صديقي أيوب ... الذي رحَــلَ عــنا... وما ماتَ فينا

مضتْ قُـــرابة مائة يومٍ على رحيلِ صديقنا ورفيق دربنا العميد الركن / أيوب عبدالرشيد، مدير المعهد الموسيقي العسكري للقوات المسلحة. وما زالتْ ذكراه تُــرســخ في أعماقنا يوما إثــر يوم بإيقاعات سمفونية الروح المعصورة بالأمل المرجو، والألم المؤلم، سمفونية نظن أنها ستظل  خالدة في وجداننا زمنا طويلا، لن تُــسدلها الأيام ولن تطويها السنين.. ذكرى تردد في صميمنا تراتيل السلام المنشود في مسيرة لهيب الذكريات ، ولحن الوفاء والوجع لـــ \ وعلى\ مَـــن  أوفى لنا في حياته  وتركنا أسرى لحزنٍ يعتصرنا على رحيله المبكر ونتصبر على رحيله بصبر أيوب ..  رحيل رجُــل عزف أعذب ألحان العطاء والبذل لهذا الوطن... لوطنٌ أعطاه أيوب كل ما لديه، ولم يأخذ منه سوى الأمل الغائب، وكثير من الوجع  والنكران .رحَـلَ عنا الصديق أيوب، باكراً بعد أن ترك خلفه ذرية صالحة و سمعة عابقة بالأخلاق معطرة بالدماثة، مضمخة بالبساطة والنُـــبل، غادرنا وقد ترك مملكة من الجمال والآمال.

 

          ... في أحد أيام شهر أغسطس- آب – الماضي، وهو الشهر الذي رحَــلَ فيه صديقنا أبو سامح أيوب عبدالرشيد، كنتُ أستمع لرائعة الشاعر العربي الكبير محمود درويش الشهيرة: (  مديح الظل العالي)  والتي ألقاها غداة خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت على إثر غزو وعدوان العدو الصهيوني  على لبنان عام 1982م، والتي يقول في أحد مقطعها : (

وحـــدي ادافـــع عـــن جـدار لـيــس لـــي

وحـــدي ادافـــع عـــن هـــواء لـيــس لـــي

وحـــدي عـلــى ســطــح الـمـديـنـة واقــــفٌ

ايـوب مـات ومـاتـت العنـقـاء وانـصـرف الصحـابـة

وحدي أراود نفسي الثكلـى فتأبـى ان تساعدنـي علـى نفسـي

ووحـــــــدي كــــنــــت وحــــــــدي عــنــدمـــا قــــاومــــت وحــــــــدي وحدة الروح الاخيرة).

 فإذا بخبرِ وفاة صديقنا أيوب يجتاح المواقع الإخبارية وبرامج التواصل الاجتماعية، فشبكتُ عشري على رأسي من وقع الخبر, فهتفت في أعماقي : فعلا رحيل أيوبنا الرشيد، وانصرف عن صحابته الى الأبد، ليتركنا ويتركهم واقفين على سطح  عدن ، مشدوهين لرحيله  منتظرين انبعاث عنقاء الوطن من بين رماد وحطام وطن تقاسمه اللصوص والوجع.. وطنٌ يتنكر فيه  أراذل القوم لأوفى وأنقى رجاله الذين آثروا الانتصار له، لا الانتصار به لأنفسهم  رجالٌ يغادروننا اليوم بصمت لا صخب ولا ضجيج، نرسل خلفهم نظرتنا الأخيرة ، نرميها بتحيتنا ودمعتنا الأخيرة.

سلاما عليك صديقنا يوم كنتُ معنا حاضرا، ويوم صرت فينا خالدا..سلاما عليك يوم ولدتَ، ويوم صِلتَ وجلت في بقاع هذا الوطن ووهاده وحضره وبواديه، وفي ساحات نضاله بكبرياء لباسك العسكري المُـهاب، وبجلال قامتك وشموخ هامتك  ورِفعتهما، ويوم رحلت وترجلت من على صهوة جوادك وجودك ،ويوم تبعثا حيا .