حديث الرئيس العليمي وتفهمه للاحتجاجات الخدمية ووعوده بمعالجة الوضع.. ما دلالاته؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل لتعهدات رئيس المجلس الرئاسي ووعوده بحلحلة الأزمة الخدمية والمعيشية ووضع الرجل وقدراته في تنفيذ تعهداته..

الاعتراف بوجود الأزمات.. هل هو جديد على الساحة السياسية اليمنية؟

ما هي الصعاب التي تواجه الرجل في محاولة ضبط الأوضاع المعيشية بالمحافظات المحررة؟

كيف سيواجه الرجل أساطين الفساد وهواميره في مجال معركة استعادة الموارد؟

هل ستتعاون الأطراف السياسية مع الرجل وسط حالة إجماع شعبي على المجلس الرئاسي؟

كيف سيستطيع العليمي تجاوز تركة الانقسامات السياسية التي ورثتها الدولة خلال السنوات الماضية؟

تأييد التحالف ودول الخليج للمجلس الرئاسي والعليمي.. هل كان مجرد (حبر على ورق)؟

كيف يمكن معالجة الأزمات للاقتصادية في ظل وضع عالمي مضطرب وفساد المؤسسات المحلية؟

ما الذي يحتاجه العليمي من دول التحالف والخليج؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

ينظر الناس إلى السياسيين بشكل عام بأنهم يعيشون في "أبراج عاجية" ولا يستشعرون ما يمر به بسطاء المواطنين من معاناة، وهي حقيقة واقعية ولا مبالغة فيها.

فغالبية السياسيين معزولون عن الحياة اليومية بتفاصيلها الموجعة التي يكابدها المواطنون، ولعل هذا الأمر موجود في أغلب الدول العربية إن لم يكن جميعها.

لكن حقيقة كهذه ستبدو أكثر وجعا وألما في بلد مثل اليمن، يعيش أغلب مواطنيه تحت خطر الفقر والحرمان، ما زالوا يبحثون عن الاستقرار المعيشي والخدمي، مع وجود نحو 4 ملايين نازح يمني تركوا مدنهم وقراهم بحثا عن الأمن والأمان، بسبب ثماني سنوات من الحرب.

وطيلة سنوات الحرب تلك أدت إلى انقسام المجتمع اليمني إلى عدة طبقات متفاوتة، قسمتها ضوابط ومعايير تداعيات الحرب، ما بين فئات مستفيدة منها وأخرى ترزح تحت ويلاتها.

لكن الوجع الأكثر عمقا هو حديث البسطاء عن وجود فئة بعيدة تماما عن واقع المواطنين المكتوين، وهم السياسيون المنتمين للطبقة الحاكمة والمسيطرة على مقدرات البلاد.

فقادة الحوثيين ومسئولو الحكومة اليمنية وزعماء المكونات السياسية كالمجلس الانتقالي الجنوبي والأحزاب اليمنية قابعون في فنادق دول التحالف وإيران والعواصم العربية والعالمية، فلا يستشعرون هم وعائلاتهم بما يدور في البلاد من معاناة.

وحتى إن تواجد هؤلاء المسؤولون في الداخل اليمني فإنهم يمكثون في قصور توفرت فيها كافة صنوف الاحتياجات والخدمات، مما يجعل معيشتهم في رفاهية ورغد، بينما الشعب يكتوي بنيران الحرمان.

بل إن معظم أولئك المسئولين قد يرصدون احتجاجات شعوبهم دون أن ينطقوا ببنت شفه أو يعبروا عن موقفهم منها، وعما يجب أن يتخذوه لإصلاح الأوضاع المتردية والمتدهورة، وهو ما يزيد من نقمة الناس على هؤلاء القابعون على قمة هرم السلطة في البلاد.

> شرعية الاحتجاج

على مدى التاريخ المعاصر.. لم تكن الأوضاع المعيشية والخدمية في اليمن مستقرة استقرارا مطلقا، فمنذ الدولة اليمنية الحديثة التي بدأت مراحلها في بدايات ستينيات القرن الماضي شمالا وأواخر ستينيات القرن الماضي جنوبا.

وحتى وإن شهدت البلاد استقرارا ما، فهو نسبي وليس كاملا، وقد يكون محصورا في منطقة جغرافية معينة وسط حرمان بقية المناطق، أو مقتصرا على سنوات قليلة سرعان ما يتلاشى، وهو ما يؤكد أن الاستقرار لم يكن مطلقا أبدا.

