علي ناصر: علاقات عدن بالقاهرة مساحة لا يمكن اختزالها .. ودور عبدالناصر في هذا المضمار (الحلقة 3)

(عدن الغد)خاص:

إعداد / د. الخضر عبدالله : 

اللقـاء الأول مع عبد الناصر  

أوضح الرئيس علي ناصر في حديثه السابق حول الاعتراف بجمهورية الجنوب بعد الاستقلال من الاحتلال البريطاني، وفي هذا العدد يروي عن العلاقة بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وجمهورية مصر العربية.. ويقول مستدركا :" الثورة اليمنية  كان للقائد العربي الراحل جمال عبد الناصر  دورا كبيرا في هذا المضمار، وسأتحدث عنه اليوم ،  ففي يونيو عام 1970م كنت أمثل بلادي بصفتي وزيراً للدفاع في احتفالات الجماهيرية الليبية بذكرى جلاء القوات الأميركية والبريطانية عنها، وكان عبد الناصر حاضراً هناك انطلاقاً من نظرته القومية البعيدة، يرى في ثورة الفاتح عمقاً جديداً لمصر، ويرى في الثوار الليبيين الشبان تلاميذ مدرسته، وإحدى نتائج تأثيرات ثورته، ويرى في طموح قائد هذه الثورة الشاب معمر القذافي وحماسته طموحه وحماسته وهو شاب، وهو الذي حارب الاستعمار والقواعد والأحلاف وأمّم قناة السويس وبنى السد العالي وساند حركات التحرر... وهذه المواقف جعلت منه زعيماً وطنياً وقومياً بلا منازع. شاهدته وصافحته لأول مرة في المهرجان الجماهيري الذي أقيم بهذه المناسبة، وقد سلم على الضيوف الذين يجلسون في الصف الأمامي نور الدين الأتاسي، القاضي عبد الرحمن الإرياني، أحمد حسن البكر، جعفر نميري، هواري بومدين، الباهي الأدغم، الملك حسين، فاروق قدومي، خليفة بن زايد وآخرين. قدمت نفسي إليه وطلبت منه في لحظة سريعة وعابرة أن ألتقيه، من باب المجاملة. لم أتوقع أنه في زحمة الاحتفالات والرؤساء والوفود المشاركة أنه سيتذكر هذا الطلب، وفي مهرجان آخر لوّح لي بيده من بعيد والتفت خلفه وطلب من مرافقه أن يبلغني بأنه قد تحدد موعد للمقابلة في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي في مقر إقامته بالقصر الذي كان يملكه ويسكنه ولي عهد المملكة الليبية الأمير الحسن الرضا السنوسي.

الجلطة القلبية لعبد الناصر  

وواصل حديثه وقال :" في اليوم التالي وعند الساعة العاشرة فتح الباب، وشاهدته وجهاً لوجه... لا تزال صورته راسخة في ذهني، ببذلته المقلمة، وقامته العملاقة، كان يسير في جناحه حيث استقبلني بمحبة وسرور وتعانقنا عناقاً حاراً. حضر المقابلة سـفيرنا في القاهرة «محمد عبد القادر بافقيه»، والكاتب والصحفي المصري الكبير محمد حسـنين هيكل الذي كان يرافق عبد الناصر في معظم زياراته الخارجية.

بعد كلمات الترحيب والمجاملة شكرته على الاستقبال وعلى مواقفه الوطنية والقومية تجاه القضايا العربية، وفي المقدمة قضية الشعب الفلسطيني، وأشدت بدعمه ومساندته للثورة اليمنية شمالاً وجنوباً، وتحدثت عن المخاطر والمؤامرات التي تتعرض لها اليمن الجنوبية، وطالبناه بالدعم السياسي لأننا ندرك أن مصر بعد نكسة حزيران كانت تواجه كثيراً من الصعوبات على الصعيد العسكري والاقتصادي.

أثناء الحديث، ودون شعور مني، وضعتُ على الطاولة الصغيرة التي أمامي علبة سجائر أميركية (Kent) وولاعة رونسون.

قاطعني وسألني: هل تدخن هذا النوع من السجائر؟

فأجبت: نعم.

فقال: لقد حرمني الأطباء إياها، وهي متعتي المفضلة.

كان يدخن قبلها سجائر كرافن أ CRAVEN A وL M خلال الخمسينيات وقد طلب إليه الأطباء المعالجون، ومنهم الطبيب الروسي المشهور «يفغيني تشازوف»  أن يمتنع عن التدخين، وكانت هذه هي المتعة الوحيدة التي بقيت له. أطفأ آخر سيجارة مشتعلة في يده بتاريخ 15 أيلول/سبتمبر 1969م بعد أن أصيب بجلطة قلبية، ولم يعد إلى التدخين حتى وفاته كما علمت فيما بعد، والدكتور «تشازوف» هو من عالج الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين وعدداً من قادة العالم بالإضافة إلى القادة السوفيات.

