ما الذي يمنع توحيد القوات الأمنية والعسكرية في المحافظات المحررة؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل للعوامل والأسباب التي تحول دون دمج وتوحيد الفصائل والوحدات المسلحة في المحافظات المحررة وتأثير تأخرها على حالة الاستقرار...

> عدن الغد - القسم السياسي:

يدرك القاصي والداني مدى التأثير الذي تسبب ويتسبب به عدم وجود مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة في اليمن، تجتمع فيها كافة القوى المسلحة على كلمة سواء، يكون فيها الوطن هو الصوت الأعلى والانتماء الأوحد.

فمنذ عام 2015، وعقب تحرير عدن وبقية المحافظات الأخرى، شمالا وجنوبا، من مليشيات الحوثي لم يعد هناك مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة في عموم تلك المناطق، واعتمدت السلطات حينها على مقاتلي المقاومة المسلحة التي حررت المحافظات من الانقلابيين الحوثيين.

لكن هناك الكثير من الاختلالات اعترت عملية الاعتماد على المقاتلين الشباب والمقاومين، عند اعتمادهم في قوام الوحدات الأمنية والعسكرية، ربما بسبب الحاجة المُلحة لإيجاد بنية أمنية تحفظ الأمن، والتي أدت إلى التسرع في عملية الاستقطاب والإلحاق، وأيضا نتيجةً لتعدد الانتماءات السياسية وحتى الدينية التي خضعت لها عملية استقطاب المجندين الجدد.

هذا الواقع أدى إلى وجود تشكيلات مسلحة تأتمر حتى بأوامر شخصيات أنتجتهم الحرب، أطلق عليهم لاحقا بـ"أمراء الحرب"، تعددت ولاءاتهم بحسب مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة التي أتت على حساب المصلحة العامة ومصلحة الوطن.

فكان أن ظهرت وحدات وفصائل مسلحة متعددة الولاءات والانتماءات لقوى محلية وأخرى خارجية، جعلت من البنية العسكرية والأمنية غير مستقرة، تسببت باقتتال بعضها البعض ليس في سبيل الصراع على السلطة والحكم فقط، بل حتى من أجل نزاعات يمكن وصفها بـ"التافهة"، وصلت لحد النزاع على الأراضي أو أدنى من ذلك.

وللأسف، فإن التداعيات المرتبطة بهذا الواقع، تكررت دونما عبر حوادث دموية ومواجهات مؤسفة راح ضحيتها الأبرياء، نظرا للحسابات الضيقة لكل تلك الوحدات والفصائل، ورغم تجدد هذه الأحداث مرارا إلا أن الوضع استمر بالانفلات ولم يحظ بأي معالجات أو حلول.

ولعل ما جرى مؤخرا في محافظة شبوة، لم يكن سوى نموذجا بسيطا يؤكد هذا الواقع المتكرر، ويمكن تعميمه على مختلف المحافظات المحررة التي شهدت حوادث مشابهة، ويكشف مدى المأساة التي قادت إلى استمرار الاقتتال بسبب تعدد وتشظي الوحدات والفصائل المسلحة.

وما دامت هذه الحالة المنفلتة التي تتصف بها الوحدات والفصائل المسلحة في عموم المناطق المحررة، فإن استمرارها ينبئ بمخاطر عظمى تتجلى أبرز معالمها في مسلسل المواجهات التي لا تنتهي وتهدد البلاد برمتها، ولا تصب إلا لمصلحة المليشيات الحوثية فقط.

ويبدو أن الأمر مرشح للاستمرار في ظل عدم تسريع الخطى والإجراءات الخاصة بعملية دمج وتوحيد كافة الفصائل تحت كيان واحد، ومؤسسة سيادية تعمل على التخلص من كافة الولاءات، والإبقاء على الولاء للوطن والمواطنين واستقرارها.

> ما الذي يمنع الدمج؟

دخلت الأطراف التي تسيطر على القوات المسلحة والفصائل المتشظية بالمحافظات الجنوبية في الكثير من جولات التفاوض والمشاورات لدمج وتوحيد كافة الوحدات في إطار كيان مؤسسي موحد، يتبع لجهة واحدة.

ولعل اتفاق الرياض يأتي على رأس تلك الاتفاقيات والتفاهمات التي بنيت من أجل تحقيق هذه الغاية، وهي دمج وتوحيد كافة الوحدات المسلحة، أمنيا وعسكريا، غير أن هذا الاتفاق ما زال "حبرا على ورق"، وظلت بنوده المتعلقة بهذا الشق بعيدة عن التنفيذ.

