تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا.. دولة الصرافين في زمن الفاتحين

(عدن الغد) خاص:

تقرير يرصد أبعاد توغل دولة الصرافين وهيمنتها على مفاصل الاقتصاد الوطني

كيف حلت دولة الصرافين محل الدولة؟ ومن يدعمها ويحميها؟

تقرير / عبدالله جاحب:

انتشرت كالهشيم في النار، وأصبحت تشكل خطراً حقيقياً يحدق ويهدد ما تبقي من اشلاء وحطام أنفاس "الدولة" اقتصاديا.

تمدد خلال فترة زمنية قصيرة ووجيزة، وتوغل خطرها وانتشاره سريع في عمق وجسد مؤسسات ومرافق الحكومية الاقتصادية دون سابق إنذار أو مسوغ قانوني يشرع ذلك التوسع والانتشار والتمدد.

دولة الصرافين ذلك الخطر الذي ينخر وينهش اقتصاد البلاد ويضرب في الحياة المعيشية للمواطنين في العاصمة عدن.

دولة الصرافين تكونت ونشأة في غضون فترة زمنية قصيرة، وجعلت من العاصمة عدن مركز لكل نشاطها " المشبوهة " في غسيل الأموال، والتلاعب الغير مسبق في أسعار الصرف، واحتكار سوق العملة الأجنبية، وانشاء سوق سوداء للصرافة وتكوين منظومة وخلية وشبكة غير شرعية تعمل وتهدف على ضرب وعزل الاقتصاد وانهيار وسقوط وتدهور العملة المحلية، وجعلها مرهونة تحت وطأة مجموعة من الأشخاص بعدد أصابع اليد الواحدة.

دولة الصرافين دولة أوجدت في ظروف وبيئة ومناخ وتربة اقتصادية تعصف بها أحداث ومعطيات وأزمات غياب الرقابة وتلاشي وانهيارات مؤسسات الدولة في العاصمة عدن.

ساهمت وشاركت أطراف النزاع والصراع في محافظة عدن على إيجاد دولة الصرافين واتساع دائرة رقعتها الجغرافية وتمدد حضورها وتواجدها وتوغل خطرها سريع في عمق الدولة.

نشأت وتطور تواجدها بعد صيف إبان حرب 2015 م وأصبحت قوة عظمى تلغي وتزيل وتزيح الدولة، وتصنع من نفسها أخطبوط يلتهم الدولة ويقضي على أركانها وركائزها الحيوية والهامة بسرعة الصاروخ، وتحتاج كل ما يقف في طريقها.

دولة الصرافين التي ظهرت وأنشئت وتكونت في زمن الفاتحين، أشبه إلى حد كبير بالورم السرطاني الذي ينتشر ينهش وينخر في الجسد، فأضحت يستوطن ويستقر في السوق الاقتصادي وينتشر في كل نواحي الحياة دون حسيب ولا رقيب.

كيف حلت دولة الصرافين محل الدولة؟

أضحت دولة الصرافين اليوم هي الآفة التي حلت مكان الدولة، وأصبحت تقوم بكل المهام التي تمارسها وتقوم بها الدولة.

فقد تحولت دولة الصرافين إلى البنك المركزي الذي تصل إليه مرتبات العاملين في القطاع الحكومي والعملات الأجنبية، فهي اليوم تحتكر كل شيء، ويصل إليها كل ريال يمني.

فهي من تصرف المرتبات، ومن تقوم بتحديد صرف الريال أمام العملات الأجنبية، وهي من تتلاعب بصعود العملة المحلية دون أي رقابة أو محاسبة.

عملت دولة الصرافين على إلغاء دور ومكانة البنك المركزي في العاصمة عدن، وجعلت منه اسم في كشوفات الدوائر الحكومية دون أن تضع له دوراً مهماً في تسير الأمور الاقتصادية في الأسواق المحلية في محافظة عدن.

حلت دولة الصرافين محل الدولة وتوسعت في دوائرها ومرافقها، واختزلت أموال ومهام الدولة في أكشاك مصرفية تحل محل الدولة.

فاليوم تلك الأكشاك الصرافة الصغيرة التي كانت في الأمس تحولت إلى بنوك تملك أموال طائلة وكبيرة لعدد من امراء وملوك دولة الصرافين المتربعين على عرشها.

كيف عبثت دولة الصرافين بالوديعة السعودية؟

كانت الوديعة السعودية هي الوجبة الرئيسية والدسمة التي ينتظرها امراء وملوك دولة الصرافين العظمى بفارق الصبر وعلى أحر من الجمر.

فكان من الطبيعي ومن الشيء الأكيد والمضمون والبديهي أن تصل الوديعة السعودية إلى البنك المركزي في العاصمة عدن شكلاً ومضمونا.

لكن في حقيقة الأمر أن كل ذلك كان عبارة عن " رويتين " فقط لا أقل ولا أكثر، بينما في حقيقة الأمر أن الفساد والعبث الذي صاحب التلاعب في الوديعة السعودية هو من قبل دولة الصرافين التي كان لها الحصة الأعظم ونصيب أضعاف مضاعفة من حصة الأسد.