قال: تفضل دخّن.

احتراماً له لم أدخن، لكنه ألحّ عليَّ في التدخين، لأن هذا لا يضايقه. شعرت بأنه كان يريد أن يشتمّ رائحة الدخان، لأن الأطباء كانوا يمنعونه، بل يحرمونه متعته الباقية له، كما أشار إلى ذلك. حدث مثل هذا الموقف بعد ذلك مع الرئيس بريجنيف عندما طلب مني أن أدخن ونحن في السيارة بين المطار والكرملين، وسأتحدث عن ذلك في مكان آخر ..

في الحديث الذي جرى بيننا نصحنا الرئيس ناصر بأن نتجنب الصدام مع السعودية ، وحذرنا من الوقوع في الفخ المنصوب لنا، وقد شـبّهه بالفخ الذي نصب للجمهورية العربية المتحدة في حزيران 1967م.

ويتطرق الرئيس ناصر في حديثه قائلا :"  وانتقل الرئيس عبدالناصر إلى الشق الثاني للموضوع، فأخبرني بأن مصر لن تستطيع أن تقدم مساعدة إلى اليمن الجنوبية نظراً إلى الخسائر التي منيت بها في الحرب، ومن جراء إغلاق قناة السويس، وتهجير مواطني منطقة القناة، وإغلاق المصانع فيها وخسارة مناجم سيناء، وبترول أبو رديس، وما ترتب عن ذلك من مضاعفة ميزانية الجيش وازدياد أعباء الحرب وكلفتها.

وفي ما يخص التغييرات في السياسة المصرية بعد النكسة والتقارب المصري السعودي ومؤتمر القمة العربي الذي عقد في الرباط، أكد الرئيس عبد الناصر أنه لا يتوقع شيئاً كثيراً من السعودية وقال:

«أنا أعرف تماماً أن الملك فيصل لن يقدم شـيئاً، ولكنني أردت أن أكشف ذلك لمن ينتقدون سـياسـتنا تجاه السعودية. ولهذا فقد حرصت على أن أدعو الملك فيصل للمجيء إلى القاهرة حتى لا يرفض حضــور مؤتمر القمـة العربــي في الرباط. وفي لقائي به في القاهرة عرفت منه صراحـة أنه ليـس لديه ما يقدمه. كنت قد رجوت رئيسـكم سـالم ربيع علـي ألا يثير مشكلة الوديعة، لأن فيصل سيستغلها حجة للانسحاب من المؤتمر».

ويتابع الرئيس ناصر ويقول :" جرى بيني وبين الرئيس جمال عبد الناصر حديث آخر عن القضايا القومية، وقد أدركت من حديثه المرارة التي يحسّ بها حيث علّق قائلاً: «هناك حديث يدور حول إقليمية المعركة أو قوميتها، ونحن نحارب على أي حال إن كانت إقليمية أو قومية. وليس هناك مشكلة في هذا الصدد من وجهة نظرنا». وأضاف بمرارة: «لو أردنا المعركة إقليمية، لكنا حللنا قضيتنا من زمان». وكشف لي أن الأمريكان عرضوا عليه في عام 1968م إجلاء إسرائيل عن كل أراضي مصر التي تحتلها مقابل شرط واحد، هو عدم ربطها بمشكلة بقية الأراضي العربية المحتلة، وأنه رفض ذلك.

 عبدالناصر لعلي ناصر  " نحن معكم  "

ويسترسل الرئيس ناصر في الحديث ويقول :" شرحت للرئيس عبد الناصر الصعوبات التي تواجهها بلادنا بسبب عدم إيفاء البريطانيين بالتزاماتهم تجاه النظام في عدن وفقاً لاتفاق جنيف بتقديم 60 مليون جنيه إسترليني، فقال لي: «عليكم أن تصمدوا كما صمدنا في وجه الضغوط التي تعرضنا لها».

