تفاصيل ما حدث في قاعة المكتب السياسي في 13 يناير 1986 الحلقة(2)

(عدن الغد)خاص:

إعداد/د. الخضر عبدالله/ ومحمد الدباء:

في الحلقة الماضية من ذكر أحداث 13 يناير تناولنا فيها أسباب الخلاف والطريقة التي كانت ممهدة لانفجار الوضع في صباحية 13 من يناير، وفي هذا العدد سنتطرق إلى أحاديث الصحفي القصلي وجار الله عمر الذي كان شاهدا للعيان، حسبما رواه في مذكراته.

جذور أزمة يناير

كشاهد عيان على أحداث صباحية يوم الاثنين 13 من يناير يقول السياسي جار الله عمر في مذكراته: "تعود جذور أزمة يناير ١٩٨٦ إلى الأحداث والصّراعات السّابقة التي كانت تخلّف ضحايا ويتولّد عنها منتصرون ومهزومون ولا تعالج في الانشقاقات والصراعات بعودة ديمقراطية لذلك ترتّبت عليها مخالفات نفسيّة واجتماعيّة وحزبيّة كبيرة".

ويستدرك جار الله عمر في حديثه ويقول: "كان من الواضح أنّ مَوازين القوى متأرجحة. هناك محافظات تؤيّد علي ناصر ومحافظات أخرى تؤيّد علي عنتر. فعدن في معظمها إلى جانب علي ناصر محمّد وكذلك محافظة أبين. والعديد من قادة الفصائل الحزبيّة السّابقة التي توحّدت مع الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ يقفون إلى جانب علي ناصر محمّد. وكانت محافظة شبوة إلى جانب علي ناصر في معظمها. وحضرموت مقسّمة بين الطّرفين حسب انقسام القيادات. فعلي سالم البيض مع علي عنتر وهو صاحب النّفوذ الأوّل في المحافظة لكنّ حيدر أبو بكر العطّاس، وهو أيضاً من حضرموت، قبل أن يعيّن رئيساً للوزراء، كان موقفُه مثل موقف صالح مصلح وموقفنا نحن، موقفاً غير منحاز، لأنّه كان يدرك حجم المخاطر في المراحل الأولى من الصّراع. وكان إلى جانب علي عنتر من حضرموت صالح منصّر السييلي وكان معه قادة حضرميّون".

ويردف جار الله قائلا: "وفي إحدى الليالي اجتمعنا كي نقوم بمصالحة بين علي عنتر وصالح مصلح فسمعتُ صالح مصلح يقول لعلي "أنا لا أصلح كي أكون رئيس دولة، والمنصب الذي وصلتُ إليه أقصى ما أطمح إليه. يجب علينا أنا وأنت أن نفهم الحدود التي نصل إليها لأنّي أدير وزارة الدّفاع بمستشار سوفياتيّ، ورئاسة الدّولة تحتاج إلى عقل ولا أستطيع أن أدْخِل المستشار السّوفياتيّ في دماغي ويعطيني نصائح في كلّ لحظة". وقال صالح مصلح: "الذي سيبدأ القتال، سنكون ضدّه" واقترح على الطّرفين العودة إلى اللّجنة المركزيّة، وأضاف مصلح "أنا سأقف مع قرار اللجنة المركزيّة ولو اتُّخذ بفارق صوتٍ واحد". (1)

موعد مع الموت

وحول يوم يناير يقول الصحفي القصلي في أحد تقاريره الصحفية عن أحداث يناير: "في صباح يوم الإثنين بدأ أعضاء المكتب السياسي بالتوافد إلى المقر الواحد تلو الآخر، وعندما وصل علي سالم البيض وجد في قاعة الاجتماعات عبدالفتاح إسماعيل وعلي عنتر وصالح مصلح وسالم صالح محمد وعلي شايع هادي، أي جميع أعضاء المكتب السياسي المناوئين للرئيس علي ناصر، ولم يوجد أي عضو من أعضاء علي ناصر، ومع هذا لم يلحظ الحضور ذلك، ولم يشكوا في أن موعدا قد رتب لهم مع الموت. وهذا الأمر من شأنه التشكيك في صحة الرواية القائلة بأن علي ناصر كان قد علم بأمر التخطيط للإطاحة به من قبل خصومه، وربما أن الذين أوردوا تلك الرواية كانوا يقصدون منها التبرير لعلي ناصر محمد في ارتكاب جريمته. ولدى دخول خصوم علي ناصر مبنى اللجنة المركزية، شاهدوا سيارته واقفة في ساحة المبنى، وأفراد حراسته متواجدين، وعندما سألوا عنه أجابتهم سكرتيرته أنه موجود وسيدخل إلى القاعة بعد الانتهاء من اجتماع هام". (2)

