تقرير: هل كان توقيع الوديعة على ورق فقط أم أن هناك حلولا جذرية اقتصادية سنقبل عليها؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يقف على آخر تطورات الوديعة التي تم التوقيع والإعلان عنها..

بعد التوقيع.. هل تخف المعاناة عن كاهل المواطنين وهل ستشهد الأوضاع تحسنا ملحوظا؟

كيف تلاعب الصرافون بسوق الصرف المحلية عقب الإعلان عن الوديعة؟

لم تتغير أسعار الصرف مثلما كان متوقعا.. ما الذي يحدث؟

هل كانت الوديعة وهما أم أن الصرافين لم يجدوا من يضبطهم؟

لماذا حذر سياسيون من أن دعم الأشقاء مهدد بالضياع ما لم يكن هناك تغيير حقيقي في المنظومة الاقتصادية؟

الوديعة.. هل تكفي؟

(عدن الغد) ماجد الكحلي:

ثمان سنوات ومازالت البلاد تترنح، تتقاذفها رياح ارتفاع الدولار تارة، ورياح ارتفاع الأسعار تارة أخرى... ثمان سنوات ومازالت الحكومة الموقرة تستجدي هنا وهناك لوضع حد للاختلالات المالية التي أرهقت الجوانب الاقتصادية للبلاد.

وفي مفارقة عجيبة استقر سعر الصرف منذ سنوات في المحافظات التي سيطرت عليها مليشيا الحوثي فيما لايزال سعر الصرف في المحافظات المحررة يتخبط صعودا وهبوطا رغم الوعود العرقوبية بالإصلاحات المالية التي تحافظ على استقرار الصرف.

> هل كان التوقيع على ورق فقط؟

آخر تلك الإصلاحات الحكومية التي تحاول رأب صدع الانهيار الاقتصادي في بلاد حرم من تصدير نفطه أو فتح منافذه الجوية والبحرية والجوية لدعم الاقتصاد المنهار، هو توقيع الحكومة ممثلة بوزير المالية سالم بن بريك، ومحافظ البنك المركزي أحمد غالب المعبقي مع صندوق النقد العربي امس الأول اتفاقا لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والنقدي الشامل لليمن بقيمة مليار دولار.

هدف البرنامج الذي يغطي الفترة (2022-2025)، إلى إرساء مقومات الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي في اليمن، وتعزيز وضعية المالية العامة والموقف الخارجي للدولة، وإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز حوكمتها وشفافيتها، بُغية تهيئة البيئة الاقتصادية الكلية لتوسيع القاعدة الإنتاجية وتنويعها، وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل والمستدام، وخلق فرص العمل، بما يؤدي إلى وضع الاقتصاد اليمني في مسار أكثر استدامة، ويدفع مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويُخفّف من معدلات البطالة والفقر.

عقب هذا التوقيع حاول وزير المالية شرح أهمية هذا التوقيع، حيث اكد أهمية هذا البرنامج في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية في المصفوفة، ورفع وحشد الموارد وبناء القدرات في المالية أو البنك المركزي، كما انه يساهم في رفع الايرادات النفطية وغير النفطية، وهو ما سينعكس على الاقتصادي وتحسين معيشة المواطن.

> بعد التوقيع.. هل تخفف المعاناة؟

بعد التوقيع على اتفاق بقيمة مليار دولار بين بلادنا وصندوق النقد العربي تفاءل الشعب بسماع هذا الخبر آملين ان يخفف من المعاناة التي اثقلت كاهلهم فالوضع أصبح أكثر سوءا.

لكن استمرار الحرب يعني استمرار المعاناة، فالحروب لا تأتي الى بما هو سيئ، وأصبح الشعب يبحث عن بصيص أمل ولو بسماع الأخبار التي تتحدث عن اصلاحات اقتصادية فقد لقي خبر الاتفاق الذي تم مع صندوق النقد الدولي بمليار دولار صدى وتتفاعلا واسعا على أمل ان يخفف من المعاناة القاسية.

لكن اذا لم تكن هناك مساع دولية تنهي الحرب التي مزقت النسيج الاجتماعي ودمرت الاقتصاد والبنية التحتية، فإن الوضع سوف يزداد سوءا حتى وان أتت هذه الوديعة مادام  أن المنشآت النفطية والموانئ لا تعمل.

