تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: ما الذي يفعله العمانيون في صنعاء؟

(عدن الغد )خاص:

تقرير يبحث في أسباب وأبعاد زيارة الوفد العماني إلى صنعاء..
هل ينصاع الحوثيون لاتفاق سلام فشلت جميع الأطراف في إقناعهم به؟
الاتفاق المرتقب.. هل سيتضمن وحدة البلاد وسلامة أراضيها؟
ما مدى إمكانية تقسيم اليمن سياسياً أو طائفياً أو مناطقياً؟
ما موقف الشرعية من أي تحركات للسلام؟
هل وصل التحالف إلى أن الحرب يجب أن تتوقف؟
هل ينجح العمانيون؟

تقرير / بديع سلطان:
ثمة تطورات ومستجدات طرأت على مسار المشاورات والمفاوضات بين المليشيات الحوثية والقوى الدولية ممثلة بالمبعوثين الأممي والأمريكي، وبعض الجهاتة الإقليمية الساعية لإيقاف الحرب في اليمن.
هذه المستجدات كشفت عن طبيعة جهود السلام التي تبذلها الأطراف الدولية والإقليمية، ويبدو أن هذه الجهود بلغت مبلغاً خطيرا من التعقيد والصعوبة.
ومن المؤكد أن الصعوبات التي تواجهها الأطراف الساعية لإيقاف الحرب ووقف إطلاق النار تصطدم بتعنت المليشيات الحوثية، ورفضها لكافة المبادرات المطروحة حتى الآن.
فمنذ شهور، وتحديدا منذ تولي الإدارة الأمريكية الجديدة مقاليد الأمور في البيت الأبيض، وهناك حراك أمريكي مساند للجهود الأممية، للتوصل إلى اتفاق سلام في اليمن، يوقف الحرب ويتدارك الأزمة الإنسانية الناتجة عنها.
هذا الحراك، والجهود المرافقة، تركزت في العاصمة العمانية، بالإضافة إلى عدد من العواصم والمدن الإقليمية المجاورة لليمن.
غير أن التحركات التي شهدتها مسقط كانت هي الأهم في مسار المشاورات الجارية، مع تواجد وفد المليشيات الحوثية هناك، والتقارب مع السلطات، في ظل قطيعة إقليمية تامة مع الحوثيين.
وهذا ما جعل لمسقط حظوة كبيرة في مسار المفاوضات الجارية هناك، بحكم قربها من الحوثيين، وتعاملها معهم في إطار مساعيها لإحلال الوفاق في اليمن المجاور.

زيارة بهدف الضغط
اليومان الماضيان، كانت أخبار وصول وفد "سلطاني" من سلطنة عمان إلى مدينة صنعاء، الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تتصدر عناوين وسائل الإعلام المحلية والدولية.
لم يكن الأمر مجرد خبر عادي، فتواجد وفد تفاوضي عماني في صنعاء، يحمل في طياته الكثير من الدلالات والمعاني، ويشي بأن هناك تحرك فعلي وجدي للدفع بجهود السلام قدما.
ومن الطبيعي أن يكون التفسير الأقرب والتحليل المناسب لوصول مثل هذا الوفد إلى صنعاء، هو الضغط على القادة الحوثيين للانصياع إلى الأفكار ومبادرات السلام التي طُرحت وقوبلت بالرفض من قبل الوفد التفاوضي الحوثي في مسقط.
وهو ما يؤكد أن المشاورات هناك وصلت إلى طريق مسدود، وهذا الوضع الذي أصاب المفاوضات الجارية في العاصمة العمانية، احتاج من اللاعبين المؤثرين في ملف السلام اليمني إلى التواجد في صنعاء، وربما الالتقاء بزعيم الحوثيين وقادة المليشيات للتوصل إلى توافق.
كما أن هدف تواجد الوفد السلطاني العماني في صنعاء قد لا يخلو الإغراءات،ة وليس مقتصرا على الضغط أو الترهيب، ولكن قد يحمل في ثناياه ترغيبا من المجتمع الدولي للمليشيات حتى تقتنع بالسلام.

