المشاقر في تعز.. بهاء الموروث الشعبي والتقاليد القديمة

(عدن الغد) متابعات

رغم مرور السنين إلا أن زعفران منصور (60 عاماً)، المُقيمة في أحد أرياف مدينة تعز، لم تغادر، منذ سنوات، ولَعَها المتوارث بالمشاقر، التي تجمعها من نباتات عِطرية تقوم بزراعتها في جوار وسطح منزلها  المتواضع، كما تتردد عليها باستمرار، وتتفحصها، وتسقيها بالماء، وتدللها، وتقترب منها، فتشتم رائحتها، وتقطف أغصانها بعناية، وتصففها بطريقة منظمة، فتتزيّن بها، أو تهديها لجاراتها اللواتي يشاطرنها الوله نفسه، والعشق الفطري للمشاقر.

تأثرت زعفران بوالدتها، وجداتها، وتمارس هُوايتها هذه دون إدراك منها بأنها تحيي عادة أصيلة وتقليدا متوارثا، في حين تناساه الكثيرون، وتماهوا مع الموضة والحداثة، التي طغت على تفكيرهم وسلوكهم، ونمط حياتهم، وصرفتهم عن المشاقر، التي تعد جزءا من ماضيهم وهُويتهم وثقافتهم وتراثهم.    

تتباهى بالمشاقر، ومعها تبدو منتشية في كل خطوة تخطوها، لكنها تجهل كأي امرأة ريفية معنى ما تقوم به، وقيمة المشقر المتربّع على أذنها، ورمزيّته، ومدى تجذّره في ذاكرة الآخرين، وارتباطه الوثيق بماضي الناس، وثقافتهم، وذكرياتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وموروثهم الاجتماعي والثقافي.

ترتبط المشاقر بهندام الرجل، والمرأة الريفية، وتشكّل مكملاً أساسياً للزيّ الشعبي، كما تحضر في تفاصيل حياة الناس، وزياراتهم، وطقوسهم، وأفراحهم، ومأتمهم، وتختلف أغراض استخدامها،  كما ترتبط بمعتقدات مختلفة، بينها قدرة المشاقر على طرد الأرواح الشريرة،  والوقاية من: العين، والمس، والسحر، وغيره.

تُعرف بأنها حُزمة أغصان، يتم قطفها بعناية من نباتات عِطرية متنوعة ومتفاوتة الشّكل والرائحة، أبرزها: الريحان، والشذاب، والأُزّاب، والخَوعة، والنّرجس، والحمحم، والكَاذِي، والورود بألوانها الوردي والأحمر القاتم والأصفر، فضلاً عن البيَاض، والفيجل، والتور، والرند،  والعطرية، والداجية.

* استخدامات

تستخدم لأغراض متعددة، حسب زعفران، التي تقول لموقع 'بلقيس': "نتزيّن بالمشاقر، ونعطّر بها ملابسنا ومنازلنا، وتحضر معنا في المناسبات والأفراح، إذ تنثر في لحظات الزفاف على العروسين، كما تتزيّن بها العروس في حفل زفافها، أو تمسك بحُزمة منها في يدها".
كعادتها تضع زعفران مشقرها، بعد إكمال مهمّته في زجاجات أو علب بلاستيكية و معدنية، تحوي القليل من الماء، الذي يحول دون جفافها، وفقدان رونقها ورائحتها، وتركّنها في نوافذ منزلها، تاركةً لها فرصة للاقتراب من الجمال، وعبق الرائحة، وهو نشاط معتاد، يمنحها الشعور بالراحة، والطمأنينة، والأُنس، والحيوية، وذلك كغيرها من نساء الأرياف.

تجد في المشاقر البَهاء والرائحة الطيبة، وتترسخ في أعماقها مكانتها، وأهميتها، الكبيرة، وارتباطها العميق بمجريات حياتها، وأنشطتها شبه اليومية، في مشهد تسوده الألفة، والشغف المزمن بالمشاقر، التي يعدّها مهتمون رمزاً للأنوثة، والقوة، والجمال، والسلام، والحب، والتعايش.

تستخدم النباتات العِطرية للتداوي وصناعة العطور وغيرها، وقد ابتكر اليمنيون القُدامى منها عطورا وبخورا ومرطبات للجسم، فيما يستخدمها الحاج قائد علي (75 عاماً)، اليوم، للتزيّن والتطيّب، إذ اعتاد على وضع المشقر في أعلى عمامته، والحمحم في جيوبه، خصوصاً في أيام الجمعة والأعياد، وذلك منذ قرابة أربعين عاماً، كما يقول لموقع 'بلقيس'، مفسراً ذلك بتأثره بأبيه وجده، اللذين كانا يتزينان ويتعطران بالمشاقر، التي تمنح الجسم والملابس رائحة مميّزة، وتضاهي العطور والروائح المصنّعة.
يُحيي علي طقوسَه الخاصة، إذ يذكر الله، ويصلِّي على النبي محمد، كلّما اشتم رائحتها، كما يوزّع على الآخرين أغصاناً منها، ليفعلوا ذلك.

