تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: القيادات التاريخية.. ما الذي تبقى؟

(عدن الغد )خاص:

تقرير يبحث في مصير القيادات الجنوبية التاريخية ودورها في مستقبل المحافظات الجنوبية.

هل انتهى دور القيادات التاريخية السياسية التي تولت السلطة ذات يوم في المحافظات الجنوبية؟

من المسئول عن إهمال هذه القيادات وإنهاء دورها؟

هل نجح التحالف العربي في صناعة قيادات بديلة للقيادات التاريخية؟

كيف يمكن أن يكون هناك دور للقيادات التاريخية في التسوية السياسية القادمة؟

هل يمكن أن تعود هذه القيادات إلى المشهد السياسي مجددا؟

ما الذي يمنع هذه القيادات من العودة.. وهل ستظل حبيسة مشاكلها السياسية الماضية؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

ينسحب الماضي بكل تفاصيله على الواقع، ويلقي بظلاله على أحداث اليوم، كما يؤثر على المستقبل أيضا ويتحكم في رؤية الأوضاع ومآلاتها.

وتشمل هذه التأثيرات كافة العوامل والمقومات بما فيها التداعيات السياسية والعسكرية، والوقائع التي رافقتها، وحتى الأفراد والشخصيات اللاعبة والمؤثرة في توجيه دفتها.

والملاحظ في التاريخ السياسي للمحافظات الجنوبية، مرور العديد من الشخصيات والسياسيين الذين لعبوا فيها أدوارا مهمة، وشكلوا بأفعالهم وتوجهاتهم إرثا وأحداثا ما زالت تبعاتها تنسحب على المشهد الجنوبي حتى اليوم.

وللأسف، فإن أغلب تلك الشخصيات والقيادات التي ما زالت على قيد الحياة اليوم، غادرت المحافظات الجنوبية قسريا، وفي فترات مختلفة؛ نتيجة صراعات وخلافات، ولم تكن مغادرتها يوما بناءً على رغبتها أو بشكل عفوي وطبيعي.

وارتبطت تلك المغادرة بالكثير من التأثيرات التي ما زالت ملامحها باقية وآثارها قائمة، في هذه المنطقة كثيرة الجدل من اليمن والمنطقة عموما.

القيادات التاريخية

وخلال السنوات الماضية، كان للكثير من القيادات التاريخية في المحافظات الجنوبية، حضور لافت فيما مرّ به الجنوب من معضلات وأحداث جسيمة، سواء بالفعل المباشر، أو حتى من خلال التعليق بمجرد الرأي.

وكان على رأس أولئك، الرئيس اليمني الأسبق علي ناصر محمد، الذي ما زال نشطا ومعلقا على الكثير من الوقائع في المشهد اليمني عموما.

بالإضافة إلى رئيس الوزراء الأسبق اليمني حيدر أبوبكر العطاس، الذي ساهم وشارك في بلورة المشروع السياسي الجامع لمحافظة حضرموت قبل سنوات قريبة.

وقبل هؤلاء، كان الرئيس اليمني الأسبق، وآخر رؤساء الشطر الجنوبي من اليمن، علي سالم البيض، الذي استعاد حضوره بالتزامن مع اندلاع الحراك الجنوبي في 2007، غير أن ذكره سرعان ما تلاشى عقب حرب 2015، وبروز قيادات جنوبية جديدة فيما تلاها من سنوات.

كما أن البعض يشير إلى خفوت تواجد شخصية بحجم عبدالرحمن الجفري في الشأن السياسي للمحافظات الجنوبية، بعد أن امتلك إرثا تاريخيا مؤثرا في أحداث هذه المنطقة.

كل هذه الشخصيات وغيرها من أمثال الدكتور محمد حيدرة مسدوس، وياسين سعيد نعمان وآخرين، بات تأثيرهم السياسي محدودا، واقتصر دورهم الحالي على الإدلاء بالتعليقات والآراء ووجهات نظرهم على الأحداث.

تطورات المشهد على الساحة الجنوبية

مؤخرا، تداولت مواقع إعلامية محسوبة على جهات سياسية احتمالية عودة الرئيس علي سالم البيض إلى عدن، وإعادة إعلان "فك الارتباط" بشكل رسمي.

