تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا..التمدد الحوثي.. متى سيتوقف؟

(عدن الغد) خاص:

تقرير يقرأ في المتغيرات العسكرية المتسارعة فيما يتعلق بسيطرة مليشيات الحوثي على مناطق جديدة..

كيف استغل الحوثيون صراعات خصومه وبنى عليها انتصاراته؟

هل نحن أمام تغيير كبير للخارطة السياسية والعسكرية لمصلحة الحوثيين؟

لماذا فشلت المعركة ضد الحوثيين بعد سبع سنوات من انطلاقتها؟

هل نحن أمام قوة متصاعدة بات يمتلكها الحوثي؟

كيف لو توحدت قوات الانتقالي والشرعية في مواجهة الحوثيين.. ماذا ستكون النتيجة؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

مطلع سبتمبر/أيلول الجاري تعهد زعيم مليشيات الحوثي، عبدالملك الحوثي، بالسيطرة على كافة المناطق اليمنية، بما فيها الخاضعة للحكومة المدعومة من التحالف العربي.

الحوثي بنى تعهده هذا على اعتبار أن هذه المناطق محتلة، وأن قواته ستحررها من الوجود الأجنبي، ليس فقط القوات الإماراتية والسعودية، بل وحتى القوات البريطانية التي تواجدت في المهرة.

وأكد الزعيم المليشياوي أن جماعته ستحرر كل البلاد، ونستعيد كل المناطق التي احتلها "الأعداء"، بحسب وصفه.

لغة الوعيد هذه درج عليها الحوثيون، فكلما أعلنوا عن شيء نفذوه وحققوه، ليس مدحا في مليشيات دموية تعشق الموت والقتل وتقتات على الحرب لتبقى متواجدة بين ظهراني اليمنيين، ولكن الواقع يؤكد أن المليشيات تمضي في مراحلها التصاعدية لقواها العسكرية، التي يبدو أنها تنمو يوما عن آخر.

ولعل الذاكرة الجمعية لليمنيين تحتفظ بالمشروع الذي كان ذلت يوم محل تندر وسخرية، حين افتتحت المليشيات معملا قالت إنه لتصنيع الطائرات المسيّرة، واعتبرها المتندرون ألعابا إلكترونيا تتحرك بـ"الريموت".

هذه الطائرات التي باتت اليوم تغزو سماوات المناطق والمحافظات المحررة، وتقتل أبناءنا الجنود وتستهدف المعسكرات وتتجسس على قوات خصومها، كما لم تسلم منها مواقع داخل عمق الأراضي السعودية.

لهذا تبدو التهديدات الصادرة عن زعيم المليشيات قابلة للتنفيذ، ولم تمر سوى أيام على حديثه، حتى بدأت قواته بالتحرك صوب الأراضي الجنوبية، لأول مرة منذ بداية 2016.

وها هي مناطق في غرب شبوة، وشمال لحج، في يافع تحديدا، تتعرض لهجمات الحوثيين ورغبات تمددهم العسكري، في تغير جديد للخارطة الجيوسياسية للمعارك.

الأمر الذي يؤكد أن قوى الحوثيين في تصاعد مستمر، وغير خافٍ على أحد تطورهم التقني في مجال المسيّرات والصواريخ، السلاح الأنجع بالنسبة لهم.

تغيير موازين القوى

عند الحديث عن المليشيات الحوثية، فليس ثمة رغبة في تمجيد هذه الجماعة الكهنوتية والدموية، والتي لا تعترف بأي حقوق لليمنيين، بل وتخضعهم لمعايير الطبقية والتصنيف السلالي الذي تعتمده المليشيات أساسا لبقائها وحكمها لليمن.

ولكن الحديث هنا عن واقع، يجب التحذير منه، ودراسة أسبابه التي أوصلت الوضع إلى هكذا حال، أصبح فيه الحوثيون خطرا مجددا، بعد أن كان أضعف ما يكون عقب تحرير المحافظات المحررة، أواخر 2015، وبداية 2016.

ولعل أبرز ما جعل موازين القوى تتغير لمصلحة الحوثيين، هو تمسكهم بمشروعهم الإيراني، المرتبط بصراعات إيران مع القوى العظمى في المنطقة، وعلى رأسها المملكة العربية والسعودية، ومن ورائها الولايات المتحدة والغرب.

وهذا التمسك جعل من الحوثيين رأس الحربة، بالنسبة للخاصرة الجنوبية للسعودية، وأداة لتهديد الملاحة البحرية في البحر الأحمر، وحتى بحر العرب، كما حصل مؤخرا مع الناقلة البريطانية.

كل تلك الأسباب جعلت من طهران غير مستعدة للتنازل عن أداتها المحلية في اليمن، والتي صارت طيّعة منفذة لكل ما تريده إيران، وبالمقابل لا تبخل هذه الأخيرة على ذنبها الحوثي في اليمن بأي دعم عسكري أو لوجستي.

فالخبراء الإيرانيون والعراقيون، وجنود حزب الله اللبناني يسرحون ويمرحون في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين، لإبقاء هذا الذنب قائما ومتصاعدا في قواه العسكرية.

في المقابل، نرى التحالف العربي ممسكا يده عن الدعم العسكري لقوات الحكومة اليمنية، والتي تفتقر لأساسيات العتاد العسكري والتسليح الجيد لمواجهة تدفق القوات الحوثية.