> تبعات هذا التوقيع

منطقيا تخضع اسعار الصرف للريال اليمني مقابل النقد الاجنبي لقانون العرض والطلب لا سيما بعد ان توقف البنك عن تقديم الدعم للقطاع الخاص وتغطية الاعتمادات لاستيراد السلع الاساسية ناهيك عن استيراد المشتقات النفطية.

وخلال الفترة الماضية شهد الصرف استقرارا نسبيا رغم شحة الامكانيات الا ان البنك المركزي استطاع ان يحافظ على ذلك الاستقرار عبر مزاداته الاسبوعية،

وبعد اعلان رئيس الوزراء عن موعد التوقيع على الوديعة السعودية الاماراتية المقدرة بملياري دولار والمعلن عنها عشية السابع من ابريل المنصرم شهدت السوق المالية تذبذبا، لكن اعلان رئيس الوزراء لم يكن مكتملا وهو غير دقيق، حيث انه لم يوضح شروط الوديعة الجديدة والفرق بينها وبين الوديعة السابقة التي تضمنت دعم القطاع الخاص وشراء السلع الاساسية والتدخل في السوق المالية والتي لم تتضمنها الوديعة الجديدة واقتصرت الشروط على تعزيز المركز المالي للبنك المركزي بعدن وتعزيز مبادئ الحوكمة واصلاح وبناء مؤسسات الدولة الهشة كما ورد على لسان وزير المالية سالم بن بريك والسفير السعودي محمد ال جابر.

ولهذا حذر مراقبون من الانجرار وراء اي زوبعة يثيرها بعض اللصوص والصرافين بهدف الاستيلاء على اموالهم لان الوديعة الجديدة لن يكون لها اي تأثير على السوق المالية باي شكل من الاشكال.

وبالفعل حصل ما كان يحذر منه، فعقب ساعات فقط من توقيع الوديعة السعودية وهبوط أسعار الصرف شن الصرافون هجمة مرتدة، حيث شهدت اسعار صرف العملات في عدن ارتفاعا ملحوظا عقب ساعات من انخفاض ملحوظ عقب توقيع اتفاق الوديعة السعودية بين البنك المركزي ووزارة المالية من جانب وصندوق النقد العربي والجهات السعودية من جانب آخر.

ورغم ان اسعار الصرف حققت تراجعا ملحوظا فيما يخص اسعار الدولار والريال السعودي مقابل الريال اليمني الا ان الصرافين سرعان ما التقطوا انفاسهم عقب ساعات من الخسائر.

وشن الصرافون العابثون منذ سنوات بسوق الصرف المحلية بعدن هجمة مرتدة نجحت في تحقيق ارتفاع جديد في اسعار الصرف لصالحهم.

ويرى مراقبون اقتصاديون ان ابقاء السوق المحلية تحت رحمة المضاربين بأسعار الصرف من شأنه ان يلحق ضررا بالغا بالعملة المحلية ويجعل اي جهود لدعم العملة لا قيمة لها.

> هل تكفي الوديعة؟

يرى مراقبون أنه مهما قدمت الدول المانحة وديعة تلو أخرى دون تفعيل نظام المراقبة والمتابعة والمحاسبة فلا فائدة، حيث تساءل كاتب سياسي عن إسهام الوديعة التي قُدمت من قبل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات في دعم العملة وحماية الاقتصاد.

وقال السياسي الدكتور عبدالوهاب طواف في سلسلة تغريدات له: "الدعم المالي الذي تقدمه لبلادنا كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية سيسهم بلا شك في دعم العملة وحماية الاقتصاد من مزيد من التدهور".

وأضاف: "ولكن تلك الودائع لن تخلق استقرارا طويل الأجل في اليمن، ولن تُستخدم في دفع الرواتب، وصنع تنمية مستدامة. هذه القضايا تظل معلقة، وتنتظر إجراءات جريئة وحاسمة من حكومتنا، عبر منع الفساد الذي عشعش في المؤسسات الإيرادية، والأوعية الضريبية".

وأردف قائلاً: "كما أن مهمة الحكومة تتركز في خلق وتطوير آليات تضمن بها تعزيز مداخيل الخزانة بالأموال، لأن معظم الضرائب والجمارك تذهب للمليشيات السلالية".

واختتم بالقول: "التحالف يقوم بعمله، ويدفع التزاماته، فماذا عن حكومتنا؟".

