غلاء الأدوية.. همٌ آخر يؤرق اليمنيين

تقرير / وهب الدين العواضي

 

أوجدت الحرب اليمنية التي تدور رحاها طوال سبعة أعوام متتالية، أزمات متعددة، ضربت كل مجالات الحياة في البلاد، خصوصًا الصحة، إذ ساهم ذلك الوضع في تردي وانهيار النظام الصحي؛ ما تسبب في انتشار الكثير من الأمراض والأوبئة، إضافةً إلى سوء الأحوال المعيشية، لا سيما في مدينة تعز التي تعيش حصارًا مطبقًا مستمرًا منذ بداية الحرب.
هذه الأزمات والأوضاع الصحية الكارثية، أدخلت المواطنين في فصولٍ من المعاناة، بين أنين وآلام الأمراض، وصعوبة توفير الأدوية التي تضاعفت أسعارها بشكل جنوني وصل إلى 300%، عما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، وتتضاعف كثيرًا هذه النسبة من صنف لآخر من الأدوية، وأصبح الحصول على الدواء وشرائه، أمرًا يؤرق الأسر وينال من المرضى قبل أن يفتك بهم المرض ذاته.

 

"الدواء" بعيد المنال

ارتفاع أسعار الأدوية أثقل من كاهل المواطنين في المدينة، وضاعف من الماسأة الإنسانية التي يعيشونها في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، إذ وصل الأمر ببعض الأسر التي يعاني أفرادها من الأمراض خصوصًا تلك الأمرض المزمنة المستعصية على الأطباء، إلى عدم قدرتهم على شراء الأدوية في أغلب الأحيان.
تقول السيدة إيمان عبدالواسع، بأنها لم تستطع شراء الدواء لابنها خالد مشهور "12 عامًا"، هذا الشهر لعدم قدرتها الشرائية، وتضيف " ما قدرت أشتري العلاج هذا الشهر لأنه سعره غالي جدًا، وبالكاد والده يوفر مصاريف البيت، لكن مافي بيدنا حيلة".
يعاني الطفل خالد من مرض الشحنات الكهربائية، ولديه أيضًا ضمور في الدماغ، وقد خصص له الأطباء أصناف من الأدوية يجب أن تعمل عائلته على شرائها مطلع كل شهر، يصل سعرها إلى 50 ألف ريالاً يمني، أي ما يعادل 50 دولارًا أمريكيًا، بحسب والدته، إيمان.
تتابع إيمان، "ابني خالد يعاني من المرض منذ طفولته، وكنا في السابق قبل الحرب نستطيع شراء أدويته، لكن الآن أصبح ذلك صعبًا جدًا علينا في ظل هذه الوضع السيئ وارتفاع أسعار الأدوية"، ووفقًا لإيمان، كان هناك فاعل خير يساعدهم ويشتري لخالد الأدوية، لكن بعد أن توقف عن ذلك قبل شهرين، استطاع والده شراء نصف العلاج في الشهر الماضي، لكن هذا الشهر لم يقدر على شراء أي شيء منه، "ابني الآن مريض وهو بدون دواء، ويتعَب كثير، لكن مانقدر نفعله شيء!".

"الحصار" السبب الأكبر

تعددت الأسباب والعوامل التي تقف خلف ارتفاع أسعار الأدوية بشكل مهول في البلاد عامة، ومدينة تعز خاصة التي يتصدر الحصار المطبق عليها القائمة، إذ يحاصر جماعة أنصار الله الحوثيين، المدينة منذ اندلاع الحرب مطلع العام 2015، بأغلاق منافذها الرئيسية من الإتجاهات الأربعة، وأصبح دخول الدواء والغذاء في ظل هذا الوضع، صعبًا للغاية عبر طرق ومنافذ فرعية في غاية البعد والوعورة.
تلك المنافذ البديلة تأخذ مسافات كبيرة للوصول إلى مركز المدينة المحاصرة وبالتالي أثر ذلك على تكاليف نقل السلع والبضائع من بينها الأدوية، الأمر الذي انعكس على أسعارها وتسبب في مضاعفتها بشكل كبير عما كانت عليه قبل الحرب والحصار إلى جانب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، كما يرى الدكتور إبراهيم حمود، صاحب مخازن أدوية جملة.
ويقول في حديثه، إن الحصار التي تعيشه المدينة يعتبر سببًا كبيرًا في ارتفاع أسعار الأدوية، نتيجة ارتفاع تكاليف نقل الأدوية من العاصمة صنعاء إلى داخل مدينة تعز، وفي الغالب يكون تكاليف نقل صنف من الدواء أكبر من قيمته الشرائية الحقيقة، فمثلاً يكون سعر القرص الدواء 500 ريال من صنعاء ويباع هنا بحدود 1500 ريالًا، ويذهب فارق المبلغ كتكاليف نقل وضرائب وجبايات في الطرقات البديلة.
ويشير الدكتور إبراهيم إلى أن نسبة الارتفاع حاليًا تصل إلى 300% عما كانت عليه قبل الحرب، فيما بعض الأصناف من الأدوية تصل نسبة ارتفاعها إلى 1000%، مثل عبوة الإبرة الطبية "الحقنة"، كان سعرها قبل الحرب 600 ريالاً أما الآن فأصبحت بسعر 6 آلاف ريالاً.
ويوضح أن هناك أسباب أخرى أيضًا ضاعفت من أسعار ارتفاع الأدوية منها الانقسام المالي في البلاد، بين مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها وجماعة الحوثيين، خصوصًا وأن شركات الأدوية الكبيرة والأساسية تتواجد في العاصمة صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيين ويضطر موردي الأدوية للتعامل معها بالعملة الصعبة سواء الدولار الأمريكي أو الريال السعودي، وفارق الصرف بين مدينة تعز وصنعاء يتجاوز الضعف تمامًا.
"احتكارٌ وسوق سوداء"

