تقرير يتناول احتفائية الذكرى بعيد الاستقلال.. ماذا تحقق بعد (55) عاما من طرد الاحتلال البريطاني؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول احتفائية الذكرى الـ(55) لعيد الاستقلال الوطني في ظل أوضاع البلاد الراهنة..

هل تحققت أهداف النضال.. وهل فعلا تحررنا أم مازلنا نقبع تحت احتلال خفي؟

ماذا قدمت القيادة السياسية للوطن خلال (55) عاما من طرد الاحتلال البريطاني؟

لماذا بدأ البعض يحن إلى عهد الاحتلال البريطاني.. ومن أوصلهم إلى هذه الحالة؟

هل نحن بحاجة إلى قيادة وطنية حقيقية تقتدي بأبطال أكتوبر ونوفمبر؟

ماذا بعد الاستقلال؟

(عدن الغد) ماجد الكحلي:

احتفى الشعب اليمني أمس بالذكرى الـ55 لعيد الاستقلال الوطني، وخروج آخر جندي بريطاني من جنوب اليمن، 1967، والذي جاء تتويجا لنضالات الشعب وانتصارا لواحد من أهم أهداف ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر المتمثل بالتحرر من الاستبداد الإمامي في شمال الوطن، والاستعمار البريطاني في جنوبه.

حيث اطلق ثوار جنوب اليمن مقاومتهم في 13 أكتوبر عام 1963 أي بعد عام ونيّف على الثورة في الشمال، وكانت السنوات الأربع من المقاومة في جنوب اليمن مليئة بالعمليات الشجاعة وبالتضحيات الجسيمة وبقوافل الشهداء في كل ارجاء الجنوب اليمني الذي كان الاستعمار قد أمعن فيه تقسيماً الى اكثر من 21 سلطنة ومشيخة بالإضافة الى مستعمرة عدن.

> أهمية المناسبة

تعد ذكرى الـ30 نوفمبر 1967، أو ما يعرف بعيد الجلاء من أهم المناسبات الوطنية المتجذرة في وجدان الشعب اليمني، والذي يحرص على احيائها كل عام، من خلال تنظيم احتفالات فنية وخطابية واستعراضية، على أنغام الاناشيد الوطنية، بهذه المناسبة العظيمة التي شهد فيها اليمن، رحيل آخر مستعمر بريطاني من شطره الجنوبي، ونهاية كابوس الاحتلال الذي جثم على كاهل الشعب اليمني طيلة (129) عاما.

وتكمن اهمية وعظمة هذه المناسبة، التي نشهد ذكرها الـ(55)، في انها جاءت تتويجا لثورة اليمنيين ومراحل نضالهم ضد المستعمر البريطاني ولم تقتصر نضالات وكفاح الشعب اليمني ضد المستعمر على الفترة التي اعقبت ثورة الـ14 من اكتوبر 1963م وحسب، بل سبقتها العديد من المخاضات والارهاصات منذ مطلع الخمسينات وتجلت في تأسيس العديد من التنظيمات السياسية والحركات التحررية والنوادي والجمعيات والنقابات والتكتلات الطلابية والنسوية، والتي كانت جميعها تعبر وبصوت واحد عن رفضها للاستعمار مطالبة برحيله.

> ماذا يعني الاستقلال.. وما هدفه؟

يمكن وصف الاستقلال بالنسبة للأوطان بأنه الولاء والانتماء للوطن وبناء دولة النظام والقانون، وعدم التفريط بالسيادة الوطنية والقرار السيادي وتطور الأوطان وتنميتها والحفاظ على امنها واستقرارها السياسي والاقتصادي لأجل ازدهارها وتطورها.

أما الاستقلال بالنسبة  للشعوب فهو النجاة من الاحتلال والظلم والبغي والطغيان وتحقيق الحرية والعدالة والمساواة، كما يعني حياة العزة والكرامة والمشاركة في السلطة والثروة والأرض والسكن والوظيفة، فهل مضمون مفهوم استقلال الأوطان والشعوب ينطبق على استقلالنا من الاحتلال البريطاني؟.

