تهمة العمق أو يبادر في وضع نفسه في برج عال لينظر للآخرين بازدراء واحتقار..
وقد يتحول هدف المثقف من حماية روح المجتمع من كل ما يدمرها إلى نشر ثقافة غير سليمة قائمة على التبريرات والمراوغات والتلاعب بالألفاظ والقيم من أجل تحقيق أهداف شخصية..
ففي بلاد العرب بلاد الفقر والخوف لا تسمن الثقافة ولا تغني من جوع غالباً إلا إذا ارتبط المثقف بالسلطة ليصبح بوقاً لتلميعها وأداتها في غسل ادمغة الجماهير..
قليل منهم من ينزل من برجه العاجي ليخاطب الجماهير
وقليل منهم يلعب دور المثقف الحقيقي في تبديد الظلام بالنور المنبعث من نبراس المعرفة محاولاً إعادة خلق وعي جديد بما يتناسب مع إنسانية الإنسان وحق الجميع بالعيش معا بأمان مهما كانت اختلافاتهم..
لإيمانه بأن في البدء كانت الكلمة التي غيرت سلوكاً ولكنها ليست أي كلمة بل هي الكلمة القائمة على التحليلات الصائبة والنية الصادقة والتي لا تهادن سلطة ولا تكتب ما تريده الجماهير لإرضائها، بل تكتب ما تراه حق وخير وجمال بما يساعد في شق الطريق نحو الحضارة بما يليق بقيم العصر، وكرامة الفرد.
ومهما قيدوا حرية المثقف والمفكر واقعاً فالأفكار لا تقيد، وخاصة في عصر النت والفضاء المفتوح والفكرة التي لا تصيب هدفها الآن سنجد صداها مستقبلا عندما تختمر ويكون المجتمع قد اصبح جاهزاً لتقبلها.