تحليل سياسي في الصحيفة الورقية.. ثورة اليمن.. من الدولة إلى الإمامة!

(عدن الغد) خاص:

مقال تحليلي يتناول تداعيات الاحتفال بعيد ثورة 26 سبتمبر بعد سنوات من النزاع..

لماذا انحرفت أهداف ثورة سبتمبر ومن عمل على انحرافها؟

كيف سيستقبل اليمنيون عيدهم في ظل النزاعات الراهنة شمالا وجنوبا؟

هل أعادنا الحوثيون إلى نقطة البداية والدفاع عن الجمهورية من جديد؟

متى ستسترد ثورة 26 سبتمبر روحها المسلوبة؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

ثورة 26 سبتمبر هي ثورة قامت ضد المملكة المتوكلية اليمنية في شمال اليمن عام 1962 وقامت خلالها حرب أهلية بين الموالين للمملكة المتوكلية وبين الموالين للجمهوريّة العربية اليمنية واستمرت الحرب ثمان سنوات (1962 - 1970).

وقد سيطرت الفصائل الجمهورية على الحكم في نهاية الحرب وانتهت المملكة وقامت الجمهورية العربية اليمنية. بدأت الثورة عقب انقلاب المشير عبدالله السلال على الإمام محمد البدر حميد الدين وإعلانه قيام الجمهورية في اليمن. هرب الإمام إلى السعودية وبدأ بالثورة المضادة من هناك.

تلقى الإمام البدر وأنصاره الدعم من السعودية والأردن وبريطانيا وتلقّى الجمهوريون الدعم من مصر بقيادة جمال عبدالناصر. وقد جرت معارك الحرب الضارية في المدن والأماكن الريفية، وشارك فيها أفراد أجانب غير نظاميين فضلاً عن الجيوش التقليدية النظامية.

أرسل جمال عبدالناصر ما يقارب 70,000 جندي مصري وعلى الرغم من الجهود العسكرية والدبلوماسية، وصلت الحرب إلى طريق مسدودة واستنزفت السعودية بدعمها المتواصل للإمام طاقة الجيش المصري وأثرت على مستواه في حرب 1967 وأدرك عبدالناصر صعوبة إبقاء الجيش المصري في اليمن.

انتهت المعارك بانتصار الجمهوريين وفكّهم الحصار الملكي على صنعاء في فبراير 1968 وسبقها أيضاً انسحاب بريطانيا من جنوب اليمن وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

26 سبتمبر.. نهاية الاستبداد والاستعمار

منذ كارثة سيل العرم غرق الشعب اليمني وسط أوحال الخراب والدمار وظلت الفئران تنخر جسده قروناً من الزمن الى أن أشرق فجر يوم الـ26 من سبتمبر عام 1962، اليوم الذي تحرر فيه اليمنيون من أبشع نظام استبدادي كهنوتي عنصري سلالي أهلك الحرث والنسل وعزل شعب اليمن السعيد عن العالم بكل تحولاته ومتغيرات تطوراته.

نعم.. سيظل يوم 26 سبتمبر تاريخاً لميلاد شعب عظيم انتفض كالمارد من القمقم، ليدشن بذلك اليمانيون عهداً جديداً بعد أن خاضوا نضالاً طويلاً وقدموا تضحيات جسيمة في درب الثورة والجمهورية شارك في انتصارها وترسيخ نظامها كل فئات الشعب، وفي طليعتها الحركة الوطنية اليمنية التي قدمت خيرة من انجبتهم اليمن في ثورات (48، 55، 59، 61) وتوج ذلك النضال البطولي الشجاع يوم 26 سبتمبر 1962 عندما خرج مارد الثورة ووضع نهاية لعهد الطغيان والاستبداد والاستعمار ليسجل التاريخ في أنصع صفحاته ميلاداً جديداً لشعب حضاري عريق تحرر من قبضة الكهنة الذين جزوا رؤوس الآلاف من رجالات اليمن في الميادين ضرباً بالسيف بمن في ذلك الثوار ممن ينتسبون الى نفس الاسرة ومن وهبوا أنفسهم لتخليص شعبهم من براثن ذلك النظام الرجعي المتخلف للدفاع عن الثورة والجمهورية.