لم يكن وصول الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني الى السلطة وعلى رأسها احد اركان حركة القوميين العرب الرئيس الرمز قحطان الشعبي مجرد اعلان تحرير تلك المنطقة من الاستعمار، بل كان ايضاً اعلاناً لإلغاء التقسيم البريطاني المشبوه وتوحيد السلطنات والمشيخات في محافظات ست شكلت جمهورية اليمن الديمقراطية التي كان من أبرز أهدافها هو إعادة توحيد شطري اليمن في خطوة نهائية لإزالة أثار الاستعمار القديم الذي ما ترك عصبية جهوية أو مناطقية أو قبلية أو مذهبية إلا وأثارها لكي يبقى اليمن العظيم أسير التقسيم والتجزئة، فكل استقلال حقيقي هدفه الوحدة، وكل وحدة حقيقية منطلقها الاستقلال بكل مضامينه.

> ماذا بعد الاستقلال؟

في كل عام تتكرر ذكرى الاستقلال يستعيد اليمنيون الروح الوطنية التي تجسدت نضالا لتخرج المستعمر البريطاني مطرودا من الجنوب اليمني، لكن هل مازالت تلك الروح الوطنية متقدة مشتعلة؟ هل مازالت حمم بركان جبل شمسان تثور غضبا مثلما كانت؟ ثم لنسأل أنفسنا ماذا تحقق بعد (55) عاما من طرد المحتل البريطاني؟ هل تحققت أهداف النضال؟ هل فعلا تحررنا أم مازلنا نقبع تحت احتلال خفي وايادي تحركها ذات المستعمر الذي قاتله أجدادنا؟ ماذا قدمت القيادة السياسية للوطن خلال (55) عاما من طرد الاحتلال البريطاني؟ ولو عملنا مقارنة بين دول مجاورة نالت استقلالها بعد استقلالنا بعقد أو عقدين وننظر أين وصلوا وأين وصلنا؟ سيقول البعض اننا تعرضنا للخيانة من الداخل والخارج في سبيل أن نقبع تحت وطأة الذل والفقر والعوز، فهل هذا العذر مقبول؟، هل يمكن إقناع شعب ضحى بفلذات أكباده في سبيل استعادة كرامته وحريته وحقوقه بهذا العذر؟.

لم يهنأ جنوب اليمن بعد الاستقلال في 67م بالهدوء والاستقرار السياسي، فلم ينفك الرفاق على الاقتتال فيما بينهم بدءا بجبهة التحرير وجبهة القومية في نهاية الستينيات، وبعدها التصفيات بين رفاق الجبهة القومية في نهاية السبعينيات، وبعدها بين الزمرة والطغمة في منتصف الثمانيات وختاما بالهروب إلى الوحدة غير المدروسة لتكون ثالثة الأثافي.

يقول الكاتب السياسي غمدان ابواصبع في مقالة له: "إن الثلاثين من نوفمبر تاريخ مشرف لتلك النخبة من المناضلين فأنا نقف مع مرور هذا التاريخ من كل عام ونحن نشعر بالمرارة على ما وصل إليه اليمن وهو يفتقر إلى قيادة توازي عظمة من سبقهم وحمل مشعل الحرية ووضع حياته مقابل تحقيق إقامة الدولة المستقلة دولة محورية تحمل تطلعات يمكنها من فرض وجودها.

لكم هو محزن ونحن نشاهد الى اين وصل حال اليمن وكيف تبخرت أحلام من قادوا الثورة وقدموا أرواحهم لبناء دولة مستقلة ذات سيادة يحكمها القانون وتسودها العدالة والتنمية منهجها وهي تعيش على وقع مرير من الانهيار الاقتصادي وتنهشها المطامع الدولية والإقليمية".