فقد كانت العملية سهلة ويسيره لملوك وامراء إمبراطورية مرصعة بالفساد وغسيل الأموال الطائلة والهائلة، الذين لم يجدوا صعوبة في العبث بالوديعة السعودية، نظراً للسيطرة الكاملة والتامة أولا على موقع الوديعة ومكانها في البنك المركزي في العاصمة عدن، وثانياً في السوق السوداء التي يحكم السيطرة والقبضة عليه، فكان الثقب الأسود الذي حدث في الوديعة السعودية التي ذهبت أدراج خزائن دولة الصرافين من سيناريو وحوار وإخراج عبث وفساد دولة الصرافين.

هل تخدم دولة الصرافين في عدن دولة الانقلاب في صنعاء؟

يرى الكثير من المحللين الاقتصاديين في الشأن الداخلي بأن تكوين وانشاء دولة الصرافين في عدن يقدم خدمة جليلة ومفيدة لدولة الانقلاب الحوثية في عدن، حيث إن غسيل الأموال، والتلاعب في أسعار الصرف، وتدهور وسقوط العملة المحلية أمام العملات الأجنبية في عدن هو خدمة تقدم على طبق للانقلاب في العاصمة صنعاء.

فكل ما يحدث من انهيار كبير للعملة وارتفاع وسقوط وتدهور مخيف ومرعب وكارثي وجنوني أمام العملات الأجنبية واحتكار السوق الاقتصادي في محافظة عدن، يصاحبه إقامة سوق سوداء للصرافة وغسيل للأموال، وتداول وتوزيع كميات كبيرة وهائلة جدا " للدولار المجمد" في أسواق عدن، وعدم قبوله وتداوله إلا داخل سوق عدن ورفضه خارجه.

كل ذلك يسهم ويخدم دولة الانقلاب في صنعاء في ظل تراخي وغياب وتلاشي وانهيار وسقوط منظومة الدولة أمام دولة الصرافين في عدن.

انهيار تاريخي.. وقرارات ترقيعية

أغلقت شركات الصرافة بمدينة عدن منذ الأربعاء الماضي أبوابها أمام عملائها لمعالجة التدهور غير المسبوق للعملة المحلية.

وأغلقت شركات الصرافة وشركات التحويل المالي استجابة لدعوة جمعية الصرافين بمدينة عدن.

وقال المتحدث الرسمي باسم الجمعية، صبحي إن تنفيذ الإضراب الشامل يأتي احتجاجا على تردي الوضع الاقتصادي وتدهور سعر العملة المحلية.

وأكد باغفار أن هذه الإجراءات تتم بالتنسيق مع البنك المركزي اليمني؛ لإنقاذ الريال اليمني، كما أنها لا تخرج عن تحقيق المصلحة العامة، بعيدا عن إحداث أي ضرر بالمواطنين.

كان الريال اليمني قد تراجع بشكل تاريخي وغير مسبوق، خلال الأشهر الأخيرة، ليصل إلى مستويات متدهورة لم يصلها على الإطلاق؛ الأمر الذي انعكس على الأوضاع المعيشية للمواطنين.

يأتي ذلك، في ظل توجيهات أصدرها البنك المركزي اليمني، قبل أيام، بإيقاف عملية بيع وشراء العملات الأجنبية، في مناطق ومحافظات البلاد المحررة.

وهو ما لم تلتزم به عدد من محلات الصرافة وشركات التحويلات المالية؛ مما يؤدي إلى اختلالات في سعر الصرف، ويؤثر على قيمة الريال.

وسبق للبنك المركزي اليمني أن هدد المؤسسات المالية التي تعارض توجيهاته ولا تنفذها بالإيقاف، ومنعها من مزاولة أعمالها، ما لم تستجب للسياسة النقدية للبنك.

وبات تراجع العملة، أحد أبرز القضايا التي حرص اليمنيون على الاهتمام بها وشغلت تفكيرهم بمتابعة جديدها، وسط حالة سخط شعبي من الانهيار الحاصل للعملة.

وبينما كان يتم صرف الدولار الواحد مطلع 2015، بنحو 215 ريالا فقط، واصلت العملة المحلية تراجعها القياسي، ومنذ شهور، تظهر الحكومة اهتماما أكبر بقضية تراجع العملة، حيث اتخذت عديدا من الإجراءات التي لم تؤت أكلها، فالريال مستمر بالتدهور، والأسعار تتواصل في التصاعد، فيما اليمنيون يتحملون ثمن ذلك.

ومن بين تلك الإجراءات، إغلاق عدد كبير من محلات الصرافة غير المرخصة المتهمة بالمضاربة بالعملة، بينها 150 محلا أغلقت في مدينة تعز لوحدها.

وتحتاج السوق اليمنية بشكل عاجل، لكميات كبيرة من النقد الأجنبي (الدولار) وضخها في السوق المحلية، لوقف مضاربة شريحة من التجار الذي يستغلون شحة محليا.

وليس بوسع الحكومة اليمنية حاليا توفير كميات كبيرة من النقد الأجنبي، إلا في حالة تنشيط قطاعي النفط والغاز، اللذين تضررا كثيرا بفعل تداعيات الحرب.

من يقف وراء تمدد دولة الصرافين في العاصمة عدن؟

تساؤلات كثيرة وعديدة ومتعددة، وإجابات غائبة في ظل ظهور وتعزيز ودعم وإسناد حضور وتواجد دولة الصرافين في العاصمة عدن.

إن اتساع نطاق رقعتها وانتشارها بشكل كبير وواسع يصاحبه تعزيز مالي كبير وهائل، وتجاهل وغض الطرف من سلطة الأمر الواقع في عدن يطرح الكثير من التساؤلات حول ذلك.