"اليوم الدامي" .. هل يكون آخر فصول العنف في الجنوب ؟! 

 


هاهي الذكرى الأولى تهل علينا بصمت مطبق تناساها المتصارعون المتعطشون لسفك الدماء وراح ضحيتها عشرات الشباب الأبرياء بين قتيل وجريح فيما عاشت العاصمة عدن يوما عصيبا مثقلا بالرعب والقلق وفقدان السكينة .. إنها ذكرى مرور عام على واقعة الثامن والعشرين من يناير الدامي حينما فاق أهالي عدن في ذلك اليوم الاسود الكئيب على أصوات الرصاص والمدافع ومدينتهم تغلقها الوحدات العسكرية المدججة بالعتاد والسلاح وكل من المتحاربين اقتطع له شوارع وطرقات ومنافذ من المدينة المنكوبة في كل المراحل ولسان حالهم يتساءل ماذا حدث ؟ وتعيد بهم الذاكرة المثقلة بالمٱسي والذكريات الأليمة الى عقود مضت مشحونة بصور الحروب الكارثية الماضية الى زمن اعتقدوا أنه قد مضى من سنين في ١٣ يناير ١٩٨٦م الدامي وما أشبه تلك الليلة بالبارحة ولسان حالهم يقول هل تكون تلك المأساة ٱخر فصول العنف الدامي في الجنوب ؟! الذي لم يشهد فترة استقرار لينهض باوضاعه التي تسوء وتتردى منذ استقلاله الوطني في 30نوفمبر1967 م وافتقاده لنخب ناضجة واعية وفاعلة تقوده نحو المنجزات بالعمل والعدل وليس بالشعارات .

معارك شرسة وضارية اندلعت منذ عام مضى بين إخوة الوطن الواحد لكن قلوبهم شتى تفرقهم المصالح الضيقة والولاءات المناطقية والقبلية والخارجية المقيتة وتغذيها أطرافا عدة لا تنتمي للوطن الجريح منذ عقود خلت ولا يهمها نزيف الدماء التي تراق في مرحلة فقد فيها الشعور بالانتماء للوطن وتغلبت فيها لغة السلاح على لغة الحوار ، والجنون على العقل وصارت فيها القلوب اقسى من الحجارة فاقدة للاحساس ولا تعير اهتماما بوطن جريح أو مواطن يعيش وضعا مأساويا فيما يسجل التاريخ في كل مراحل العنف والطيش المستمرة عبثا صفحات مظلمة من انتهاك حقوق الإنسان واحراق وطن بات يتشظى فقد كل عوامل القوة والنخب الناضجة .

عشرات القتلى والجرحى من الشباب سقطوا في ذلك اليوم الدامي المشؤوم دون ذنب وهم ابرياء ودمائهم في رقاب المتصارعين المتعطشين للعنف وسفك الدماء وازهاق الأنفس خلفت وراءها مئات العائلات المنكوبة بوضع مأساوي غاية في الالم ، ٱباء مكلومون وامهات ثكالى ونساء ارامل وأطفال ايتام في مشهد مازال حزينا وصادما تدمي لمحاكاته القلوب وتهتز له العقول السوية وتبكي له الضمائر الإنسانية .

لم يعتبر فرقاء الجنوب من صراعاتهم المريرة في الماضي ولم يتعظوا من المٱسي والكوارث التي خلفتها تلك المراحل الهوجاء الآثمة ولم يأخذوا الدروس والعبر من دوامة العنف العبثية التي مازال البعض يستجرها باصرار ومكابرة ويعيش في ظلالها بل ويتم توارثها بشكل فيه الكثير من الفظاعات والصور البشعة وكأننا في غابة يستقوي فيها القوي على الضعيف ومازلنا نؤلب بعضنا على بعض بتفخيخ الساحة بالتهم الجاهزة الرهيبة وبالخطب النارية المشتعلة التي تهيج الناس وتعمق في نفوسهم قيم الكراهية والأحقاد التي جعلت من جنوبنا ملتهبا وفاقدا للامان والرقي والتطور والوئام والنظام وبات أبنائه قرابين للصراعات والعنف في كل المواسم الدامية فيما الوطن المنكوب يتخلف ويحترق ، تنهب ثرواته ومقدراته ويئن من الفساد ولا تشغل أطرافه المتناحرة قضية بنائه وتطويره وخروجه من سوء أوضاعه ومحنه المستديمة يتبادلون التهم وينسجون الاحلام العابثة بمشاعر الناس ويبثون الشعارات البراقة والاقوال المغلفة بالنفاق والدجل مع انها لا تشبع جائعا ولا تبني وطنا .

اليوم نتذكر بحزن والم عشرات من خيرة الشباب منهم من قضى نحبه ظلما ومنهم من يعيش بيننا اليوم معاقا ومنهم من فقد أجزاء مهمة من جسده المثقل بالجراح والالم جراء الاصابات البليغة والخطيرة وفي ظل إهمال رسمي لحال هؤلاء الذين تعرضوا للاذى البدني والجسدي والنفسي وهم في ريعان الشباب يتحسرون على حياتهم التي أصبحت بائسة وفي صدورهم جبال من الغبن والقهر ونحن معهم نتألم بحسرة على حالهم المنكوب وصحتهم الحرجة ودمائهم التي سفكت هدرا في معارك بينية عبثية غاشمة وٱثمة وكان مصيرهم الإهمال والجحود والنسيان يبحثون اليوم وبكل اسف عن لقمة عيش كريمة تحميهم واسرهم من قسوة ظروف الحاجة المهينة لكرامتهم فيما أبناء وعائلات رموز الحرب والعنف يعيشون في الخارج مرفهين ومنعمين ومطمئنين لا يشعر آباؤهم من الطغاة بمعاناة أبناء الفقراء ضحايا الحروب الذين يعيشون اليوم أوضاعا حياتية ومعيشية وإنسانية مأساوية مليئة بالقهر والحزن والحسرات ويعيشون وجع الجراح والاصابات الأليمة بصبر بعد أن كانوا مشاعل متوهجة تضيء سماء الوطن .

الصراع المحموم داخل وطننا الجنوب كان ومايزال فادحا وعبثيا منذ فجر الاستقلال الاول في 30 نوفمبر 1967 م الذي أصبح ضائعا فاقدا للمضمون كان منجزه الوحيد انتاج مسلسل العنف الرهيب الذي مازال مستمرا مخلفا عند كل مرحلة صراع دام كوارث إنسانية بشعة تتطلب اليوم إرادة شجاعة حرة ومن الجميع
أن يتخذ من التصالح والتسامح الحقيقي منهج حياة وسلوك وممارسة ونقله من دائرة الشعارات والخطابات والمكايدات الى فعل يومي حقيقي وملموس ليكون بصدق عقدا إجتماعيا جديدا ملزما للجميع ويضع حدا لدورات العنف العابثة والولاءات المقيتة وينهي والى الأبد واقع الفوضى الخلاقة المدمرة للوطن والمواطن .


________