ورغم أن الخبر كان مفبركا، وليس له أي أساس من الصحة، إلا أنه فتح الباب واسعا أمام مناقشة قضية شائكة وحساسة للغاية في المحافظات الجنوبية، منذ سنوات.

فالتطورات السياسية المتلاحقة التي شهدتها هذه المحافظات خلال ستة أعوام، عملت بالفعل على تغيير المشهد العام في هذه المنطقة ذات الساخنة، وفرضته واقعا سياسيا مغايرا لما كان قبل عشر سنوات.

هذا التغيير وهذه التطورات لم تقتصر على الأحداث الملتهبة التي شهدتها المحافظات الجنوبية عقب عام 2015، بل شملت حتى بروز وظهور قيادات سياسية وعسكرية جديدة، سحبت البساط من تحت أقدام الشخصيات والأسماء السياسية التاريخية.

ولم يكن سحب البساط، وتحول أنظار الشارع في المحافظات الجنوبية من القيادات التاريخية إلى القيادات "المستحدثة" بالأمر السهل، بل أنه مرّ بتقلبات مصيرية جسيمة، سياسيا وعسكريا وأمنيا.

وهذه التغيرات والتطورات المرتبطة بالتقلبات المصيرية والأحداث الجسام هي من فرضت قيادات جديدة تصدرت المشهد في المحافظات الجنوبية.

حيث يصف مراقبون هذه القيادات بأنها "مستحدثة"، وتم تصعيدها بفعل فاعل، ولم تصنع شعبيتها وجماهيريتها بشكل عفوي، ولكن بشكل مفتعل.

التعمد في إقصاء القيادات التاريخية

يرى المراقبون أن هناك توجها ممنهجا ومتعمدا في إقصاء وتهميش دور القيادات الجنوبية التاريخية، خاصةً وأنها تمتلك خبرة سياسية وحتى عسكرية عريقة.

ويتهم كثيرون التحالف العربي بالعمل على تنفيذ هذه المنهجية في المحافظات الجنوبية؛ بهدف إفراغ هذه المنطقة من السياسيين القادرين على الوقوف في وجه سياسات وتوجهات يتم تمريرها بسهولة مع القيادات الحالية والجديدة، القيادات المستحدثة.

خاصةً وأن القيادات التاريخية رغم ما فيها من أخطاء وممارسات ماضية تسبب بالمشكلات التي ما زالت المحافظات الجنوبية تعاني منها حتى اليوم، إلا أنها تمتلك دراية كافية بأمور السياسة وتعقيداتها، على العكس تماما من

القيادات الحالية.

وهو ما يعتقده مراقبون بأنه أمر طبيعي وشيء متوقع من قوى إقليمية تسعى للسيطرة على هذه المنطقة من اليمن، بحكم موقعها وتأثيرها على العالم، ولن يتم لتلك القوى مرادها إلا من خلال تصنيع وإيجاد قيادات ضعيفة يسهل توجيهها وفرض أجنداتها عليها.

صناعة أدوات

منتصف العام 2017، شهدت بروز قيادات سياسية فس المحافظات الجنوبية، تصدرت المشهد، وفرضت نفسها مفوضة من قبل المواطنين؛ لتحقيق تطلعاتهم وأهدافهم السياسة.

ويشير محللون إلى أن قوى معينة في التحالف العربي، عملت على إقصاء حتى القيادات التاريخية للحراك الجنوبي، ناهيكم عن القيادات التاريخية للدولة الجنوبية، وفي ذلك إشارة واضحة إلى تصعيد قيادات "مستحدثة" وجديدة، بعضها لا يمتلك تاريخيا طويلا أو على الأقل لا يقارن بالسياسيين التاريخيين.

وبحسب المحللين، فإن قوى إقليمية في التحالف، رأت أنه من السهل صناعة أدوات تابعة لها، عبر تنصيب قيادات بديلة تمرر من خلالها أجنداتها ومصالحها، وتضغط على جهات حكومية لتحقيق أغراضها.

ويستدل غير واحد من المراقبين على هذا التوجه بالعلاقة غير المستقرة بين الشرعية اليمنية، وبين قوى داخل التحالف، تزامنت مع تأسيس كيانات سياسية جنوبية، وتصعيد قيادات جديدة يتم توظيفها للضغط السياسي والفوز بمصالح ومكاسب إضافية.