ما أهداف ثورة 26 سبتمبر؟

لم تنتقم الثورة السبتمبرية الخالدة من أحد لأنها حملت أهدافاً ومبادئ إنسانية عظيمة صاغها كل أبناء اليمن بمختلف شرائحهم.. لأنها قامت لتعيد الاعتبار لجميع ابناء هذا الشعب العظيم.

وكان لثورة 26 سبتمبر 6 اهداف هي:

1- التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.

2- بناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكاسبها.

3- رفع مستوى الشعب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا.

4- إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل، مستمد أنظمته من روح الإسلام الحنيف.

5- العمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة.

6- احترام مواثيق الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والتمسك بمبدأ الحياد الإيجابي، وعدم الانحياز، والعمل على إقرار السلام العالمي، وتدعيم مبدأ التعايش السلمي بين الأمم.

هل تحققت أهداف سبتمبر؟

اختلف كثير من المحللين، فمنهم من يرى أن أهداف ثورة 26 سبتمبر تحققت، فثماني سنوات من حرب الملكيين والجمهوريين انتصرت فيها الجمهورية وتحررت اليمن من الاستبداد والظلم كمبدأ إنساني أبدي مهما حصل من نتوءات هامشية بسبب أحداث الربيع العربي، كما أزيلت الفوارق الطبقية والامتيازات العنصرية والطائفية.

كما تم بناء جيش وطني قوي وصل إلى المرتبة الرابعة عربيا حسب تقارير غربية، وما تم بعد ٢٠١١ من حرب نفسية وإعلامية للجيش وقرارات هدم وتفكيك وهيكلة تتعرض له أعتى جيوش العالم والتاريخ يشهد بذلك، ولا تتحمل ثورة ٢٦ سبتمبر وثوارها مسؤولية تفكيكه كما لا يعبر ذلك عن ضعفه بقدر ما يعكس حجم المؤامرة التي تلقاها.

ويرون أن مستوى الشعب ارتفع اقتصاديا وأصبحت الطبقة الوسطى هي الأكثر والأكبر في المجتمع، وارتفع مستوى الشعب اجتماعيا وثقافيا وأصبحت بيئته ونمط حياته وعلاقاته أكثر إدراكا وانفتاحا.

وأكدوا أن الثورة تجاوزت القيادات المتتالية وموروث ألف سنة وأصبح لدينا مجلس شورى منتخب منذ السبعينيات وتكررت التجربة في الثمانينات وكانت أكثر نضجا في التسعينات وبداية الألفية، وبنفس الخطوات التدريجية والترشيدية كانت الانتخابات الرئاسية وانتخابات السلطة المحلية، وترسخت الثقافة الديمقراطية في مجتمع النقابات والاتحادات ومؤسسات المجتمع المدني، وبقدر بسيط في الأحزاب السياسية.

كما تحققت الوحدة اليمنية بعد ٢٨ عاما من الثورة ومسألة المحافظة عليها من التفريط بها ليست مسؤولية ثورة ٢٦ سبتمبر وليست المعنية بذلك بقدر ما هي مسؤولية الجميع وفي مقدمتها الأحزاب السياسية التي ما برحت تحمل الثورة والوحدة أسباب فشلها وأطماعها.

كما التزمت اليمن الجمهورية بكل مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وحافظت على علاقاتها الديبلوماسية الجيدة مع أغلب دول العالم، ولم تتدخل في شؤون الدول، وكانت تسعى دائما وفق حجمها السياسي إلى نصرة قضايا الحق وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

محاولات حرف أهداف الثورة

يرى بعض المحللين أن أهداف ثورة 26 سبتمبر لم تتحقق بل انحرف مسارها،  حيث يرون أن الهدف الأول يؤكد على التحرر من الاستبداد وإقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، وأنه صار صفرا على الشمال، الاستبداد قائم بطرق ممنهجة، والحكم الجمهوري ظالم ومجحف في حق الشعب والثوار، فقد ازداد الظلم والفساد أضعاف ما كان عليه في حكم الإمام، أما  الفوارق والامتيازات فحدث ولا حرج فقد أصبحت في متناول من تربعوا على السلطة باستثناء فترة الشهيد الحمدي.