ويمكن أن يكون السبب وراء عدم تنفيذ بنود اتفاق الرياض المرتبطة بالملفات العسكرية والأمنية هو غياب الثقة بين الأطراف المتصارعة والتي تمتلك العديد من الوحدات المسلحة، التي ترى أنها أداة وسلاح يضمن مكاسبها ومصالحها.

وترى تلك القوى أن مجرد البدء بعملية الدمج فإنها ستفقد قوتها ونقاط الضغط التي تمتلكها، ومثل هذه الأسباب والعوامل هي من تحول دون دمج الوحدات المسلحة، وتمنع عملية توحيد الفصائل المتشظية في المحافظات المحررة كافة.

الأمر الذي يجعل من حالة الصراع الحاصلة في تلك المناطق مستمرة ومتواصلة، ولن تصل إلى مرحلة إنهائها، ما دامت القوات المسلحة التابعة لهذا الطرف أو ذاك خارجة عن إطار مؤسسة رسمية موحدة، تجمع ولا تفرق وتوجه غايات الوحدات المسلحة نحو هدف عام ووحيد، بعيدا عن الأهداف الضيقة والمصالح الشخصية.

ورغم وجود جهود سياسية من القيادة الجماعية للبلاد، التي عملت على إنشاء لجنة وهيئة عسكرية مختصة في هذا الشأن، مهمتها الأساسية العمل على توحيد ودمج الوحدات المسلحة، إلا أن عمل تلك اللجنة لم يثمر حتى الآن.

> عوائق أمام التوحيد

اللجنة العسكرية والأمنية التي أسسها المجلس الرئاسي اليمني، أواخر مايو/آيار الماضي، برئاسة العسكري المخضرم اللواء ركن هيثم قاسم، تواجه الكثير من التحديات أمام عملها ومهامها في عملية الدمج والتوحيد للفصائل المسلحة.

بعض تلك التحديات، تمت الإشارة إليها سابقا، وتتمثل في رغبة كل طرف الحفاظ على مصالحه ومكاسبه السياسية عبر أذرعه العسكرية والأمنية التي يسيطر عليها، لهذا تبدو عملية الدمج والتوحيد مرهونة بمدى الترغيب والترهيب التي يجب أن تمارسها جهات خارجية وداخلية تجاه كل طرف يرفض التخلي عن أجنحته المسلحة.

ومن العوائق الأخرى التي تقف أمام اللجنة العسكرية والأمنية المختصة بالدمج، ارتباطات القوى المسلحة والتيارات السياسية التابعة لها بأجندات خارجية، تفرض عليها الاستمرار بممارساتها التي تتسبب بتأجيج الصراعات الداخلية خدمةً لمصالح الخارج.

وهذا يتطلب أيضا تدخلا من المجلس الرئاسي اليمني لتحييد تلك القوى الخارجية عن التدخل في الشئون الداخلية، أو العمل على تفاهمات تضمن مصالح الجميع، بمن فيهم الخارج، الذي يبدو أنه لن يترك البلاد مستقرة إلا إذا أخذ نصيبه من "الكعكة اليمنية"، أو على الأقل ضمان عدم الأضرار بمصالحه.

بالإضافة إلى عامل الوقت الذي يمثل تحديا أمام عمل اللجنة، في ظل إنشاءه قبل نحو شهرين ونيف، حيث تحتاج إلى وقت طويل لتحقيق تقدم حقيقي وملموس في عملها، وسط غابة من التحديات والعوائق السياسية والأمنية والخارجية.

ويرى مراقبون أن المجلس الرئاسي بمقدوره أن ينجح في توحيد القوى المسلحة المتشظية في المحافظات المحررة، في حالة براعته في اللعب على المتناقضات، وضمان مصالح الجميع بمن فيهم القوى المحلية والإقليمية والدولية على السواء، وتوفير سياسة متوازنة مع الجميع تقود إلى استقرار البلاد أمنيا وعسكريا واقتصاديا.

ورغم كل تلك الصعوبات والتحديات الجمة إلا أن عملية الدمج والتوحيد العسكري تبدو ممكنة، وقد تكون في المتناول إذا استطاعت النخبة السياسية استغلال الأوضاع والأحداث الأخيرة، واستثمار ما حققته من فوضى ورفض واسع شعبيا وخارجيا لتكريس هذا الدمج والعمل على تحويله واقعا ملموسا.

وإذا كانت عملية التوحيد العسكري هذه تبدو صعبة، عطفا على الصراعات الداخلية المدعومة إقليميا وخارجيا، إلا أنها ليست مستحيلة، إذاما استطاعت القيادة استمالة وتوظيف كل العوامل المتاحة لتحقيقها.

ولعل أبرز تلك العوامل استغلال إمكانيات التحالف العربي، بحكم دوره المتداخل في البلاد، ومصالحه المتمثلة في الاستقرار الكامل البلاد على مختلف الصعد والمجالات.