بعد 44 عاما.. الكشف عن ليلة إعدام الرئيس (الأخيرة) 

(عدن الغد)خاص:

إعداد / د. الخضر عبدالله : 

في ال26 من يونيو 1978 اغتيل الرئيس الجنوبي سالم ربيع علي المعروف بسالمين على يد رفاقه في تنظيم الجبهة القومية الذي تحول لاحقا الى الحزب الاشتراكي اليمني.وبعد مرور اكثر من 44 عاما لا يبدو ان احد اتعض من الماضي فكل الأطراف لاتزال تمارس الاقصاء والتخوين بحق بعضها البعض, في هذه الحلقة الأخيرة سنتعرف من خلال هذا التقرير كيف تمت تصفية الرئيس (سالمين )"

 ليلة مرعبة صالح قحطان المحرمي وهو ضابط سابق في أمن الدولة يعمل بقسم الرصد للمكالمات المجاور للقصر المدور الذي يقيم فيه الرئيس ( سالمين) يقول في شهادته للتاريخ قائلا:"  بينما كان سالمين في غرفة نومه في دار الرئاسة فوجئ بإطلاق النار على سكنه في القصر من الشرطة العسكرية ومن رأس مربط ومن وزارة الدفاع في حدود الساعة الثانية صباحا تقريبا بعد تقديم استقالته وعند سماعي لإطلاق النار هرعت من مكتبي في قسم الرصد بإتجاه دار الرئاسة فوجدت سالمين وعلي سالم لعور وجاعم مع بعض من الحراسة خارجين من دار الرئاسة باتجاه القصر المدور وسمعته يقول عملوها فينا.

ويواصل  المحرمي شهادته حول اغتيال ( سالمين ) قائلا :"  تحركنا مع سالمين إلى القصر المدور ثم نزلنا في احد الاخوار ( خندق) القديمة بجانب القصر المدور نحتمي فيها حيث استمر تبادل إطلاق النار بين الطرفين وتعرضت الرئاسة للضرب بمختلف انواع الاسلحة بما في ذلك الطيران والقوارب البحرية وجلسنا في هذا الخور إلى قبل المغرب والمعركة مستمرة ونتيجة لنفاذ الذخيرة على الحراسة وعدم التكافىء العسكري في المعركة والحصار قرر سالمين الاستسلام فكلف احد قادة حراستة ويدعى محمد سعيد الكازمي ان ينادي عليهم لانهم كانوا تحتنا مباشرة وعلى مسافة قريبة جدا وفعلا نادى عليهم بأننا سوف نسلم ومن ثم أرسل سالمين رسالة مختصرة مع واحد من عمال الرصد أتذكر اسمه عبدالله عوض من يرامس موجهه إلى علي عنتر يقول له فيها انه يريد ان يسلم نفسه إلى يده .

 لكن يبدو أن رسالة سالمين لم تصل إلى علي عنتر وتم الرد على سالمين : يجب ان تسلم نفسك لقائد الحملة الباخشي وخرجنا جميعاً من الخور مع المغرب وكنا نمر فوق مأسورة المجاري حسب طلبهم إلى الجهة الأخرى التي فيها القوة المحاصرة لنا بقيادة الباخشي"  شهادة المرقشي وعلى السياق نفسه  حول حكاية اغتيال ( سالمين ) من جانبه يقول محمد سعيد المرقشي ( الحزب ) :" لقد قرر الرئيس أن لا فائدة في أي مواجهة تعرض الأفراد للقتل ليس إلا، وقرر الاستسلام، وأضاف: لقد نفدت جميع الذخائر التي بحوزتنا في ذلك الوقت .. وعندما أبلغنا الرئيس بذلك أمرنا بمناداة القوات المهاجمة بأننا سنستسلم، عندها خرجت إلى خارج الموقع وصرخت بأعلى صوتي قائلاً: نحن مستسلمون لقد نفذت جميع ذخائرنا أوقفوا إطلاق النار٠

ويواصل المرقشي قوله :" بعدها مباشرة سمعت الباخشي يأمر قواته بوقف إطلاق النار حتى عرفت شخصيته من صوته باعتباره كان أحد مدربينا في الكلية العسكرية وكانت المواقع متقاربة جداً حتى أننا يسمع بعضنا بعضاً بوضوح٠ 

ثم نادى علينا الباخشي قائلاً: «سلّموا أنفسكم وأنتم في وجه الثورة» ورددت عليه: الله يلعنك أنت والثورة التي تدمرون قيادتها، فأين هي الثورة؟ وأردفت: سوف نرسل لكم أحدنا برسالة من سالمين إلى علي عنتر ونرجو أن لا تغدروا به، وأن توصلوا الرسالة إلى علي عنتر٠   

