لماذا لم تنتهز بعض القوى قرار الرئيس هادي بنقل مؤسسات الدولة إلى عدن؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يحلل أسباب نقل مؤسسات الدولة من "العاصمة" عدن إلى المحافظات المحررة..

كيف لعبت بعض المكونات دورا في منع مؤسسات الدولة من التحول الكامل إلى عدن؟

لماذا لم تستغل عملية نقل مؤسسات الدولة إلى عدن لصالح أبناء الجنوب؟

هل أثبتت الفترة الماضية أن بعض الأطراف غير مؤهلة لإدارة الدولة ومؤسساتها؟

كيف أضاعت عدن والجنوب عموما فرصة الاستفادة من مؤسسات الدولة؟

هل يمثل نقل الكلية العسكرية من عدن بداية  موسم الهجرة إلى الشمال؟!

ما مبررات الرافضين لتواجد مؤسسات الدولة في عدن.. وهل هم على صواب؟

ما دور المجلس السياسي.. وهل سيعيد الحياة لمؤسسات الدولة في عدن؟

مؤسسات الدولة وموسم الهجرة إلى الشمال!

(عدن الغد) القسم السياسي:

عقب تحرير مدينة عدن والمحافظات الجنوبية من مليشيات الحوثي الانقلابية، أصدر الرئيس السابق عبدربه منصور هادي قراراتٍ بنقل مؤسسات الدولة إلى عدن، بعد إعلان هذه الأخيرة عاصمةً مؤقتة لليمن.

هذا القرار، الذي يكتسب أهمية سياسيةً واقتصادية كبرى، في خضم الحرب مع الانقلابيين الحوثيين، كان بمثابة القاصمة التي كادت أن تطيح بالمليشيات إداريًا وماليًا، غير أن من منع هذا القاصمة أن تمس الحوثيين.

فنقل مؤسسات سيادية كالبنك المركزي اليمن، والمؤسسة الاقتصادية العسكرية، ومصلحة الهجرة والجوازات، واعتماد مطار عدن الدولي المطار الرئيسي للبلاد في ظل إغلاق مطار صنعاء، كلها عوامل كفيل بجعل الحوثي "يترنح" بالفعل.

لكن شيئا منع انتقال المزيد من مؤسسات الدولة إلى عدن، وجعل تلك المؤسسات المنتقلة خالية من أداء وظيفتها التي انتقلت من أجلها، فباتت وكأنها عبء وثقل على كاهل الحكومة والمواطنين، وتحملت مسئولية وأسباب الفشل الإداري والاقتصادي في المحافظات المحررة.

هذا الشيء يكمن في عدن، وفي المحافظات الجنوبية المحررة، التي رفضت بعض مكوناتها منذ وقت مبكر تواجد مؤسسات "يمنية" على أراضٍ جنوبية، بل إن البعض كان ينادي ببناء مؤسسات جنوبية خدمية خالصة، على غرار مؤسسة "القوات الجنوبية المسلحة" التي استغنت عن "الجيش اليمني".

فرفضت تلك المكونات تواجد العديد مؤسسات كان يمكن أن تحول واقع عدن نحو الأفضل بشكل أكبر مما عليه الآن، بدلا من سيمفونية "المزايدات" التي نادت بها بعض القوى مدفوعة بحماس شعارات، ما زالت حتى اليوم مجرد شعارات ولم يتحقق منها شيء.

هذا المنع لم يقتصر على مؤسسات الدولة، بل طال حتى رجالاتها ومسئوليها الذين أُبعدوا أو مُنعوا من التواجد في عدن، وبالتالي لم يدفع أحد ثمن هذا سوى المدينة وسكانها البسطاء، ممن انعدمت الخدمات عنهم وتوقفت المرتبات، فساءت حالتهم المعيشية.

} تحول الدولة

لم يدر في خلد أحد من القوى الجنوبية المتحكمة بقرار عدن أن قرار الرئيس هادي كان يمكن أن يحول مؤسسات الدولة بالكامل إلى عدن، وهذا يعني أن الدولة برمتها ستتحول إلى هذه المدينة، وسيتم سحب البساط نهائيا من تحت حكام صنعاء.

غير أن النزق في البحث عن صراعات تتمحور حول "علم" قدم خدمةً جليلة للحوثيين، بعد أن تعطلت المؤسسات المنتقلة إلى عدن عن أداء مهامها، أو بالأحرى مُنعت قسرا، وبالتالي بقاء مراكز تلك المؤسسات تعمل في صنعاء بشكل طبيعي.

وهذا تسبب بأن تفوّت عدن على نفسها فرصة التحول إلى مقر للدولة، وتصبح محور ومحضن كل الأحداث ومنطلقا لها، في رثائية مأساوية جناها عليها المتحكمون بمقدرات المدينة منذ سنوات.