قال: «لا أخفي عليكم أننا كنا في الماضي «زعلانين منكم» ولكن هذا قد زال الآن ولم يعد هناك سبب للزعل والحساسية. وبعد أن ذاب الجليد فنحن نرحب بتبادل الزيارات بين السياسيين الحزبيين والرسميين في أي وقت». ووعد بأنه سيرسل مندوباً عنه إلى عدن، لحضور أيٍّ من مناسباتنا الوطنية. وقال: «نحن معكم بالرغم من أننا ساعدنا عبد القوي المكاوي في فترة من الفترات، ولكننا قد صححنا هذا الموقف واعترفنا بكم فور إنجازكم الاسـتقلال، ومش زعلانين منكم أبداً، مع أن هناك مسـؤولاً عندكم يشـتم مصر!»، وأشار بصفة خاصة إلى علي سالم البيض الذي هاجم عبد الناصر واتهمه بأنه برجوازي وأسير المخابرات المصرية بقيادة عزت سليمان، وقال إنني لم أصدق ذلك إلا عندما سمعته شخصياً من العقيد معمر القذافي الذي نصحه البيض بعدم تقديم أي مساعدة ليبية الى مصر، بل حذره من مصر، والتفت نحوي وقال: لقد ساعدنا نضالكم في الجنوب ضد الاحتلال البريطاني وساعدنا إخوانكم في صنعاء من أجل الحفاظ على النظام الجمهوري، وساعدنا ثورة الجزائر وحركات التحرر العربية والإفريقية وحتى ليبيا، قدمنا إليهم المدرسين والمهندسين والأطباء والضباط لمساعدتهم، ولم نطلب منهم دولاراً واحداً، وأعترف لك بأن الذي ساعدنا بعد نكسة حزيران رجل قومي اسمه زايد بن سلطان حاكم أبو ظبي، وقد دم لنا نقداً 5 مليون دولار دعماً لمعركتنا ضد إسرائيل وأنا لم أعرفه حتى اليوم، وبلده لا يزال تحت الاحتلال البريطاني. وواصل حديثه عن اتهامه بالبرجوازية: وقال لقد قرأت في الاقتصاد والفلسفة الماركسية أكثر منكم، وضحك وقال: لقد أممت قناة السويس وبنيت السد العالي ومصانع الحديد والصلب بحلوان، وأنتم ماذا فعلتم؟ أممتم السينما الصيفية بالمكلا . وكان يشير في حديثه إلى التأميمات التي قام بها عبد الله الأشطل  وعلي سالم البيض في حضرموت، ما يدل على أنه كان على اطلاع على ما يحدث عندنا، وأضاف بأدق التفاصيل رغم مشاكله الكثيرة بإزالة آثار العدوان هو «زعلان منا» لأننا دربناه في الصاعقة ورفسه أحد الضباط وسقط ووقع على وجهه، وقال إنه لم ينسَ ذلك، وقاطعته باحترام، وقلت: لقد كنت معه في الدورة نفسها بأنشاص وأنتم أيضاً لم تنسوا حديثه مع القذافي، فأنت كبير يا فخامة الرئيس والكبير يبقى كبيراً، أرجو أن نتجاوز ذلك. قال في نهاية اللقاء: «نحن معكم».

الرئيس مبارك علي ناصر لم يشتمنا يوما

ويردف الرئيس علي ناصر وقال :" لم تنقطع الاتصالات الرسمية والشعبية بين الشعبين والبلدين إلا بعد زيارة السادات للقدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد التي اتخذ العرب منها موقفاً في قمة بغداد بمقاطعة مصر التي لم تدم طويلاً. ظلت الاتصالات بين مصر والزعماء العرب تجري بطريقة سرية كما أكد لي ذلك السيد خالد محيي الدين أثناء لقائه الرئيس مبارك قبل زيارته عدن عام 1983، فقد تحدث معه الرئيس مبارك عن العلاقة مع عدن وقال إنّ الرئيس علي ناصر محمد لا يتصل بنا ولا يشتمنا، والآخرون يتصلون سراً ويشتموننا علناً فبلغه تحياتي، وأبلغه أننا أوقفنا خطة لإسقاط النظام في عدن بعد تسلمي رئاسة الدولة شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية بعد معاهدة عدن الثلاثية بين ليبيا وإثيوبيا واليمن الديمقراطية عام 1981. زار خالد محيي الدين عدن لأول مرة للمشاركة في الذكرى العشرين لثورة 14 أكتوبر، وبهذه المناسبة أقيم الاحتفال بعيد الثورة العشرين في «ملعب الشهيد الحبيشي» في المدينة الباسلة كريتر التي استولى عليها ثوارها وشعبها أكثر من أسبوعين وحرروها من قوات الاحتلال البريطاني عام 1967 رداً على نكسة حزيران في مصر واعترافاً ببعض الجميل لعبد الناصر الذي هتفت الجماهير بحياته ورددت أغنية الفنان الكبير محمد محسن عطروش «برع يا استعمار من أرض الأحرار» وكان ذلك بتاريخ 20 يونيو 1967م وهو يوم مجيد في تاريخ الثورة. ( للحديث بقية )