تقرير يتناول استمرار تهريب الآثار اليمنية إلى الخارج ومخاطرها على الهوية

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول استمرار تهريب الآثار اليمنية إلى الخارج ومخاطرها على الهوية..

كيف تسربت آثارنا إلى الخارج.. ولماذا تنسب بعض الدول آثارنا إليها؟

كيف يمكن مواجهة شبكات تهريب الآثار ونتائجها المدمرة؟

هل تستطيع اليمن استعادة هذه الآثار.. وما دور الدولة؟

الآثار.. تاريخنا يُسرق

(عدن الغد) القسم السياسي:

تداعيات الحرب، أي حرب في العالم، لا تأتي تأثيراتها فقط على الواقع أو الوقت الراهن لأي بلد، بل إنها تنسحب على تاريخ وماضي هذا البلد، وتسطو على أمجاده ومآثره.

حدث هذا في حرب العراق الأخيرة (عام 2003) حين سطا الأمريكيون على تاريخ بلاد الرافدين، وسرقوا آثارا تعبر عن آلاف السنين، ووزعوها على العالم، يبيعونها ويدعون ملكيتها، فضاع تاريخ الآشوريين والبابليين وتشتت في قصور أثرياء أوروبا وأمريكا، ومزادات الارستقراطيين.

كما حدث نفس هذا النهب أيضا في خضم الحرب السورية، بعد عام 2011، حين باتت حدود الشام مشرعة للإرهابيين والدواعش الذين تاجروا بآثار سوريا مع الأمريكيين والصهاينة ومنظمات دولية بلا حسيب أو رقيب.

وراء كل هذا العبث بآثار بلد مثل أقدم الحضارات الإنسانية التي وجدت على الأرض، وتواجد فيها الإنسان قبل أن يتواجد في أي مكان آخر من العالم، كان وراءه عمل منظم ليس فقط من عصابات الآثار، بل كانت نهبا وسرقةً من قبل دول وأنظمة سياسية عبر أجهزتها الاستخباراتية المدربة.

وهو ما يؤكد أن الحرب التي تشن على دول الشرق الأوسط، ليست مجرد حرب لمصالح اقتصادية أو سياسية، ولكنها لغايات تاريخية وحضارية، تسعى لتدمير الأمجاد والإرث التاريخي، خاصة في هذه المنطقة من العالم التي احتضنت أغلب حضارات الدنيا القديمة.

ولا يمكن اعتبار أن تاريخ السبئيين، وأحفاد دول أوسان وقتبان ومعين وحميَر في اليمن سيكون بمنأى عن هذا الضياع الذي يتهدد تاريخ اليمن، الممتد لأكثر من أربعة آلاف سنة موثقة، وأكثر من ذلك بكثير من التاريخ غير الموثق.

كل هذا المجد الذي امتلكته اليمن، وما زالت تمتلكه، يتعرض اليوم لعمليات نهب وسطو ممنهجة، من قبل عصابات منظمة، مدعومة من دول عظمى، دولية وإقليمية، تسعى لتدمير تاريخ ومجد البلاد، تماما كما دمرت حاضرها ومستقبلها.

وهو ما جعلنا نسمع كل يوم وآخر عن مزادات علنية تقام في دول أوروبية وفي أمريكا، تباع فيها الآثار اليمنية بسعر بخس وزهيد، دون أدنى تدخل من الدولة أو سفاراتها في تلك الدول للمطالبة بحق اليمن التاريخي في هذه القطع الأثرية.

وحتى وإن كانت هذه القطع الأثرية اليمنية المسروقة المنتشرة في أنحاء العالم تباع بمليارات الدولار، إلا أن هذا لا يبرر مثل هذه الانتهاكات؛ لأن آثارا كهذه لا تقدر بثمن كونها تمثل تاريخا وحضارة لا يمكن أن تشترى، كما تفعل بعض الدول التي تحلم بامتلاك شيء ولو يسير من هذا التاريخ وهذه الحضارة.

ففي الغالب، فإن الدول التي تقف خلف هذه السرقات الممنهجة لتاريخ وحضارة اليمن أو العراق أو سوريا أو غيرها الذي يتجاوز سبعة أو عشرة آلاف سنة، تكاد تكون دولا بلا تاريخ.

حتى أن عمر هذه الدول الناهبة لا يتجاوز مائة عام كالكيان الصهيوني مثلا، أو حتى 400 عام كما هو عمر الولايات المتحدة، ومن شاكلها من الدول المتعاونة الأخرى التي تشترك في هذه الجرائم.

> كيف تسربت آثارنا إلى الخارج؟

غياب الدولة وضعف أجهزتها السيادية كالاستخبارات والجيش والأمن، تؤدي بما لا يدع مجالا للشك الى جعل مناطق البلاد مشاعا للعناصر الخارجية، التي تدفعها أطماعها في تدمير الحضارات وسرقة الآثار، وحتى الأطماع المادية إلى استغلال وضع كهذا.

وهذه الجرأة التي تدفع تلك المنظمات والدول إلى نهب آثار البلاد، لا يمكن لها أن تنجح إلا من خلال متعاونين من الداخل، تزيغ أعينهم في سبيل جني الثروات عبر نبش القبور والمدافن والمواقع الأثرية، واستخراج ما فيها وتهريبه وبيعه للخارج.