والهدف الثاني يؤكد على بناء جيش وطني لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكاسبها لكن الواقع يؤكد لنا الحقيقة "جيش عائلي لحماية شخص وحراسة عائلته ومكاسبهما".

بينما الهدف الثالث يؤكد على رفع مستوى الشعب اقتصاديا واجتماعياً وسياسياً وثقافياً، وللأسف لا شيء من هذا حدث، النتائج في هذا الجانب بالسالب.

والهدف الرابع يؤكد على إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل مستمد أنظمته من روح الإسلام، ولكن الحقيقة التي تعايشنا معها تؤكد أن الديمقراطية في بلادنا صورية ظاهرها شعارات رنانة لإرضاء الشارع وباطنها ديكتاتورية قمعية وتصفية حسابات واغتيالات واعتقالات.

ثم جاء انقلاب الحوثيّين وشركائهم ليعيد ذلك ويزيد عليه من قتل وسجن وتعذيب وتهجير العلماء والأئمة والخطباء وحفّاظ ومعلّمي القرآن والحديث والإعلاميّين والسّياسيّين والنّساء والأطفال، وتفجير المساجد ودور القرآن والحديث والمنازل والمنشآت والجسور وزرع الألغام وضرب المدن بالصّواريخ والأسلحة الثّقيلة على رؤوس السّكان.

كما حاول الحوثيون تغيير الهويّة اليمنيّة العربيّة الإسلاميّة واستبدال النّظام الجمهوري بنظام ولاية الفقيه الإيراني.

كما قاموا بنقل الأطفال من المدارس إلى المتارس وإحياء شعائرهم وقسم الولاية والصّرخة واللطم.

هذه الثورة التي وصفها اليمنيون بـ"المجيدة" تعرضت لهزات عنيفة ومؤامرات هددت بوأدها، وتدخلات أجنبية حاولت حرف مسارها، ورغم ذلك ظلت حاضرة وخالدة في نفوس ثلاثة أجيال يمنية.

الاحتفال بثورة 26 سبتمبر

تحل الذكرى الـ59 للثورة السبتمبرية العظيمة في ظل ظروف وأجواء مشابهة لتلك اللحظات التي انطلقت فيها الثورة، حيث عادت السلالية والطائفية بشكلها البغيض، وأطل على اليمنيين مجددا عهد ما يسمى بالسيد والعبد، والقنديل والزنبيل، والأسفل والإرهابي، والفيد والنهب، والتزييف والتضليل، والاختطافات وتكريس سلطة الفرد والسلالة.. فهذا الخطر الداهم يهدد حاضر بلادنا ومستقبل الأجيال، الأمر الذي يحتم على كل يمني حر الاستنفار مجدداً.. وهذا ما يدركه ويعيه شعبنا والذي نجده يلتف اليوم حول أهداف ثورة سبتمبر، والانتصار لقيمتها الوطنية، وهذا الإجماع الوطني في الدفاع عنها يعد أكثر من أي وقت مضى وفيه تأكيد على عظمة هذه الثورة.

رئيس مجلس الشورى أحمد عبيد بن دغر تحدث عن ذكرى ثورة 26 سبتمبر، وقال في سلسلة تغريدات بتويتر: "ستبقى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر هي الحدث الأكثر أهمية في تاريخنا، هي فاتحة التحول، ونقطة الانطلاق نحو يمن حر، وشعب موحد، إلا إن احتفالنا اليوم بالذكرى ينقصه الكثير من بريقه الثوري، وتبدو صورة الواقع مؤلمة، حيث تتعرض التجربة كلها للخطر، والمكاسب للاجتثاث، والعدو يتقدم".