في المقابل يرى آخرون أن الوديعة لا يمكن ان تؤتى ثمارها دون ان تكون في وعاء مؤسسي ولا تتبع افرادا يتحكمون بها فيضيعونها، حيث تحدث القيادي في الحراك الجنوبي عبدالكريم سالم السعدي عن الوديعة السعودية الإماراتية إلى البنك المركزي بعدن، فقال في تصريحٍ له إنه يجب أن تصب الوديعة السعودية وغيرها من الإيرادات المحلية في وعاء مؤسسي وتراقبها جهات تمثل مؤسسات دولة.

وبين السعدي أنه دون ذلك فلن تكون إلا عبارة عن دين ينتقل من مرابي إلى آخر، وسينقشع غبار ضجيج الوديعة، ونكتشف أن حال الناس والوطن انحدر أكثر.

ويرى السعدي أن "الوطن سيستقيم ويستقر بقيادة تمثل الوطن وليس جماعات تمثل مشاريع الخارج".

فيما حذر سياسيون من ان دعم الأشقاء لليمن مهدد بالضياع ما لم يكن هناك تغيير حقيقي في المنظومة الاقتصادية، حيث يقول نائب رئيس الدائرة الإعلامية في المجلس الانتقالي الجنوبي منصور صالح إن الدعم المقدم من الاشقاء لليمن سيظل مهددا بالضياع ما لم يتم تفعيل جهاز الرقابة والمحاسبة وإعادة تشكيل المجلس الاقتصادي الأعلى.

وعلل منصور صالح في تدوينة على حسابه بموقع تويتر تحذيره هذا بقوله إن "بؤر بالفساد التي ابتلعت مليارات الدعم سابقا، ستبتلع ما أتى اليوم وسيأتي غدا".

وطالب منصور صالح في ختام تغريدته بتغيير حقيقي في المنظمة الاقتصادي العابثة. حد قوله.

في حين يرى مستشارون حكوميون انه لا يمكن انتصار الاقتصاد إلا بثلاث خطوات وهي ما افتقدته الحكومة لتحسين الاقتصاد وتثبيته، حيث كشف المحلل العسكري ومستشار وزير الدفاع العقيد يحيى أبو حاتم عن ثلاث خطوات تفتقدها الحكومة الشرعية لتحسين الاقتصاد وتثبيته، عقب التوقيع على اتفاقية بين اليمن وصندوق النقد العربي لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والنقدي لليمن.

وقال أبو حاتم في تصريح له "الانتصار في المعركة العسكرية يتساوى مع معركة التنمية وتحسين الاقتصاد الوطني، وأساس الانتصار يكون: ببتر يد الحوثي ومنعه من الوصول للموارد، ومكافحة المتاجرين بالعملة وتحجيم دورهم المعادي للاقتصاد، والحرص على الإصلاحات ومحاربة الفساد والإرهاب".

في حين يرى صحفيون أن هذا التوقيع وهذا الدعم سيعزز من نجاح مجلس القيادة الرئاسي في قيادة دفة سفينة البلاد، حيث اعتبر الصحفي سام الغباري إن الدعم الذي تقدمه المملكة العربية السعودية لدعم الإصلاح الاقتصادي سيعزز من نجاح مجلس القيادي الرئاسي.

وكتب الغباري في تغريدة له "دعم برنامج الاصلاح الاقتصادي الشامل الذي قدمته السعودية لليمن، يُعزز من نجاح مجلس القيادة الرئاسي والحكومة في خدمتهم للعائلة اليمانية الكبيرة".

> دوامة الصراع الاقتصادي

يبدو ان المواطن اليمني سيعيش دوامة الصراع الاقتصادي في ظل عدم ضعف اداء الحكومة ومطالبة الدول المانحة بضرورة تقديم برنامج شامل يحفظ مآلات الوديعة واثرها الاقتصادي على البلاد في ظل الحرب التي لم تضع اوزارها، بل ووصل الأمر إلى تعرض موانئ تصدير النفط إلى هجوم إرهابي من قبل مليشيا الحوثي الإرهابية الذي تسبب في فقدان الكثير من الإيرادات.

ولا يمكن انكار أن صعوبة الأوضاع الاقتصادية والمالية في اليمن انعكست سلبا على المواطن، وان هذه الوديعة والبرنامج جاءا في وقتهما وإن أُحسِن التصرف بهما ستعالج الأوضاع الاقتصادية والمالية والايرادية، وتعزز الإصلاحات الاقتصادية وابرزها زيادة الإيرادات، وتخفيف معدلات البطالة الفقر، ورفع مستوى معيشة المواطن.