حتى أن بعض المراقبين، يعتقد أن التحالف يخشى أن يوظف أي دعم عسكري لصالح الصراع بين منظومة حلفاء التحالف في الداخل اليمني.

فثمة صراعات داخلية عديدة بين أطراف وخصوم الحوثيين، لا تجعل منهم صفا واحدا متماسكا في مواجهة المليشيات، بل تحولهم إلى مجرد كانتونات متقاتلة فيما بينها، يصب قتالهم لمصلحة الحوثي المتربص.

صراعات متعددة

هذه الصراعات التي أعطت الحوثيين فرصة العودة مرة أخرى، وتهديد المناطق التي سبق وأن حررتها القوات الحكومية والمقاومة الجنوبية بدعم التحالف، للأسف تشهد تصاعدا وتزايدا.

الأمر الذي يغري المليشيات ويدفعها للبناء على هذه المعطيات، واستثمار الصراع والانقسام الداخلي لتحقيق مكاسب عسكرية على الأرض، وأخرى سياسية على طاولة المفاوضات دوليا.

خاصة وأن الصراعات باتت متعددة في نطاق المحافظات المحررة، وجنوب اليمن منها على وجه الخصوص، بين القوات الشرعية من جهة، وقوات المجلس الانتقالي من جهة أخرى.

غير أن وجه الصراع الكامل ليس كما يبدو، فالشرعية والانتقالي ليسا سوى أداتين من أدوات الصراع التي يتحكم بهما قطبا التحالف، السعودية والإمارات.

وفي الوقت الذي لا تبخل طهران على أداتها وذنبها الحوثي بشيء، تتجنب الحليفتان السعودية والإمارات دعم أي طرف من أطرافهما عسكريا، مخافة تقوية طرف على حساب الآخر.

الأمر الذي يضطر فيه كل طرف إلى استنزاف قواته وعتاده في مواجهة الآخر، لتحقيق مكاسب آنية ضده خصمه المحلي، ويتناسى أو يؤجل معركته مع العدو المتربص.

وهذه الصراعات هي ما يقتات عليه الحوثي، ويبني عليها قدراته العسكرية، بل ويرفع بها معنويات مقاتليه ويدفع بهم نحو مناطق المتصارعين في جنوب اليمن.

ونتيجة لكل هذه الوقائع المشاهدة والملموسة، والتي لا تحتاج إلى أي قراءة معمقة، صارت الخارطة الجيوعسكرية للمحافظات المحررة تحت تهديد الحوثيين، وبمقدورهم الوصول إليها بسهولة متى ما استمر الوضع على ما هو عليه.

مستقبل الحرب

يتحرج كثير من المحللين في الحديث عن فشل الحرب ضد الانقلابيين الحوثيين، عطفا على تمددهم الجديد، وسيطرتهم على أراض لم تكن بحوزتهم، أو كانوا مسيطرين عليها من قبل.

لكن البعض لا يجد غضاضة في التأكيد على أن الحرب بالفعل فشلت في تحييد قوة الحوثيين أو الحد منها، بناء على أن المليشيات باتت اليوم في موقف أقوى من ذي قبل، رغم مقدرات وإمكانيات دول التحالف العربي.

لكن قراءة الوضع العسكري والسياسي السابق يفسر لماذا فشلت الحرب ضد الحوثيين، رغم مرور سبع سنوات على بدئها.

وهي انتكاسة ونكبة حقيقية لا تقل عن نكبة سيطرة الحوثيين على صنعاء، وإسقاط الدولة والحكومة الشرعية في 21 سبتمبر 2014، والتي تتصادف ذكراها السابعة.

فما الذي يمكن أن يوقف مثل هذه العودة العسكرية والتمدد الجديد للمليشيات، ويضع لها حدا نهائيا.

وفي هذا الصدد، يقترح غير واحد من المراقبين ضرورة تجنيب الصراعات بين القوى المناهضة للحوثيين، وتوحيد صفوفهم لمواجهة عدوهم المشترك.

فمن غير المعقول أن يلقي أنصار الانتقالي باللائمة في سقوط بعض المناطق بيد الحوثيين إلى عملية تسليم بلا قتال قامت بها قوات الشرعية، أو من يصفها الانتقاليون "الإخوانية"، وفق تنسيق مسبق بين الجانبين.

كما أنه من غير الطبيعي أن يتهم أنصار الشرعية قوات الانتقالي بوجود تفاهمات بينها وبين المليشيات الحوثية، في إشعال بعض الجبهات للتخفيف من الضغط المحلي والشعبي على الانتقالي، أو خلافه أثناء الاحتجاجات الخدمية والشعبية الأخيرة.

وهي جميعها أمور غير مستساغة، ولا يمكن أن تكون واقعا حقيقيا، وإن حدثت فلن يتحقق النصر على الحوثي في ظل هكذا تعامل.

وما السبيل لتحقيق ذلك النصر سوى توحيد جهود وقوات وطاقات الانتقالي والشرعية، وتوجيهها نحو جبهات الحوثي، ونسيان مشاكلهم وصراعاتهم والتركيز على قتال المليشيات أولا.

ولنا أن نتساءل، كيف ستكون القوة المتوحدة من الانتقالي والشرعية، إذا ما وضعوا أيديهم في أيدي بعضهم البعض لمواجهة الحوثيين، ولنا عندها أن تخيل ما ستكون عليه نتائج هذه الحرب، إذا وضعنا خلافاتنا جانبا.