رسالة الاستسلام ويقول المرقشي في روايته :"  ثم عدت إلى داخل الموقع عند سالمين وأخبرته بما جرى، ولم يجد سالمين ورقة لكتابة الرسالة فكتبها على أوراق السجائر، وكانت صيغة الرسالة كما يلي: “الأخ العقيد الركن علي أحمد ناصر عنتر - المحترم: نظراً للمعارك الدامية التي تعيشها اليمن فإننا سنسلّم على يديك للتفاهم”٠ 

عندما استلم الباخشي الرسالة رد عليها شفوياً بأن علينا النزول إليهم فرداً فرداً عبر نَفَق مجاري الصرف الصحي وليس عبر الجسر الفاصل بيننا، واضطررنا إلى تنفيذ الأمر حتى وصلنا إلى الباخشي٠ التحية الأخيرة للسالمين وجاءت في شهادة المرقشي التاريخية على مقتل ( سالمين ) يقول :" كان الرئيس أولنا ويليه جاعم ولعور، ثم تقدم أحد الضباط إلى الرئيس سالمين وأدى له التحية العسكرية ثم أمره الباخشي بتفتيش الرئيس فتقدم الضابط إلى الرئيس ففتّشه وأخذ مسدسه، ثم قام بتفتيش جاعم ولعور. 

بعد ذلك أمرنا الباخشي بالوقوف في مكاننا وأخذوا الرئيس وجاعم ولعور في سيارة عسكرية ووضعوهم في مؤخرتها، وكان الباخشي معلقاً بالسيارة بجانب الباب الأمامي، وذهبوا بهم باتجاه وزارة الدفاع وكنا نراهم حتى دخلوا الوزارة٠ ثم قاموا بتفتيشنا وبدأوا بالضباط قبل الجنود، وكنا خمسة ضباط فقط وهم: أنا ( محمد سعيد المرقشي ( الحزب) ، صالح شيخ البيحاني، هود صالح، محمد أمزربه، ناصر أمزربه، ثم أخذونا سيراً على الأقدام حتى ميدان الشرطة العسكرية فأوقفونا حتى فتشوا جميع أفراد الرئاسة وجاءوا بهم إلينا٠ إعدام الضباط وحول إعدام الضباط قال المرقشي في شهادته :" وكنا حينها في حالة يُرثى لها من شدة الجوع والعطش، ثم جاءوا لنا بالماء في أوان كبيرة مكشوفة، وبعد أن شربنا قاموا بمناداتنا بالاسم نحن الضباط الخمسة، ولكن الملازم محمود صالح، قائد الشرطة العسكرية، أعادني إلى الجنود ثم أخذوا زملائي الأربعة إلى مكان مجهول وأخذوني إلى سجن الفتح٠

ويضيف  المرقشي :" أما زملانا الضباط فيما بعد أخذوهم إلى ساحة الإعدام مباشرة، كما أعدموا قبلهم الرئيس وجاعم ولعور، بدون محاكمة ولا مقابلة علي عنتر، كما طلب الرئيس, و بالنسبة للضباط الأربعة قالوا أمامنا بأنهم سيذهبون بهم إلى الإعدام، أما بالنسبة لسالمين وزميليه فقد علمنا بالأمر، فيما بعد، من أحد الضباط الذي كان تابعاً لنا فيما مضى عندما حكى لنا كيف تمت عملية إعدام الرئيس وهو حاضر٠ إعدام سالمين ! وحول من نفذ أمر الإعدام في حق الرئيس ( سالمين ) يقول المرقشي :" نفذها أحد أعضاء المكتب السياسي الذي كان على خلاف مع سالمين منذ زمن (ع.ش.هـ) فور وصولهم إلى وزارة الدفاع.