ولعل الحرب الدائرة في اليمن منذ ثماني سنوات فاقمت هذه الوضعية، وجعلت آثار البلاد وتاريخها مكشوفا أمام الناهبين الدوليين قبل الناهبين الإقليميين، الذين ما زالوا يحلمون بارتكاب جرائم نسب الآثار المسروقة إليها، لتصنع لنفسها تاريخا زائفا لا يمكن تصديقه.

لكن وضع اليمن، وما تعيشه من قبضة متراخية للدولة، سهّل من عملية السطو على التاريخ اليمني، ومنح السيطرة والنفوذ لمن بات اليوم يعبث بآثار وحضارة البلاد، دون أن يجرؤ أحد على محاسبته أو إيقافه.

الأمر الذي يؤكد أن الحرب الجارية حاليا، لا يمكن أن تكون فقط حربا عسكرية أو سياسية أو تبعا لأجندات خارجية، ولكنها أيضا حرب ثقافية، حرب في الهوية والتاريخ والانتماء للأرض التي تواجد فيها الإنسان منذ اللحظات الأولى للخليقة.

غير أن لهث بعض الدول إلى أن يكون لها تاريخ وحضارة حتى ولو على حساب حضارة وتاريخ الآخرين، يبرر ما تتعرض له الآثار اليمنية في الخارج، والتي بدأت من البدايات الأولى للحرب الراهنة في اليمن عام 2015.

ولعل نهب المتاحف، ونبش المواقع الأثرية في مأرب وبراقش والجوف وشبوة وحضرموت، والسماح بالبسط على المعالم التاريخية كالصهاريج مثلا أو المجلس التشريعي في عدن، دون أن يتم إيقاف هذه الأعمال يؤكد أن الأمر مدبر وممنهج بدقة.

> جرف الهوية

فالحرب هي بلا ريب ضد التاريخ والهوية والحضارة اليمنية، كما أن محاولات مليشيات الحوثي ربط التاريخ اليمني بأئمتهم القادمين من فارس، ومحاولة "تفريس" اليمن وجعل تاريخها جزءا من تاريخ إيران، هو جزء من هذه المخاطر المحدقة بالهوية اليمنية أيضا.

ومن أجل ذلك، عمل الحوثيون على تحريف التاريخ اليمني، وربطه بالوجهة التي أقبل منها أول أئمة اليمن، يحيى بن الحسين، الذي أتى من فارس بداية القرن الرابع الهجري، واستقر في اليمن مؤسسا حينها المذهب الزيدي الهادوي.

بل إن البعض من الانقلابيين الحوثيين (الأئمة الجدد) ينسبون أنفسهم ويفخرون بأن أصولهم تعود إلى اللصوص والمجرمين الذين أتى بهم ملك اليمن سيف بن ذي يزن من فارس لطرد الأحباش من البلاد، والذين حكموا اليمن عقب مقتل بن ذي يزن.

وكل ذلك تجريف للهوية اليمنية، وحاول تقليص عهدها إلى ألف عام أو يزيد قليلا، رغم أن القرآن والكتب السماوية الأخرى أكدت أن الحضارة اليمنية والهوية تعود إلى آلاف السنين، منذ زمن العرب العاربة، أو العرب الأولى.

وفي المقابل، إذا كان الحوثيون يريدون تقليص تاريخ اليمن إلى مجرد ألف عام فقط، فإن ثمة خطرا آخر، تروج له بعض الكيانات السياسية في البلاد، من خلال محاولة إرجاع هوية المنطقة في جنوب اليمن إلى عام 1958، حين شكلت بريطانيا ما يسمى "اتحاد إمارات الجنوب العربي".

وهي كلها ممارسات تغرس في عمق النفوس والأذهان، وتهدد بتلاشي هوية جامعة وشاملة لا ترتبط بتاريخ معين، بل تعود إلى وجود الخليقة نفسها، فبركان عدن وحده يعود تاريخه إلى نحو 6 ملايين عام، بحسب مختصين في علوم الجيولوجيا.

فكيف بمن يحاول إلغاء كل هذا العمر الغارق في تفاصيل الكون بكله، وليس فقط منطقة جغرافية ارتبطت بكيانات سياسية أو مذاهب دينية، لا يتجاوز عمرها في مجموعه ألفي عام.

> مواجهة التهريب

قد تحتاج عملية الحد من تهريب الآثار اليمنية إلى الخارج، ومواجهة عصابات السرقة والنهب إلى وجود دولة قوية، تمنع العبث الحاصل بتاريخ وحضارة البلاد، وهذا لن يتحقق إلا بتوقف الحرب، حينها يمكن أن تعمل اليمن على استعادة تلك الآثار المهربة.

كما أنه لن يتحقق إلا بالقضاء على الدعوات المناطقية والعنصرية والمذهبية الضيقة، والنظر إلى الإنسان المتواجد في هذه المنطقة بشمولية أكبر، سواء على مستوى الجغرافيا وعلى مستوى الزمان والتأريخ.