انتصارا للدولة المدنية: إبقاء العسكر في ثكناتهم مصلحة وطنية عليا 

 

 إن المتابع الحصيف والأمين بحيادية وموضوعية لتاريخ المنطقة العربية ومنها بلادنا في العصر الحديث سيرى بعين ثاقبة لا تخطئ أن السبب الرئيسي في نكباتنا وتخلفنا عن الركب الحضاري العالمي هو تولي أمرنا قيادات عسكرية استولت على أنظمة الحكم عن طريق الإنقلابات والمؤامرات وأسست لنظم قمعية بوليسية رهيبة انتهكت حقوق الإنسان وجعلت الشعوب العربية في خدمتها وفرضت عليهم طوقا من الترهيب والإستبداد والقمع ولم تكن تلك الأنظمة عبر تاريخها الدموي تعمل بجد ومصداقية من أجل بناء وتنمية الاوطان أو تحديثها والنهوض باوضاعها كافة بل أسست لديكتاتوريات من الطغاة المستبدين وأنشأت جيوشا استعراضية كرتونية مثقلة بالهزائم والخيبات والانكسار تحمي العصابات العسكرية المتسلطة وتعمل على قمع الناس بالعنف المفرط والتنكيل بالمعارضين والحريات العامة وتفاخرت ببناء السجون الرهيبة والمعتقلات التي زج بها كل حر معارض بمن فيهم حملة الرأي الآخر وتفننت بانتهاكات حقوق الإنسان بشكل بشع ومأساوي وتلك هي منجزات النظم العسكرية التي كانت وما زالت تشكل ظاهرة صوتية ممجوجة أفقدت العرب حقهم بالتغيير والتطوير والحياة الكريمة وجعلتهم يعيشون التخلف والصراعات والأزمات المريرة بكل صورها القاتمة.

 

لقد بات واضحا وجليا منذ تولى العسكر مقاليد الحكم في عدد من الدول العربية في خمسينيات القرن الماضي عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية التي سارت على نهجها وخطها غير الديمقراطي بلدانا عربية اخرى قد جلبت الكوارث والمٱسي والآلام والمعاناة الإنسانية القاسية ومازلنا نعاني من تبعاتها الأليمة الى يومنا وكانت مصدر تخلفنا وقهرنا والصراعات الدامية على السلطة بين النخب العسكرية والتي تركت في نفوسنا الكثير من المرارات والانكسار وظروف التخلف والحاجة فيما دول العالم التي سلمت امر الدولة للنخب المدنية باتت تسابق التطور والتحديث وتعيش شعوبها آمنة مزدهرة في ظل نظم مؤسساتية عادلة .. وعليه فإن تطلعات النخب العسكرية الدائمة نحو السلطة المدنية حال ويحول دون قيام الدولة الوطنية المستقرة الآمنة الديمقراطية الحديثة وأنه حان الوقت لإدراك خطورة الطموحات النخبوية العسكرية التي يجب أن تلجم بوقف ذلك التطلع العابث من خلال سن تشريعات قانونية صارمة تفرض على العسكر عدم الانخراط بالسياسة والحزبية بل وتحريم وصولهم إلى مواقع القرار في الدولة الوطنية المدنية الحديثة.

 

 ولذلك أن السبيل الوحيد لخلاصنا كعرب من ذلك الواقع العبثي لحكم العسكر من اجل الانتقال إلى نظم الحكم المدنية الديمقراطية المزدهرة الآمنة هو الانعتاق من استبداد وإرهاب النظم العسكرية الشمولية التي اثبت التاريخ بأنها لم تعد صالحة لإدارة بعض الدول العربية وقد أثبتت التجارب الماضية فشلها وعجزها ولا يعول عليها في اي بناء أو تنمية او تغيير وان مكان العسكريين الطبيعي هو البقاء في ثكناتهم العسكرية الرسمية وان مهمتهم تتحدد فقط في حماية السيادة الوطنية برا وبحرا وجوا ولا علاقة لهم بالعمل السياسي المدني الذي له رجاله وكوادره وفرسانه من الاختصاصيين ومن النخب السياسية والاقتصادية والثقافية وعليه فقد بات مطلبا ملحا عدم مشاركة العسكر في الحياة السياسية أو الانخراط في الأحزاب والمكونات الحزبية والسياسية لان تلك مجالات لا تعنيهم بشيء وليسوا اهلا للعمل فيها وليست من اختصاصاتهم المهنية حتى وإن أحيلوا للمعاش التقاعدي يجب أن تبقى مؤسسات الدولة المدنية في منأى عن اهتمامات وتطلعات العسكر وتلك هي مصلحة وطنية عليا للعرب وبدون ذلك لن تشهد المنطقة العربية أي تغيير نحو الأفضل والحياة الجديدة وبذلك التحول المنشود يأمن الناس على حاضرهم ومستقبلهم وكرامتهم وحقوقهم الإنسانية في الحياة .

 

              _______