‏وتابع: "لقد أعادنا الحوثيون إلى نقطة البداية، وهي الدفاع عن الجمهورية، وبالضرورة الدفاع عن الوحدة، لقد أعد الإيرانيون هذا الفصيل الإمامي الأكثر تخلفًا ودموية، دربوا ومولوا وحددوا لهم الهدف، وهكذا لوَّن الحوثيون حياتنا بالدم، وتسببوا في كارثة إنسانية في بلدنا، ومازالوا".

واختتم قائلا: "‏لا نقبل سفك الدماء لكي نحتفل.. لن نحتفل وهناك من يرى في احتفالنا بالذكرى الخمسين للاستقلال مشكلة.. لتعود القوات المسلحة إلى مواقعها. وعلى المتقطعين أن يدركوا أننا لا نرغب في المواجهة مع أحد أي حد. شعارنا الحوار ومراعاة الوضع العام، هناك عدو أمامنا وفي أوساطنا عدو آخر. يقتل للقتل فقط".

لهذا يجمع اليمنيون أنه آن الأوان لتسترد 26 سبتمبر روحها المسلوبة وتتولد من جديد في كل شيء.

وأكدوا أنه لا يجب الاستهانة بشأن الاحتفال بعيدها، فنحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت آخر إلى تعميقها في النفوس إيماناً ووعياً، وإدراكاً بأهمية الوجود والموجود.

الأهداف الستة التي لم تتحقق ما تزال هي الأبهى والأولى بالعناية فكراً وعملاً، ولنا أن نحيي فيها طموحاتنا للمستقبل في ضوء معطيات الحاضر.

حوالي ستة عقود من الثورة، والثورة المضادة، حتى فار التنور وبان المستور، وظهر الى السطح كل انواع القبح، واسباب العلل.. من الداخل- من قامت الثورة للخلاص منهم- الإمامة بعاهاتها، وكهنوتها ودعواها.

نحن اليوم احوج ما نكون الى مشروع وطني يلتقي حوله ابناء الشعب اليمني كافة بلا فوارق او تمايز او عمالة وتبعية لأي كيان مهما كان مصدر قوته.

قيمة هذه الثورة العظيمة لا تكمن في القضاء على الكهنوت والظلم والاستبداد فقط لكنها كانت المحور الذي بدأت من خلاله مسيرة إعادة توحيد شطري الوطن الواحد ودعم الثورة في جنوب الوطن ضد المستعمر البريطاني.

في هذه الذكرى يجب أن نعي أكثر أننا مطالبون بالوقوف كرجال أحرار وكرام ضد كل مشاريع الكهنوت والتقسيم والاحتلال، والأهم من ذلك أن نستبدل الأحلام والطموحات بالخطط والمشاريع العملية والمواقف الواضحة.

ثورة الـ26 من سبتمبر اعطت قُبلة الحياة للشعب اليمني عام62م ولا يمكن العودة الى الخلف.. فلا بد لليل ان ينجلي ولا بد للجهل ان يختفي.

لقد استطاع النظام الجمهوري ان يغير وجه اليمن بالكامل خلال نصف قرن برغم التآمرات الداخلية والخارجية التي سعت جاهدة بكل ظلامية لإسقاط النظام الوليد الذي قاد بنجاح ثورات اقتصادية وسياسية واجتماعية، بعد أن حررت الثورة اليمنية (26 سبتمبر و14 أكتوبر) الإنسان والوطن من أبشع نظام استبدادي وأعتى نظام استعماري عرفه التاريخ.

لم تقتصر هذه الانتصارات على هذا الجانب فقط بل انطلق ثوار 26 سبتمبر لتحقيق آمال وتطلعات الشعب اليمني لتعويضه عن سنوات الجهل والحرمان والفرقة والتمزق التي فرضها النظام الكهنوتي والاستعمار البغيض، فشيدت آلاف المدارس والمستشفيات واستخرجت ثروات الشعب وسخرتها لخدمة الإنسان اليمني وشقت الطرق وشيدت المدن والسدود والحواجز المائية وازدهرت التجارة وتحققت نهضة زراعية وصناعية وثقافية وعمرانية وفق أحدث التطورات وتم بناء دولة حديثة من الصفر بعد أن كانت الدولة هي الإمام والإمام هو الدولة.