حتى لا تفوت الفرصة

ويقول جار الله عمر قبيل مجزرة يناير: "عيّن يوم ١٣ يناير موعداً لحسم قضيّة الدائرة التنظيميّة. كنتُ مصاباً بشيءٍ من الإنفلونزا، وجاءني علي عنتر إلى المنزل ليلاً ليبلغني أنّه سيتمّ التصويت في اجتماع الغد على مصير الدائرة التنظيميّة، وأنّ حيدر العطّاس مسافر وقد انحاز إلى جانبنا، وأنّ لدينا نقصاً في الأصوات ويجب أن نحصل على أغلبيّة، فقلت له إنّي مريض ولا أستطيع الحضور. أصرّ على حضري وأقنعني «بالقوّة، حتى إذا كنتُ على السرير يجب أن تحضر الاجتماع، لأنّه إذا لم نستطِع أن نكسب أغلبيّهً تصوّت لجانب المقترح غداً مش حيعود الموضوع يعرض من جديد وحتفوّت علينا الفرصة». قبلتُ على مضض حضور الاجتماع يوم ١٣ يناير. وكان موعده العاشرة صباحاً. والنّقطة الرئيسة على جدول الأعمال هي الدائرة التنظيميّة. عند السّاعة التاسعة والنّصف كنتُ جاهزاً للتحرّك بسيارتي «البيجو» إلى الاجتماع في منطقة التواهي. وكان يجب أن أصل بسرعة وأعيد السيارة لنقْل الأطفال إلى المدرسة". (3)

دخول حسان وترمس الشاي

وعن أول خيوط المجزرة استطرد الصحفي القصلي في كلامه وقال: "بعد دخول علي سالم البيض ببرهة، وكان آخر الواصلين من خصوم الرئيس، دخل إلى القاعة حسان، وهو أحد حراس الرئيس، يحمل حقيبة الأمين العام حيث وضعها على الأرض قرب المقعد المخصص له، وبعد أن وضع الحقيبة وجه الرشاش الذي كان معه إلى ظهر نائب الرئيس علي عنتر، وأطلق عليه النار من أعلى إلى أسفل، وعلى الفور هبط أعضاء المكتب السياسي الآخرين تحت الطاولات بعد أن سحب كل منهم مسدسه، وأخذوا يطلقون النار على الحارس حسان وعلى حارس آخر كان قد دخل إلى القاعة ليضع ترمس شاي أمام المكان الذي يفترض أن يجلس عليه علي ناصر، وقد شارك الحارس الآخر في إطلاق النار على أعضاء المكتب السياسي، كما شارك بقية حرس الرئيس.

وكما بوغت أعضاء المكتب السياسي بإطلاق النار عليهم، فقد بوغت أفراد حراساتهم أيضا في ساحة المبنى، حيث جرى تصفية القسم الأغلب منهم، واعتقد حرس علي ناصر أنهم قد قتلوا كافة أعضاء المكتب السياسي. غير أن الذين توفوا بالتتابع كانوا صالح مصلح، وعلي شايع، وعلي عنتر، علما أن الأخير كان أول من تلقى الرصاص في ظهره، وبقى حيا كل من عبدالفتاح إسماعيل، وعلي سالم البيض، وسالم صالح محمد". (4)

مذابح جماعية

وتابع القصلي حديثه: "وفي الوقت الذي جرى فيه إطلاق النار على أعضاء المكتب السياسي، كانت قد وجهت دعوات لعقد اجتماعات وهمية على كافة المستويات الحزبية والعسكرية، وخاصة في وزارات الدفاع والداخلية وأمن الدولة. وفي هذه الاجتماعات، تعرض مؤيدو عبدالفتاح إسماعيل، وعلي عنتر، إلى مذابح جماعية بذات الطريقة التي حدثت في مقر اللجنة المركزية. كما أن القوات الموالية لعلي ناصر محمد كانت قد تمركزت في مفارق الطرق، وسيطرت على العاصمة عدن، وأخذت تعتقل وتقتل كل من ليس مواليا للرئيس، وقامت قطع البحرية والمدفعية بقصف منازل قادة الحزب، وفي مقدمتهم عبدالفتاح إسماعيل، وعلي عنتر، وسالم صالح، وعلي شايع. وبعد دقائق من الأحداث التي شهدها مبنى اللجنة المركزية، تسلل البيض وعبدالفتاح إسماعيل، اللذين تظاهرا بالموت، إلى غرفة في الطابق الأرضي، ومنه اتصلا بوزارة الدفاع، وطالبا بتدخل المدرعات، فاشتعلت عدن بالنيران، وبدأ كل طرف يقصف أهدافا حددها سلفا". (5)