ويبدو أن هناك من بدأ يتحسر على خروج بريطانيا من جنوب اليمن، مع الأسف هذه هي الحقيقة المرة، فعند جلوسك مع كبار السن لاسيما الذين عاشوا أيام المستعمر البريطاني، تجدهم يحدثونك عن النظام والقانون والعدالة في المحاكم، والامن والأمان الذي ساد في تلك الفترة، بل والخدمات التي قدمتها بريطانيا لأبناء عدن لا سيما في المجال التعليمي والصحي والإداري، حتى صار ميناء عدن ثالث أفضل ميناء في العالم!.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل فعلا بريطانيا سلمت عدن لأبنائها أم أنها انتقمت منهم فسلمتها لغير أبناء عدن فعاثوا في البلاد ظلما وفسادا؟! يقول الدكتور مجيب الرحمن الوصابي في مقالة: "كم عبث بنا الرفاق سامحهم الله! وكانوا سببًا في الحنين للاحتلال؛ ولسان حال الناس كالمستجير من الرمضاء بالنار وعقب كل ثورة وانقلاب وحتى وحدة تزداد الأوضاع سوءًا.. قد كفر الناس بالثورة والثوار والوحدة والقومية والاشتراكية وآمنوا بالاستعمار مخلِّصًا ومُنجيا! يتوِّجها المزاج الشعبي بمقولة صارت مثلا (سلام الله على بريطانيا) قبل أن تُجيّر إلى (سلام الله على عفاش) وكلها فلسفةُ حنينٍ لماضٍ رغيدٍ؛ أو كذلك توهّمُوه مقارنين".

هل نحن بحاجة إلى قيادة وطنية حقيقية تقتدي بأبطال ثورة أكتوبر حتى تنسي هذا الشعب المكلوم آلامه وتحقق طموحاته وآماله؟ يقول الكاتب غمدان ابواصبع: "كم نحن بحاجة إلى استلهام ما قام به أبطال ثورة أكتوبر لنستعيد البوصلة بعيدا عن الشطحات الزائفة التي لن تعود على الوطن والمواطن الا بالويلات وتجعل من التعاسة عنوان قاتم لواقع اليمن السياسي".

هل فعلا افرغ نوفمبر المجيد من أهدافه الوطنية، وتحول سلعة تتقاذفها الأهواء والولاءات؟ يقول الدكتور مجيب الرحمن: "ماذا حدث يا سادة؟ كي نرتد على أعقابنا وأصبحنا نُسَبِّحُ الاستعمار ونلهج بالثناء عليه! نوفمبر المجيد أفرغ من محتواه؛ وما بقيَ سوى العطروش يصدح "برع يا استعمار... برع يا استعمار" دون أن يمتلئ بها الجيل الصاعد معنىً وتاريخًا وفهما".

ثم ماذا سيكتب تاريخ اليوم عن تاريخ الامس؟ هل حافظ الرفاق والقيادات تلو القيادات على آثار نضالات أبطال نوفمبر؟ وماذا سندرس أجيالنا؟ يقول الكاتب غمدان ابواصبع: "والذي يمكن ان يكتب التاريخ عن الحقبة التي نعيشها وهي حقبة مليئة بالنكبات يعمها الفشل ويسكنها الخوف والقلق في ظل مستقبل مجهول يجعلنا نقف اقزام امام عظمة من خلدوا ماضيهم النضالي بانتصار ساحق ليتوج بالثلاثين من نوفمبر.

وهو اليوم الذي يحتفل به شعبنا كل عام فما الذي سيحتفل به الأجيال القادمة وهي تدرس التاريخ الذي نحن نواته والتي للأسف لا تاريخ لنا وان كتب فإنه تاريخ قاتم بالسواد لأننا جيل لا رؤية سياسية ولا رصيد نضالي جيل ينتظر الأجنبي ليحدد شكل نظامه السياسي".

صحيح أن الشعب يعقد آماله على قيادته السياسية الجديدة ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي، الذي ورث تركة ثقيلة متخمة بالآلام والنكبات، إلا أن على القيادة السياسية الجديدة ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي أن تضع مصالح الشعب نصب عينيها وتستعيد الدولة والاستقرار الأمني والاجتماعي بعيدا عن الحسابات الإقليمية والدولية ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه ويفعل ما لم يستطعه رفاق ما بعد الاستقلال.