المبادرة والإصرار السعودي المختلف

فرضت المتغيرات الدولية و الاقليمية على المملكة العربية السعودية الكثير من التحولات و التغييرات الطارئة في سياساتها على الصعيدين الدولي و الاقليمي و لذلك تحاول الرياض جاهدة ان تمسك بخيوط اللعبة و بالأخص منها ما يتعلق بملف الحرب في اليمن و هي تسعى جاهدة لترتيب اوراق المشهد السياسي اليمني و بعد ست سنوات من حالة "التخبط و الارباك" على المسارين العسكري و السياسي .

وجهدا في سعيها الحثيث للوصول لصيغة سياسية تلبي تحقيقها لطموحاتها و تضمن لها الحفاظ على مصالحها في المستقبل وفي تقديري ان "مبادرة السلام السعودية" للحل الشامل في اليمن تندرج في إطار تلك التحولات و التغييرات الجذرية للسياسة السعودية و هي في نفس الوقت تتوازى مع تحركاتها العسكرية الأخيرة على الأرض و التي فاقت كل تحركاتها العسكرية منذ تدخلها العسكري و دخولها أتون الحرب اليمنية .

ولذلك تبدو المبادرة السعودية مناورة سياسية لكسب الوقت و لتوفير الغطاء السياسي و الدبلوماسي الحذر للتحرك العسكري و على مختلف الجبهات العسكرية المشتعلة منذ شهرين و اكثر في مأرب و حجة و الجوف و تعز .

و هو التطور اللافت و المتسارع على مسرح العمليات و الذي لا يبدو بانه سيقلل من حدة قوة الضربات والقصف الجوي على مواقع و اهداف "المليشيات الحوثية" و التي كان آخرها القصف الجوي العنيف والذي استهدف مواقع و مخازن اسلحة حوثية في صنعاء .

وبينما يعزو الكثير من المراقبين المبادرة التي تقدمت بها الرياض للحل إلى ضعف موقف السعودية إلا ان حيثيات ومعطيات التطورات على الميدان تتنافى مع هكذا توصيف للمبادرة و لا اعتقد ان موقف السعودية ضعيفا و لأسباب عديده وليس أقلها اعتبارا التقاربات السياسية للمملكة مع تركيا و ما ترتب عليها من إحداث تفوق نوعي لسلاح الجو السعودي و بخاصه في ضرباته الجوية على الحوثيين في مأرب .

ولم يعد سرا الحديث عن تزويد انقره للرياض لطائرات "البير قدار قينجي" التركية وان انكرت تركيا تزويد السعودية لطائرة البيرقدار النوعية في تنفيذها للمهام القتالية و فعاليتها النوعية و المتطورة في اصابة الاهداف العسكرية فإن مقارنة صور الاقمار الصناعية لأكثر من معهد و مركز عسكري دولي مع الصور القديمة لاستهداف المليشيات الحوثية طوال سنوات الحرب الست تؤكد فعليا حصول الرياض على البيرقدار التركية .

وليس هذا فحسب و بل ان المسؤولين الإيرانيين وحلفائهم في حزب الله و الحشد الشعبي و الحوثيين أنفسهم يؤكدون تلك المزاعم والتي تتحدث عن حصول صفقة طائرة البيرقدار بين الرياض و انقره .

وعلى صعيد متصل بالأحداث و خلال اليومين الماضيين سحبت الرياض قواتها المتواجدة في عدن وهي الخطوة التي وصفت بالخطوة الاستباقية لتعزيز موقف "الحكومة الشرعية" و التي لازالت الرياض تتمسك بها كحليفة اساسية لها في الحرب وعلى الرغم من ان ذلك الانسحاب المفاجئ تشوبه الكثير من الممانعات المناوئة للرياض و الحكومة و مع ذلك فعلى الارجح انه تم .

وباعتقادي ان المبادرة السعودية وعند التدقيق في محتوى بنودها الاساسية و خطوطها العريضة و ما حوته من إشارات و تضمينات سياسية نجد أنها لم تحد ولم تخرج عن مسار القرارات الدولية للأزمة اليمنية وكما وشددت على الالتزام بالمبادرة الخليجية و مخرجات الحوار الوطني للحل السياسي الشامل و هي ذاتها الرؤية التي تبنتها الرياض في قمة "شرم الشيخ الاقتصادية-إبريل-٢٠١٥" و هي ذاتها المبادرة التي رفضها الانقلابيين الحوثيين وقتها.

والمبادرة وبصورة عامه تؤكد على ان الرياض مصممة على المضي في استمرار الحرب و ما رفض الحوثيين للمبادرة إلا الهدف الذي يعزز من المضي و الإصرار السعودي المختلف كليا عن ما سبقه.