وحول ما إذا شكل المكتب السياسي محكمة مستعجلة هي من أصدرت الحكم بإعدام سالمين .. مضى يقول الضابط بالأمن الرئاسة المرقشي ( الحزب ) لم تشكّل محكمة ولم تتم محاكمة سالمين إطلاقاً؛ بل إن جميع أعضاء المكتب السياسي لم يجرؤوا على مقابلة سالمين وهو معتقل فكيف لهم أن يحاكموه؟ وللعلم إنهم كانوا جميعاً في منزل على ناصر محمد، ولم يخرجوا منه حتى صباح يوم 27/6/78م خوفاً على حياتهم والوحيدان اللذان استطاعا الخروج من منزل علي ناصر محمد هما: سالم صالح محمد، وفضل محسن وقد خرجا عبر الجبل مشياً على الأقدام حتى وصلا إلى القلّوعة في الجهة الثانية٠  المحاكمة المزعومة وقصة الإعدام ويردف المرقشي ( الحزب ) في حديثه  كيف روى له أحد الضباط الذين اعتقلوا سالمين ورفاقه (آثر عدم ذكر اسمه)  إنهم عندما وصلوا إلى وزارة الدفاع تم تسليم الرئيس سالمين وزميليه مباشرة إلى (ع.ش.هـ) السادسة والنصف من مساء 26/6/78م وربطوا أيديهم إلى الخلف وأسندوهم إلى جدار مبنى الوزارة هو وزميليه جاعم ولعور وقاموا بإعدامهم.

وقال أيضاً إنه عندما صوّب (ع.ش.هـ) بندقيته الكلاشنكوف إلى صدر سالمين قال له قبل أن يضغط على الزناد: عشر سنوات يا ربيع تأكلها بارد، واليوم ستأكلها حامي، فرد عليه الرئيس بشجاعة نادرة قائلاً: اليوم في صدورنا وغداً في صدوركم، فقد فتحتم باباً يصعب عليكم إغلاقه (القاتل قُتل في 13 يناير 1986م)٠على حد قول المرقشي . حقائق غُيبت تكشف لأول مرة ويستمر محمد سعيد المرقشي  (الحزب) في روايته للأحداث التراجيدية قائلاً:" قبل بدء المعركة بساعات جاءنا صالح مصلح قبل وصول زميليه المرسلين من المكتب السياسي فوجدني واقفاً أمام الباب، فسألني كيف ترى الوضع؟فأجبته: كل شيء من عندكم، وقال: نحن لا نريد سوءاً لا لسالمين ولا لعبدالفتاح، لكن عبدالفتاح مصر على إزاحة سالمين تماماً، ثم سألني عن رأيي إذا انفجر الموقف، فأجبته: نحن عسكريون سننفذ واجبنا مع الرئيس . 

بعد اغتيال سالمين وحول موضوع هل تم التعرف أين تم دفن  جثمانه  الرئيس ( سالمين ) يقول المرقشي ( الحزب ) :" في فترة متأخرة عرفنا أن جثة الرئيس دفنت ليلاً في مقبرة القطيع بعدن، وذلك من خلال حارس المقبرة الذي دفن الجثة بيديه في ليلة 27/6/78م، وقال لنا إنهم جاءوه ليلاً وطلبوا منه حفر القبر، وبعد أن جهّز القبر جاءوا له بجثة وأمروه بدفنها، وعندما كشف عن الجثة وجدها جثة الرئيس سالمين، ولم يجرؤ على البوح بما رآه خوفاً على حياته، لكنه بعد فترة أسرّ القول إلى بعض من يثق بهم بما شاهد٠ في الواحدة والنصف من ظهر يوم 26/6/1978م توقف القصف -قصف الطيران- علينا فتقدمنا عليهم فوجدناهم على موائد الغداء في حديقة الرئاسة، فأخذناها إلى موقعنا، وكانت الوجبة الوحيدة التي ذقناها في ذلك اليوم"٠راتب سالمينسالمين هو الرئيس العربي الوحيد - تقريباً- الذي مات ولم يجدوا له أي رصيد في البنوك .. عدا راتبه الشهري.. ومات مديوناً لصاحب بقالة 600 شلن، اقترضها منه ليوزعها على الفقراء في إحدى جولاته الشعبية، وعندما أراد أهله قضاء دينه رفض صاحب البقالة، اعتزازاً بثقة سالمين فيه، واقتراضه منه دون غيره، وأبقاها ذكرى جميلة لهذا القائد الذي عفّت نفسه عن المال العام رغم أنه كان بين يديه٠" كلمات المحرر قد يصعب في العمل السياسي في بلاد لا مؤسسات فيه ، الاستفادة من مآسي المجتمع٠ غير أن حياة “سالمين” ومثله ملوك ورؤساء وأفراد بلادنا منذ عهد بعيد ، إن قرأت، من الجميع كفيلة بإصلاح الاختلال في إدارة الحياة هذه، أو على الأقل المحاولة.. ولنا لقاء أخر حول حكاية  رئيس .. .وحتى ذلكم اللقاء استودعكم الله . ( انتهى )