إطلاق يد الحوثي وتقييد خصومه

كتب / صالح البيضاني - العرب:

يبدو الأمر وكأن العالم إزاء خصمين متعاركين تم تكبيل أحدهما وترك الآخر حرا طليقا ليواصل تسديد اللكمات لخصمه المقيد، وسط همسات استنكار لا تلوي على شيء ولا تغير من حقيقة ما يجري من تواطؤ دولي ساهم في تعقيد المشهد وتحويله إلى حالة مستعصية على الحل أو الحلحلة!

 

 

هكذا وببساطة يمكن قراءة التصعيد الحوثي الأخير في الوقت الذي يلتزم فيه التحالف العربي والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا باتفاقات السويد وجهود المجتمع الدولي والأمم المتحدة لوقف الحرب في اليمن، وهو المشهد الذي تكرر مرارا في الآونة الأخيرة وبرز بشكله الفج بعد استهداف الحوثيين لميناء المخا في الوقت الذي تواصل فيه الميليشيات المدعومة من إيران تقييد التحالف والحكومة الشرعية في الساحل الغربي لدواع من أبرزها حماية ميناء الحديدة من آثار الحرب والدمار التي يمكن أن تنعكس سلبا على الوضع الإنساني المتردي أصلا في اليمن.

 

ولم يكن قصف ميناء المخا بعد ساعات قليلة من افتتاحه الشاهد الوحيد على صفاقة الحوثي وتواطؤ المجتمع الدولي ومعاييره المزدوجة، فبينما يتم الحديث عن ضرورة إعادة افتتاح مطار صنعاء، خرج أحد التقارير الأممية ليؤكد مسؤولية الحوثيين عن قصف مطار عدن بالصواريخ والطائرات المسيرة بالتزامن مع وصول الحكومة المنبثقة عن اتفاق الرياض في الثلاثين من ديسمبر 2020.

 

كما تترافق مطالبات الحوثيين برفع ما يعتبرونه حصارا مفروضا عليهم مع إحكامهم الحصار على مدن يمنية مثل “تعز”، وليس ذلك فحسب بل إن حالة التناقضات تتجاوز الجغرافيا اليمنية إلى الأمن الإقليمي والدولي، حيث يواصل الحوثيون تحدي العالم من خلال الاستهداف المتكرر لمصادر إمدادات الطاقة في السعودية وتفخيخ الممر الملاحي الدولي في البحر الأحمر وتعريض السفن التجارية الدولية قبالة السواحل اليمنية لمخاطر جمة، كما حدث مع السفينة التجارية في بحر العرب على قبالة السواحل الجنوبية لليمن.

 

وفي ظل كل هذه الفوضى المحلية والإقليمية، بل والعالمية التي تصنعها الميليشيات المدعومة من إيران في اليمن، لا يبدو أن العالم بصدد فعل شيء يتجاوز التعبير عن الشعور بالقلق أو التذمر من تجاوز الحوثيين كلَّ الخطوط الحمراء التي فرضها المجتمع الدولي على نطاق الأزمة اليمنية والتزم بها خصوم الحوثي، فيما حولتها طهران وذراعها في اليمن إلى وسيلة لابتزاز الإقليم والعالم والذهاب نحو المزيد من التصعيد العسكري والسياسي.

 

ومما لا شك فيه أن الحوثيين استمدوا جزءا هائلا من قوتهم من ضعف خصومهم أو ارتباكهم وأحيانا من خلال الرسائل الخاطئة التي بعثت بها واشنطن والتي بدأت بشطب الحوثيين من قائمة الجماعات الإرهابية دون أي مقابل، وانتهت بالانسحاب الأميركي المذل من أفغانستان والذي عزز نموذج الاستهتار بقوة المجتمع الدولي وإمكانية كسرها على صخرة التصلب الأيديولوجي.

 

ومع تسارع الإخفاقات الغربية على وجه الخصوص في مواجهة التحديات التي تفرضها الجماعات الأيديولوجية المسلحة حول العالم وتكتيك الطائرات المسيرة الطائشة التي باتت تملأ سماء الشرق الأوسط بدون أي رادع، يبدو أن المنطقة مقدمة على مرحلة جديدة من الصراعات تكون الكلمة العليا فيها للجماعات المسلحة التي تختبئ تحت ستار الدول كما هو حال أذرع إيران العسكرية في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

 

وفي الملف اليمني تحضر مفارقة لافتة بعض الشيء وهي أنه في الوقت الذي ينفد فيه صبر العالم والأمم المتحدة حيال الحرب في اليمن، يبدو أن شهية الحوثيين العسكرية أصبحت مفتوحة على مصراعيها للمزيد من الحروب والصراعات، مستفيدة من حالة التململ التي أصابت المجتمع الدولي والتي عبرت عنها صراحة تصريحات اللاعبين الدوليين الرئيسيين في الملف اليمني وفي مقدمتهم واشنطن التي لم تعد تخفي رغبتها في إغلاق الملف بأي شكل وبدون ترتيبات مسبقة تنسجم مع الالتزامات الدولية المعلنة ومبادئ الشراكة مع الحلفاء في المنطقة، في أمر يشبه إلى حد كبير فرارها المرتبك من المستنقع الأفغاني.

 

وعلاوة على ما سبق تشي تصريحات المبعوث الأممي الجديد إلى اليمن الذي باشر مهامه هانز غروندبرغ بأن الفترة القادمة من جهود المنظمة الدولية لن تتجاوز حالة الترقب والاستماع لإيقاعات الحرب التي يشنها الحوثي على مـأرب والاكتفاء بتسليط الضوء على الجانب الإنساني دون التعامل مع الجذور التي صنعت هذه الأزمة الإنسانية التي تصفها الأمم المتحدة على الدوام بأنها الأكبر في العالم.