لكن الحرب الدائرة منذ قرابة ثماني سنوات فاقمت الوضع المتردي للخدمات وقضت على البنية التحتية تماما، وأرجعت البلاد إلى ما قبل الدولة الحديثة في ستينيات القرن الماضي، وهو ما سعت إليه مليشيات الحوثي.

ووضع كهذا لا يمكن مقارنته بوضع الخدمات في سنوات ما قبل الحرب أو حتى الأزمة السياسية بالبلاد، وتحديدا ما قبل عام 2011، حين كانت الخدمات مستقرة نسبيا.

وهذه المقارنة هي من أخرجت الشعب للتظاهر والاحتجاج في مدينة مؤخرا، خاصة بعد الجرعة الاقتصادية الأخيرة وارتفاع أسعار الوقود، وما تزامن معها من تدهور سعر صرف العملة المحلية.

الأمر الذي يفاقم معاناة الناس ويجعل من خروجهم واحتجاجاتهم شيئا مفهوما ومتقبلا، بل إنه خروج مشروع في ظل حياة الرغد والرفاهية التي يعيشها المسئولون ومن يتوجب عليهم حل مشاكل الناس الخدمية.

> موقف العليمي

عقب احتجاجات عدن الخدمية الأخيرة، خرج رئيس المجلس الرئاسي الدكتور رشاد العليمي يتحدث عن المظاهرات الشعبية التي طالبت بإصلاح منظومة الخدمات ووضع حد للتدهور المعيشي في البلاد.

كان موقف العليمي مغايرا لمواقف من سبقوه من السياسيين والمسئولين، فقد تحدث بلغة استشعر منها المراقبون رغبة الرجل في معالجة الأوضاع المتردية، واعترافه بتدهورها بشكل مريع، واعدا الجماهير بحلها.

دلالات الموقف المعلن للعليمي عبر تغريداته في "تويتر" توحي بالكثير، فهي تمثل رد فعل غير مسبوق وأول من نوعه صادر عن رأس هرم الدولة اليمنية، لم يسبقه أحد قبله.

قد يكون المراقبون والمواطنون سمعوا بمثل هذه المواقف من مسئولي الخدمات محليا، أو محافظي المحافظات كرد فعل لامتصاص غضب الشارع، لكنهم لم يسمعوا أبدا من رئيس دولة يمني هذه اللغة وبهذا الأسلوب.

حتى أن ردة فعل الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح في خضم أحداث ثورة فبراير 2011، لم تكن تحمل هذا الودية في الطرح، فقد كانت تحمل في طياتها اتهامات وندية، ونتج عن هذه اللغة عدم تقبل، على العكس من موقف العليمي.

فموقف رئيس المجلس الرئاسي الأخير كان متقبلا ونجح في أن تتفهمه الجماهير التي التمست عفويته، عقب اعترافه بصعوبة الوضع ووجود أزمة حقيقية في المعيشة والخدمات، وهذا بحد ذاته بداية لحل المشكلات والأزمات، وفق رؤية مراقبين.

كما أن حديث الرجل وتفهمه للاحتجاجات ووعوده بمعالجة الوضع هي من منحت هذا الموقف الجديد على الساحة السياسية اليمنية، قدمت رؤية من قبل أعلى مسئول في الدولة للأزمة المعيشية والخدمية التي تواجهها اليمن.

> صعوبات وتحديات

تبدو الخلفية التي جاء منها الرئيس العليمي قادرة على معالجة الوضع الاقتصادي والمعيشي، باعتباره يمتلك خبرات رجال الدولة، حين كان ضمن طبقة السلطة العليا للبلاد، وهذا ما يعطيه معرفة عملية بإدارة الأزمات.

لكن الرجل أيضا تحدث في تعليقه على أحداث ومظاهرات عدن، عن صعوبات جمة يواجهها، أولى تلك التحديات كانت معضلة الوقت، حيث طالب العليمي بمنحه مزيدا من الوقت لإنجاز ما تعهد ووعد به لحلحلة الأوضاع المعيشية.

كما أنه لم يغفل أيضا الوضع الإداري لمؤسسات الدولة وحتى للمحافظات المحررة، والتي جميعها غارقة في ممارسات الفساد التي أودت بالاقتصاد الوطني، وهو ما تطرق إليه الرجل تضمينا وغير مصرح به بشكل مباشر، لكنه يدرك حقيقة الوضع.

وربما يكون هذا الإدراك من العليمي هو ما دفعه لأسلوب التلميحات في الحديث عن صعوبات العمل؛ نتيجة معرفته طبيعة ما يحاط به من أوضاع وتجاوزات من الصعب أن يحلها ويعالجها بسهولة، أو في زمن قياسي، فالعمل يحتاج وقتا.

