أعداد المسنين في العالم العربي ستتجاوز أعداد الأطفال، فماذا عن أنظمة التقاعد ؟

(عدن الغد) بي بي سي:

تتذكر العراقية فارعة الجوراني أحلامها "البسيطة" قبل التقاعد: كانت تتخيل نفسها مسافرة من مكان لآخر، مستمتعة بفترة راحة بعد سنوات العمل الطويلة.

 

وبدلا من التنقل من بلد لآخر، هي اليوم تنتقل في سوق الخضار من بائع لآخر محاولة العثور على السعر الأرخص، كما تعمل على الحد من عدد أدويتها - فقائمة الأدوية طويلة وما تبقى من راتبها التقاعدي بالكاد يكفي لسداد أجرة الشقة التي تسكنها.

 

فارعة التي عملت لسنوات كمعالجة نفسية، وجدت نفسها مضطرة للعمل مجددا بعد تقاعدها من وظيفتها الحكومية، وقررت تخصيص إحدى غرف شقتها المستأجرة في بغداد لممارسة تخصصها مجددا علّها تحصل دخلا إضافيا يوفر لها العلاج المناسب لأمراضها الجسدية.

 

ترتسم على وجه فارعة ابتسامة ذات مغزى ، وهي تقول لبي بي سي نيوز عربي إن أحلامها بتقاعد مريح كانت "ساذجة": "كنت مفكرة أني رح أقدر أروح وأسافر وأنبسط لأن راتبي كان عاليا قبل التقاعد، لكن للأسف كلها طلعت أحلام".

 

"هاي الأدوية تكلفني أكثر من راتبي التقاعدي، زين، شلون أجيب حقها؟ بعت السيارة وبعت الذهب؟ وبعدين؟".

 

المتقاعد العربي "المنسيّ"

أحيلت "فارعة" إلى التقاعد في عام 2016 ، ومنذ ذلك الحين اضطرت إلى شطب العديد من المواد الغذائية وغيرها من قائمة مشترياتها؛ فهي اليوم بحاجة إلى تحديد الأولويات وضبط النفقات كي تتمكّن من تحمّل تكلفة الرعاية الصحية التي تزداد مع تقدمها في العمر.

 

تزاحم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق، كغيره من بلدان المنطقة العربية، أدى إلى تهميش مشكلات الملايين من المتقاعدين والمتقاعدات، ووضعت أزماتهم في آخر قائمة الإصلاحات، حتى أن تقارير دولية وصفت أنظمة التقاعد العربية بأنها تتجه "نحو الهاوية".

 

ورغم أن أول أنظمة التقاعد العربية أقرّت منذ نحو سبعين عاما - وكان ذلك في الجزائر (1949) وبعدها في مصر (1955) -إلا أن هذه الأنظمة لم تشهد تغييرات كافية لتتناسب مع المتغيرات الاقتصادية محليا وعالميا.

 

وبينما تنهمك الحكومات العربية بحل مشكلات تعتبرها أكثر إلحاحا، يُنسى المتقاعد العربي ويترك وحدة لمواجهة صعوبات حياته بعد سنين طويلة من العمل الشاق.

 

عملت فارعة مديرة لمراكز رعاية الأيتام ودور التوحد، إلا أن عملها كموظفة على الدرجة الثانية في الكادر الحكومي العراقي، لم يؤمّن لها ما كانت تنتظر من راتب تقاعدي.

 

وتعزي دراسات دولية التأخر والعجز العربي عن القيام بإصلاحات في أنظمة التقاعد إلى أسباب عدّة تتعلق ببنيتها أو بالاحداث والتغيرات المحلية؛ فتونس، مثلا، التي شهدت بالسابق نظاما تقاعديا متميزا بمعايير المنطقة، تواجه اليوم احتجاجات من طرف المتقاعدين.

 

ووفقا لتقارير البنك الدولي، تمتعت تونس بمعدلات تغطية كبيرة للسكان في النظام التقاعدي كما أنها كانت ضمن الدول العربية القليلة جدا التي تشمل أنظمتها التقاعدية العاملين في قطاع الزراعة.

 

لكن، الأوضاع السياسية والاقتصادية فيها تشهد تدهورا منذ عام 2011 ، ما دفع المتقاعدين للمطالبة بتحسين أوضاعهم كي يتمكنوا من مواكبة غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف الحياة.

 

ومن أجل ذلك تأسست عدة مبادرات وجمعيات، لتنظيم الجهود وتوحيد الأصوات في الضغط على المسؤولين؛ مثل مبادرة عد المجيد بلومي، الضابط السابق في الأمن التونسي؛ والذي يترأس جمعية المتقاعدين من سلك الأمن.

 

يقول عبد المجيد إن الأحوال تغيرت اليوم؛ فبسبب غلاء المعيشة يتأخر الشباب في الزواج. "الآن تجد كل متقاعد لديه ثلاثة أو أربعة أولاد من خريجي الجامعات الذين يا يجدون عملا، وقاعدين، والمصدر الوحيد للإنفاق عليهم جميعا هو راتب التقاعد الخاص بوالدهم".

 

"حقائق وأرقام"

وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن أنظمة التقاعد العربية تغطي 35 بالمئة فقط من السكان، وتوصي بضرورة اتخاذ إجراءات جدية لإصلاح الخطط التقاعدية قبل أن يفوت الأوان؛ فأعداد المتقاعدين في الدول العربية في تزايد مستمر.

 

وبحسب تقارير الأمم المتحدة، فإن أعداد المسنين (فوق سن الـ65) في المنطقة العربية ستتجاوز أعداد الأطفال (تحت سن الـ15) بحلول عام 2050، ويعود ذلك لعدة أسباب منها تراجع معدلات الخصوبة والولادات وارتفاع متوسط الأعمار في دول مثل لبنان وتونس والجزائر والأردن والسعودية والكويت وغيرها.

 

ويشير البنك الدولي إلى أن ارتفاع أعداد المسنين هذا سيضع الدول العربية في مواجهة كوارث متسارعة تعصف بأنظمتها التقاعدية وتدفع بها نحو الهاوية.

 

ويقول غوستافو ديماركو، مسؤول الرواتب التقاعدية في البنك الدولي في مقابلة مع بي بي سي عربي، إن شيخوخة السكان ستفرض تحديات جديدة على أنظمة التقاعد العربية "المنكوبة أصلا" إذ سيتوجب على السكان العمل لسنوات أطول ورفع سن التقاعد.

 

وأضاف: "هذه التحديات ستتضاعف في بعض الدول العربية التي يرتفع فيها عدد سكان الريف؛ كما في المغرب على سبيل المثال، وذلك لأن تصميم الأنظمة التقاعدية لم يبنَ بطريقة جيدة تشمل سكان المناطق الريفية والعاملين في قطاع الزراعة أو القطاع الخاص".

 

علما أنه لا توجد أنظمة تقاعد رسمية حكومية في عدد من الدول الأخرى كما هو الحال في لبنان مثلا.

 

وفي الوقت الذي ينتظر فيه الكثير من الناس بلوغ سن التقاعد لبدء مرحلة جديدة في حياتهم ملؤها الراحة من ضغوط العمل والحياة المستمرة، يضطر الكثير من المتقاعدين العرب إلى إيجاد عمل يسد لهم رمق العيش ويضمن لهم حياة كريمة ، لكنهم غالبا ما يجبرون عل قبول وظائف في قطاعات غير نظامية تحت ظروف غير عادلة تنهك أرواحهم وأجسادهم المتعبة.