* معتقدات

إلى ذلك، يرى الشاب الريفي هيثم خالد (28 عاماً) أن المشاقر هديّة قيّمة، ووسيلة للتعبير عن الحب، والمشاعر، ورمزاً للشراكة، والإخلاص، والوفاء للمحبوب. ويذكر لموقع 'بلقيس': "أهديت الفتاة، التي عقدت قراني عليها مؤخراً، وفي أول لقاء لنا في منزل أهلها، غصن شذاب، لأعبّر به عن مودتي، واحترامي لها، وأتعهّد لها بأن أكون صادقاً معها، ووفياً ومخلصاً لها طوال العمر".

يعتقد خالد أن المشاقر مفتاحاً لعلاقة زوجية مستقرة وسعيدة، وخالية من المشاكل والخلافات، كما يشكّل حرزاً له ولعروسه من أعين الحساد، وطلاسم الأعداء، وغيرها من الأمراض التي يتوقّع أن تصيبها في حال لم يهدِها مشقراً.
تحضر المشاقر في بعض المناطق إلى جوار المرأة النّفساء، على مدى أسابيع من  وضعها للجنين، وتلازمها أنواع معيّنة من النباتات العِطرية، التي يرى فيها البعض رمزاً للسعادة، والتجدد، والخصوبة، والحياة. كما ترتبط بها معتقدات أبرزها التحصن من: السحر، والعين، والمسّ، حسب مصادر متطابقة نوّهت إلى استخدام النباتات العِطرية في الأحزان، والمآتم، إذ تُنْثر أنواع منها على جثمان الميّت، كما توضع كميات منها بجانبه في التابوت، أو القبر.

رغم اشتهار المدينة، الواقعة جنوب غرب البلاد، بالمشاقر، إلاّ أنها تغيب -بشكل ملحوظ- عن واجهة المشهد الاجتماعي، والثقافي، ويقتصر حضورها الموسمي على بعض المناسبات، والأنشطة الفنية، والثقافية، والتراثية.
ينشط البعض في بيع المشاقر، التي تشكِّل مصدر دخل وحيداً بالنسبة لأسرهم، التي تعتمد على العائدات المتواضعة لهذا النشاط المحدود، الذي تقتصر مزاولته -منذ سنوات كثيرة- على أشخاص معيّنين.

تُفرد تعز مساحة لباعتها، وذلك في عدّة أماكن، أبرزها المدينة القديمة، التي تفسح زاوية للمشاقر، قُرب "الباب الكبير" التاريخي، ويتجمع عندها نساء، وأشخاص آخرون، ألِفوا، وأحبّوا هذه المهنة، ويُبدون اعتزازاً كبيراً بها، كونها مميّزة في نظرهم، ومتعلقة بثقافة، وتراث البلاد.
يقلُّ معدل عرض المشاقر، والإقبال عليها في الأسواق، كما ترخص أسعارها، وتبلغ قيمة المشقر الواحد 300 ريال تقريباً، كما يقول باعَةٌ لموقع 'بلقيس'.

* مفترق التاريخ والفن والسياسة

يقول الباحث، المهتم بالموروث الشعبي، منير طلال، لموقع 'بلقيس': "إن المشاقر موجودة في اليمن بشكل عام، وليست حكراً على منطقة دون أخرى، وقد ورد ذكرها في النقوش اليمنية الأثرية القديمة، كما تغنّى بها العديد من الفنانين، وهناك أغانٍ مشهورة حول المشاقر، منها ما يعود إلى ستينات القرن الماضي.
احتلت المشاقر مكانة في نفوس حكام اليمن القدامى، وكانت المعيار الذي اتخذته قديماً الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، في اختيار عاصمة للدولة الصليحية في عهدها".

يذكر طلال "أن الملكة أروى عندما أرادت اختيار عاصمة لدولتها قارنت بين صنعاء وذي جبلة (جبلة اليوم)، وطلبت من زوجها الملك المكَّرم أن يذهب إلى صنعاء، ويطلب سكانها، فطلبهم فجاءوا بعصيِّهم، وتأخّر عليهم الملك بطلب من الملكة، فانتظر السكان، وتزاحموا، لكن الملك لم يخرج إليهم، فقاموا بالصراخ، ورمي الحجارة، فقالت الملكة للملك إحفظ هذا المنظر".

بعد ذلك، ذهبت الملكة أروى إلى 'جبلة'، وطلبت من الملك أن يستدعي سكانها، فجاءوا لابسين المشاقر، والملابس الجميلة، واصطحبوا معهم الهدايا، ولم يخرج الملك إليهم بطلب من الملكة، التي طلبت منه مراراً أن يتأخّر عن مقابلتهم. وقالت له "أُنظر"، حسب طلال الذي لفت إلى أن المشاقر لا يحملها سوى الناس الودِيعين، واللّطفاء، والمسالِمين.

قناة بلقيس - هشام سرحان