فالتركة ثقيلة ولا يمكن التغلب عليها برغبة ذاتية، ولكن أي إنجاز يتطلب تعاونا وتكاتفا من كافة المكونات السياسية التي تشكل منها المجلس الرئاسي، مهما بدت هذه المكونات متناقضة في أهدافها ورؤاها ومصالحها.

كما أن مواجهة أساطين الفساد والهوامير المستفيدة من استمرار الحرب والمتاجرة بمعاناة الناس يستوجب توجيه بوصلة الأهداف والمصالح وتصحيحها عند كافة المكونات حتى يتم مساندة الرئيس العليمي فيما تحدث عنه من وعود وتعهدات، خاصةً في ظل إجماع شعبي على مساندة المجلس الرئاسي.

وهذه الغايات التي يجب أن تلتف حولها القوى اليمنية والجنوبية كافة، تستلزم تجاوز مرحلة الانقسامات التي عاشتها المكونات السياسية قبل تشكيل المجلس الرئاسي، والتي ورثتها من سنوات الحرب الثمانية وما قبلها.

ودون تجاوز المكونات السياسية لخلافاتها وانقساماتها فلن يستطيع الرئيس العليمي أن يحقق أي شيء يذكر من تعهداته، وأي فشل في هذه الحالة ستتحمله القوى السياسية وليس العليمي وحده.

> معركة استعادة الموارد

يعتمد الرئيس العليمي في وعوده التي أطلقها بمعالجة أزمة الخدمات والوضع المعيشي على عامل الوقت، بالإضافة إلى التوافق السياسي بين المكونات والقوى المختلفة.

وهذا العامل الأخير قد يقوده للتسلح به في معركته لاستعادة الموارد والإيرادات الخاصة بالمؤسسات الإيرادية للدولة والتي من شأنها أن تعين وتساعد في عملية توفير الخدمات والمرتبات ومساندة جهود تعافي الاقتصاد الوطني والعملة المحلية.

فبدون توافق سياسي وموافقة القوى المختلفة على توريد الإيرادات والموارد للبنك المركزي اليمني لم يتحقق أي إنجاز اقتصادي، وهي معركة صعبة بكل المقاييس، في ظل تمسك القوى السياسية والمكونات المسيطرة على سلطات الأمر الواقع بالموارد المالية في المحافظات والمدن المحررة.

وإذا حدث أي فشل في هذه الجزئية فإنه سيكون فشلا للمكونات السياسية قبل أن يكون الفشل للمجلس الرئاسي أو العليمي بشخصه.

كما أن العليمي يحتاج إلى إعلان الحرب على الفساد في كافة القطاعات والمؤسسات حتى يستطيع أن يحقق شيئا ملموسا، وأول هذه المؤسسات هي المؤسسات النفطية التي سيطرت عليه أساطين الفساد، وحولت حياة الناس إلى كابوس.

فارتفاعات أسعار الوقود ترتبط بكل تفاصيل حياة المواطنين البسطاء، وأي ارتفاع فيها أو تلاعب يؤدي إلى اضطرابات في كل القطاعات الحياتية الأخرى، ومواجهة الفساد تستدعي إذعان كافة الأطراف السياسية التي يواليها الفاسدون ومساندة الحرب ضد الهوامير والفاسدين.

> وعود التحالف ودول الخليج

قد يكون الوضع العالمي المضطرب بالحرب الروسية الأوكرانية التي ألقت بظلالها وتأثيراتها على الدول النامية ومنها اليمن سببا في تفاقم الأزمات المعيشية والخدمية.

لكن هذا لا يمنع أن تتحول أنظار اليمن إلى أشقاءه القريبين منه جغرافيا، في ظل وعود من التحالف العربي بدعم وتأييد المجلس الرئاسي واليمن عموما، والتعهد بودائع بنكية واستثمارات وغيرها من الوعود التي لم تتحقق حتى اليوم.

وقد يكون عدم تحقق هذه الوعود هو ما دفع العليمي لجولاته الخارجية الأخيرة لإقناع الأشقاء ربما بتسريع الحصول على الدعم المالي لتجاوز هذه المشكلات والأزمات الداخلية في اليمن، وتحويل الوعود من "حبر على ورق" إلى جانب عملي حقيقي.

فالتنمية وإنعاش الاقتصاد لن يتحقق بمجرد الوعود، بل إن الأمر يحتاج إلى تحويل هذه الوعود إلى واقع ملموس يستشعره الناس البسطاء المطحونون بنيران الوضع المعيشي المتردي.