يأتي ذلك في الوقت الذي يتم فيه استثناء القيادات ذات الثقل السياسي والتي تمتلك خبرة طويلة، وإقصاء حتى من المشاركة في المشاورات الجارية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

تناقض في التعامل

يعتقد الكثير من المتابعين للشأن الجاري في المحافظات الجنوبية أن الشرعية اليمنية، وعلى العكس تماما من الكيانات الجنوبية في هذه المحافظات استطاعت الاستفادة من القيادات التاريخية.

وذلك من خلال تعيين عدد منهم كمستشارين لرئيس الجمهورية، ودعوتها دوما وباستمرار لتدارس ومناقشة الأوضاع السياسية سواء على مستوى اليمن عموما أو على مستوى المحافظات الجنوبية.

وليس أدل على ذلك، من تعيين المهندس حيدر ابوبكر العطاس ضمن هيئة مستشاري الرئيس اليمني، والحرص على إشراك القيادي الجنوبي محمد علي أحمد في مؤتمر الحوار الوطني، بالإضافة إلى التواصل مع عدد من القيادات التاريخية الأخرى.

بينما لا تعمل الكيانات الجنوبية ولا تفكر في الاستفادة من تلك القيادات، باستثناء بعض القوى التي تحرص على إدراج أسماء شخصيات سياسية قديمة في قوام كياناتها، في حضرموت أو يافع أو شبوة.

وذلك لا يعدو عن كونه إدراجا شكليا للأسماء والشخصيات دون الاستفادة منهم عمليا على رأس تلك الكيانات.

وفي المحصلة النهائية فإن المحافظات الجنوبية لا تستفيد من منتسبيها من القيادات ذات الباع الكبير في العمل السياسي.

إلا أن البعض يلمح إلى وجود إشكاليات ومعضلات تحول دون الاستفادة الفعلية والعملية من تلك الشخصيات في المحافظات الجنوبية.

ما الذي يمنع عودة القيادات التاريخية؟

ثمة أمور وخبايا تتعلق بمشكلات وأحداث الماضي، تمنع القيادات التاريخية من العودة مجددا إلى المحافظات الجنوبية والمشاركة في الأحداث الجارية فيها بشكل طبيعي.

أبرز تلك المعضلات هو تورط الكثير من تلك القيادات التاريخية بوقائع سياسية وأمنية وعسكرية في الماضي، ما زالت تلقي بظلالها وآثارها فيما تعانيه المحافظات الجنوبية اليوم.

فهناك أحداث 13 يناير/كانون الثاني 1986، والتسليم بوحدة يمنية اندماجية مع الشمال في مايو/أيار 1990، وما تلاها من حرب ومحاولات فك الارتباط، وما ارتبط بها من مطالب حقوقية ما زالت قائمة إلى اليوم.

كل تلك الأحداث وما ارتبط بها من تداعيات قد يمنع عودة الكثير من القيادات الجنوبية التاريخية إلى الداخل، خاصة وأن الكثير من المواطنين وأصحاب المظالم يحملون القيادات المتورطة في تلك الأحداث مسئولية ما آلت إليه الأمور اليوم في المحافظات الجنوبية.

فما زالت الجروح عميقة، وما زال الماضي ينسحب بتفاصيله الموجعة على واقع اليوم، وحتى لو عادت القيادات التاريخية إلى المحافظات الجنوبية، فيعتقد المتابعون وحتى المواطنون أنها لن تحظى بأي شعبية كما كانت عليه سابقا، وسيتم تحميلها المشكلات الراهنة.

ويؤكد مراقبون أن تلك القيادات يمكن أن تبقى حبيسة مشاكلها السياسية، التي وضعتها فيها الظروف، ربما رغما عن أنف البعض منهم.

لكن ذلك لا يعني أنه لا يمكن الاستفادة من خبرات القيادات التاريخية، فربما أرادت التكفير عن اجتهاداتها، فبحسب متابعين فإن تلك القيادات ورغم تورطها في العديد من المشاكل السياسية في الماضي إلا أنها تبقى قيادات ذات أبعاد وطنية، وأفضل من القيادات المستحدثة والجديدة.