في ظل حالة الحرب والانقسام والتشظي في البلاد وغياب مؤسسات الدولة وضعفها، عمدت شركات الأدوية الكبرى إلى احتكار بعض أصناف من الأدوية وتوزيعها لشركات توزيع محلية معينة تعمل على توريدها للسوق السوداء بأسعار مضاعفة تمامًا عن سعرها الحقيقي أو لعدم توفيرها للسوق ورفع الطلب عليها وبالتالي يرتفع معه منسوب السعر.
وفي هذا الخصوص يقول الدكتور الصيدلاني عبده ردمان، إن هناك شرائك تقوم ببيع أصناف من الأدوية لموزعي أدوية وتجار يقومون باحتكارها وبيعها بالسوق السوداء بأسعار مرتفعة وغالبًا تكون هذه الأدوية مهمة وضرورية لأصحاب المرضى المزمنة وهم مجبرين على شرائها بهذا الشكل، مشيرًا أنه خلال تفشي جائحة كورونا كوفيد-19، وصلت حالة الاحتكار الى ذروتها مع زيادة الطلب على الأدوية خصوصًا الوقائية.
ويضيف ردمان أنه قبل الحرب كانت هناك شركات أدوية عالمية وكلها orginal بمعنى أصلية، وكانت تتوفر بشكل كبير في السوق وبأسعار مناسبة وقتها خصوصًا مع إنخفاض سعر الصرف مقابل العملات الأجنبية، لكن الآن شركات الأدوية المتوفرة بالسوق تكون غالبًا صينية أو هندية، وتوفر أدوية جودتها الطبية ردية للغاية وبأسعار مرتفعة.

"أدويةٌ مهربة"

وعلى نحوٍ مختلف، درج الكثير من موزعي الأدوية والموردين المحليين إلى عملية تهريب الأدوية، بحسب ردمان، بغية التهرب الضريبي بدون أي رقابة من الجهات المعنية، ويعملوا على بيعها بشكل كبير في العديد من الصيدليات الحديثة أو في السوق السوداء وغالبًا تكون بأسعار منخفضة وفي البعض الآخر، متضاربة بين الارتفاع والإنخفاض، ومع هذا الارتفاع الكبير في الأسعار يضطر المرضى إلى شرائها.
ووفقًا لمصادر صحفية، فرضت جماعة الحوثيين في صنعاء زيادة بنسبة 30% في الرسوم الجمركية تطبق في جميع المنافذ الجمركية الخاضعة لها، وتشمل كذلك جميع السلع المستوردة والقادمة من ميناء عدن والمنافذ البرية الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، وهذا ساهم من ارتفاع الأسعار أيضًا خصوصًا وأن اليمن تعتمد على استيراد أكثر من 80% لتغطية احتياجاتها الأساسية من الأدوية.
هذا الارتفاع الجنوني في الأدوية أرهق المرضى وفاقم من معاناتهم كثيرًا، وخاصة في فترة تفشي جائحة كورونا، الضيف الذي أثقل من كاهل اليمنيين بفترات تفشيه الأولى والثانية، وفتح الأفاق لشركات وتجار الأدوية لاحتكارها والمبالغة في أسعرها، واستغلال حاجة المرضى.