عروض للمناقشة
ثمة الكثير من التحليلات التي قد تبدو منطقية، حول أسباب تواجد العمانيين في صنعاء، كما أنها قد لا تخرج من دائرة التخمينات، لكنها تبقى واردة وممكنة.
حيث نقلت (عدن الغد) عن صحافيين يمنيين ومتابعين للشأن السياسي، قولهم إن المملكة العربية السعودية قد تكون قدمت عروضا لمليشيات الحوثي عن طريق الوفد العماني الذي وصل صنعاء يوم السبت.
وأكد هؤلاء الصحفيون والسياسيون في تغريدات متفرقة، رصدتها (عدن الغد) ‏عن مصادر حوثية تأكيدها أن الوفد العماني حمل عروضا سعودية لفتح مطارصنعاء وميناء الحديدة.
ومن المفترض أن يعقب هذه العروض في حالة موافقة الحوثيين عليها، إعلان متزامن من التحالف والحكومة الشرعية، برفقة الحوثيين؛ لوقف إطلاق النار، يعقب ذلك البدء في المفاوضات.
السياسيون افترضوا أن تتم مناقشة العروض بشكل مباشر مع زعيم المليشيات، عبدالملك الحوثي، بحكم أن العروض تتضمن تفاصيل دقيقة، قد لا يكون الوفد المفاوض في مسقط مخولاً بالبت فيها.

الخطة (ب)
مراقبون آخرون افترضوا أن القوى الدولية والإقليمية لجأت إلى تنفيذ أساليب جديدة في التعامل مع الحوثيين، في ظل تعنت ورفض واضح لكافة المبادرات، بإيعاز إيراني جلي.
ولعل القوى الأممية والأمريكية ارتأت أن تجرب أساليب أخرى، وخطط بديلة لجلب الحوثيين إلى طاولة المفاوضات والقبول بالأفكار والمبادرات الإقليمية.
يؤكد سياسيون يمنيون أن الأمريكيين باتوا اليوم أكثر إدراكاً بأنهم قد وصلوا إلى طرق مسدودة مع المليشيات، بفعل التوجيهات الإيرانية التي
تستخدم الأزمة اليمنية في خلافاتها مع واشنطن.
ويعتقد هؤلاء السياسيون، في تصريحات رصدتها (عدن الغد) أن الأمريكيين ألقوا الملف اليمنية برمته إلى سلطنة عمان؛ لهذا يتواجد الوفد العماني اليوم في صنعاء.
ويُنظر إلى سلطة عمان بأنها حلقة الوصل الوحيدة بين المليشيات الحوثية والمجتمع الدولي، بل وحتى مع الأطراف في التحالف العربي، حيث شهدت مسقط لقاءات ومشاورات سعودية حوثية، كُشف عنها مؤخرا.

هل سينجح العمانيون؟
تشتهر سلطنة عمان منذ عقود بعدم انحيازها الواضح، وعدم تدخلها بشكل جلي في شئون غيرها، بالإضافة إلى عزلتها عن محيطها العربي وحتى الخليجي.
لكن في المقابل، يُعرف عن مسقط علاقاتها الوثيقة مع الإيرانيين، التي استمرت بمستواها القوي رغم العقوبات الدولية على طهران.
وكان لهاد ودور فاعل وغير منحاز في الأزمة النووية بين إيران والولايات المتحدة، كما ساهمت في إنجاح الاتفاق النووي الإيراني في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
وكعادتها التزمت السلطنة حيادها تجاه الأزمة والحرب اليمنية منذ 2015، ولم تشارك في التحالف العربي الذي شمل كافة دول الخليج ما عداها.
ورغم استضافتها للوفود الحوثية التفاوضية مع الامم المتحدة وأطراف الصراع الإقليمي، إلا أنها حافظت على علاقتها المتوازنة مع الرياض وأبو ظبي والحكومة اليمنية الشرعية، ومثلت حلقة وصل في مفاوضات غير مباشرة مع المليشيات الانقلابية.
ويرى مراقبون أن كل تلك المقومات تمنح سلطنة عمان مميزات كثيرة وعديدة، وتؤهلها لأن تنجح في مهمتها الحالية بصنعاء، لإقناع الحوثيين بالموافقة على اتفاق سلام مرتقب، يقوم على أساس المبادرة السعودية.
وتبدو هذه الفرصة الأخيرة أمام الحوثيين، وفي حالة عدم انتهازها فإن الأوضاع ربما قد تؤول إلى مآلات أخرى أكثر عنفاً، تنعكس تداعياتها الإنسانية على اليمنيين، كما أن تبعاتها العسكرية قد تؤثر على الإقليم برمته.