وفي سبيل استعادة الدولة، لم تحظ عدن حتى اليوم بأي دولة، حتى دولة الوحدة المنبوذة تلك، والتي كانت ذريعة بألا تحصل عدن على أبسط حقوق وأساسيات أية دولة.

وبدلا من أن تتحول عدن إلى دولة، تحولت عنها الدولة وغادرتها، فلا هي نالت دولتها المسلوبة منذ 1990، ولا هي عاشت في ظل دولة عقب ذلك التاريخ.

ولو كان في الرافضين شيء من عقل يفكرون به، لاستغلوا الرغبة في نقل مؤسسات الدولة إلى عدن واستفادوا من مقدرات تلك المؤسسات والكفاءات التي تديرها، حتى لو كانت كفاءات شمالية، وتجييرها لصالح أبناء المدينة وخدمتهم.

غير أن المنع كان لأجل المنع، وليس من أجل إيجاد بديل أفضل يعوض ما فقدته المدينة من فرص وقدرات ومقدرات وكفاءات تبخرت وغادرتها منذ 1967، وتكررت في 2015، ومرة أخرى في أغسطس/آب 2019.

وكلها منعطفات مهمة وفرص فرطت فيها عدن لصالح بعض الأحيان التي أثبتت أنها لم تقوَ على تحمل المسئولية ولم تنجح في إدارة الدولة، أو ما تبقى منها على الأقل.

} قصة الكلية العسكرية

ليس هناك أوضح من حادثة نقل الكلية الحربية "العسكرية" من صنعاء إلى عدن، كي تكون مثالا جليا وواضحا على ما تم سرده أعلاه، من تفريط عدن أو القائمين عليها بمؤسسات كان يمكن أن تقدم خدمات جليلة للمدينة ولأبنائها.

هذه الكلية التي طالما اتهم الجنوبيون بسببها نظام صنعاء بأنه يستثمرها لإقصاء الجنوبيين منها، وتدريس أبناء الشمال فيها فقط، تبخرت من بين أيدي أبناء الجنوب وعدن، بعد أن تم نقلها إلى المدينة غير أن ممارسات البعض تسببت بإغلاقها.

فذات يوم من عام 2018، اقتحمت قوات أمنية حفل تخرج بالكلية الحربية، لطلبة معظمهم من الجنوب ومن عدن تحديدا، وتم إطلاق النار في مكان الاحتفال اعتراضا على رفع "علم اليمن" خلال مراسيم التخرج.

هذه الواقعة التي تسببت بمقتل أحد الجنود الخريجين من الكلية، أدت إلى إغلاق الكلية تماما، ونقلها مؤخرا إلى مدينة مأرب، في شمال اليمن، ليخسر أبناء عدن والجنوب كلية وأكاديمية عسكرية كان يمكن من خلال تحسين مستوى أداء الوحدات الأمنية والعسكرية المتواجدة حاليا في المدينة.

لكن أمرا كهذا لم يحدث، بل إن العكس هو ما بدأ بالتجسد الآن، من خلال مخاوف من أن يمثل نقل الكلية العسكرية من عدن بداية لهجرة شاملة لمؤسسات الدولة الخدمية وغيرها إلى الشمال، وتحديدا المناطق المحررة الواقعة تحت سلطات الحكومة الشرعية.

بما فيها مؤسسات خدمية وحكومية، يمكن أن تضاعف معاناة أبناء عدن والجنوب، من خلال حجم الضرر الذي سيطال الناس هنا جراء هذه الهجرة، وتكبدهم تكاليف باهظة لإنجاز أبسط المعاملات، لأسباب تكاد تكون واهية، أو هي كذلك بالفعل.

فمهما كانت المبررات التي يتم بناء عليها رفض تواجد مؤسسات الدولة في عدن، فإنها واهية بكل تأكيد، وهم مخطئون بسببها دون شك؛ لأنها تسلب من أبناء المدينة حقوقهم وإمكانيات هم أولى بها، بعد عقود من المعاناة والجور والضيم.

} من المستفيد وما الحل؟

بلا ريب.. لن يكون أبناء عدن هم المستفيدون من وراء مثل هذه الأعمال التي تُنفّر المؤسسات الخدمية والحكومية، بقدر استفادة المليشيات الحوثية في المقام الأول.

بينما هناك أطراف في داخل الجنوب ومدينة عدن تسهم- ربما من حيث لا تدري- في مد مليشيات الحوثي أسباب الحياة والبقاء، من خلال خلق بيئة غير مناسبة لبقاء مؤسسات الدولة في عدن، ورحيلها إلى صنعاء أو محافظات الشرعية في الشمال.

وعليه، فإن المجلس الرئاسي وبحكم تواجده في عدن، وسياسة التوافق التي منحته سلطات، يمكن أن يعيد الحياة إلى ما تبقى من مؤسسات الدولة في عدن، والعمل على تطبيع الأوضاع وكف أيدي المكونات الرافضة لعمل المؤسسات الحكومية في الجنوب عموما.