معالم الاتفاق المرتقب
رغم التوقعات- التخمينات- بنجاح المهمة العمانية في صنعاء، إلا أن هناك من يشكك ويحذر من طبيعة أي اتفاق قد يتمخض عن هذه الجهود الإقليمية والدولية.
ويظن البعض أن الاتفاق المرتقب، والناتج عن أقناع الحوثيين بالسلام، قد يقود إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية في اليمن، بناءً على الشروط التي يضعها الحوثيون على أي خطة سلام قادمة.
وتمكن الخطورة في هذه الشروط، بحسب مراقبين، إلى إمكانية تحويل اليمن إلى "لبنان آخر" يبقى تحت رحمة المحاصصة السياسية والطائفية والمناطقية.
خاصةً وأن الناظر للجغرافيا اليمنية اليوم يكتشف كم أن البلاد منقسمة سياسياً ومناطقياً وحتى طائفياً ومذهبياً، وهو ما قد يجسده الحوثيون، ويحاولون تمريره حتى يضمنوا لأنفسهم مناطق "نفوذ دائمة" في شمال اليمن، تماماً كالتي حافظ عليها حزب الله في جنوب لبنان.
وهذه الجزئيات هي ما يخشاه اليمنيون الذين يحذرون من اتفاق يؤسس لتقسيم اليمن وفق خطة سلام معتمدة ومعترف بها دولياً.
قد لا يعني الاتفاق الجديد إعلان انفصال مناطق عن اليمن الواحد، ولكنها ستبقى منعزلة داخل إطار الوحدة الشاملة.
وهو ما يسعى إليه الحوثيون بالفعل؛ لإدراكهم أنهم لن يستطيعوا حكم كل مناطق اليمن، لكن بإمكانهم الاحتفاظ بتلك المناطق التي استمروا في حكمها منذ ست سنوات، وفق رؤية مراقبين.

موقف الشرعية والتحالف
هذه المخاطر التي تتهدد اليمن، سواءً باستمرار الحرب أو مع التوصل لاتفاق منتظر، يقابلها عجز من الحكومة الشرعية، التي باتت اليوم وكأنها خارج حسابات المشهد السياسي.
ويعتقد محللون أن أي اتفاق مرتقب، ستكون فيه الحكومة الشرعية تحت عباءة التحالف العربي باعتباره طرف أصيل ومواجه للحوثيين.
وهو ما يجعل رفض الشرعية لمخاطر تقسيم اليمن طائفياً ومذهبياً غير ذي معنى، ويمهد لرضوخها بقبول أي خطة سلام معتمدة أممياً ودولياً، لا تقوى على معارضتها، حتى وإن جسدت الواقع المنقسم الذي تعيشه اليمن حالياً.
كما أن هذا الواقع الذي يخشى محللون يمنيون من تمريره لا يعني التحالف العربي بشيء، حيث يسعى بشتى الطرق لإنهاء الحرب والأزمة اليمنية بأي طريقة، لتجاوز تبعاتها وتكلفتها التي يبدو أنها أثقلت كاهله كثيراً.