آخر تحديث :السبت-25 مايو 2024-11:10م

صفحات من تاريخ عدن


عدن الموقع الجغرافي والصراع السياسي

الأربعاء - 22 يناير 2014 - 10:06 ص بتوقيت عدن

عدن الموقع الجغرافي والصراع السياسي
سيارات الاسعاف بمستشفى الجمهورية عدن _ زمان

عدن ((عدن الغد)) خاص:

كتب / نجمي عبد المجيد


حتى يكون لعدن حضورها الدولي الفعال , عملت بريطانيا على خلق منزلتها السياسية المستقلة عبر ترسيه حدودها الجغرافية , فعبر موقعها عرفت عدن في كل انحاء العالم , ذلك من خصائص الدولة الحديثة التي تكونت في عدن منذ عام 1839م .


يقول الزعيم الفرنسي ديغول : ( إن المواقع الجغرافية هي من صنع القرارات السياسية) .


وعدن من المواقع البحرية الهامة في السياسة العالمية التي لا تخرج من دوائر الصراعات ومن النفوذ والسيطرة على حركة الاقتصاد الذي لا ينفصل عن الهيمنة العسكرية , والرؤية البريطانية لعدن تطرح بهذه النقاط :
عدن تمتلك ميناء يتمتع بموقع استراتيجي هام يشرف على مدخل البحر الاحمر .


وهو يشرف على طريق المواصلات البحري بين الهند ( دولة التاج البريطاني ) وبريطانيا .


هذا الميناء له صلاحية على استيعاب حركة الملاحة البحرية البريطانية وهي في طريقها ذهاباً واياباً من وإلى الهند .


صلاحية عدن من حيث الموقع كقاعدة حربية عسكرية , يتكون نقطة انطلاق للسيطرة على بقية المنطقة .
أتخاذ عدن مركز لوقف توسع محمد علي باشا والي مصر , في منطقة جنوب البحر الاحمر , وهو ما تكرر بعد ذلك في القرن العشرين في الصراع بين بريطانيا وجمال عبدالناصر .


اتخادها كقاعدة لمنع أية قوة اجنبية من منافسيها في المنطقة , وظل هذا التسابق على عدن قائما بين روسيا وامريكا عبر حقب حتى عام 1967م .


منذ عام 1618م ونظرة بريطانيا نحو عدن تزداد , بما أن لعدن موقعها الهام عند مدخل البحر الاحمر الجنوبي , فهي تعد حلقة أتصال بين الساحل الشرقي والغربي للبحر الاحمر والساحل الجنوبي للجزيرة العربية , فقد عملت بريطانيا على التمهيد للوصول إلى سواحل عدن , وقد تعاظم هذا الاهتمام بها وسواحل البحر الاحمر بعد أن قامت الحرب بين الامبراطور اورانك زيب وشركة الهند الانجليزية في الهند بين الاعوام 1687-1691م وسيطرة بريطانيا على ارض السنغال عام 1757م , وما بين الاعوام 1799-1819 تم تثبيت السيادة البريطانية المطلقة على الهند , ويؤكد ذلك التقرير الذي قدمه الوكيل التجاري في عدن إلى حكومة الهند البريطانية والذي يقول : ( أن البحر الاحمر والخليج العربي يشبهان ذراعين مدتهما الطبيعة لوصل الهند واوروبا ) .


ومن هذه الاهمية لعدن قامت بريطانيا بإرسال ممثلين عنها عام 1802 إلى سواحل البحر الاحمر وعدن , بغرض اقامة علاقات مع حكام المنطقة .


في عام 1802 عقدت الحكومة البريطانية مع سلطان لحج اتفاقية تقضي بفتح اسواق عدن امام التجارة البريطانية , قد نظر إليها كبداية دخول بريطاني بشكل رسمي في امور عدن ومدخل البحر الاحمر, وقد عبر اللورد فالنتينا عام 1805م عن أهمية اكتشاف المنطقة من الناحية الاستراتيجية وطريق البحر الاحمر وصلة التجارة مع الهند , وقد اقترح تدعيم القوة العسكرية البريطانية في هذا البحر حتى تمتلك القدرة على صد أي تقدم من ناحية الغرب , كما اوصى بضرورة احتلال عدن نظراً لان موقعها موقعاً استراتيجياً هاماً يقوم على التحكم بمدخل البحر الاحمر , كما وصفها بأنها ( جبل طارق الشرق ) .


اوضح الميجور جنرال عام 1828م وكان يشتغل منصب ممثل بريطانيا باليمن , وأهمية ميناء عدن الذي له القدرة على التحكم بالمدخل الجنوبي للبحر الاحمر والمقابل للمحيط الهندي , وقد شدد على أهمية احتلاله , وذلك ما ذكره السير روبرت جرانت حاكم بومباي على اهمية احتلال عدن في خطابه المرسل إلى رئيس مجلس أدارة شركة الهند الشرقية في لندن بشهر فبراير عام 1838م والذي يقول فيه : ( أن أهمية عدن بالنسبة لنا لا تقدر بثمن إذ أنه يمكن استخدامها كمخزن ومحطة لتموين السفن التجارية طيلة فصول السنة كما أنها مركز التقاء ومرفأ ممتاز لرسو السفن التي تعبر طريق البحر الاحمر فضلاً عن انها قاعدة عسكرية قوية تؤمن الاستفادة والسيطرة على تجارة البحر الاحمر والخليج العربي والساحل المصري المواجه , واذا ما اصبحت عدن ملكاً لنا فأنها كجبل طارق وأنني انظر إلى الموضوع بشمول وبعمق اكثر – فهناك أمتان كبريان تتامران علينا وتودان القضاء على قوتنا في الشرق اولهما روسيا وهي تتجه نحونا من خلال ايران والثانية فرنسا وهي آتية من خلال مصر وحتى تتصدى لهذه التهديدات يتحتم علينا أن نقيم مراكز دفاعية متعددة فيما وراء نطاق حدودنا ) .


اما المستر جرهام يقول عن أهمية عدن في الصراع الدولي من خلال موقعها : ( أن بريطانيا كانت بحاجة إلى مالطة جديدة أخرى من الشرق الاوسط وليس محطة لخزن الفحم بل أنها قاعدة تأوي اليها سفنهم لتكون على أهمية الاستعداد التام وعلى مقربة من ساحة الصراع .


أنه من غير المحتمل أن يكون قد اتخذ قرار الاستيلاء على عدن لمجرد الحاجة إلى محطة للفحم ) .


ليست عدن مجرد الميناء البحري التجاري في هذا الأمر , بل هي المنطلق نحو سياسة بريطانيا تتوسع وتتبلور على سواحل البحر الاحمر الغربية والجزر المتناثرة على كل مياهه , فقد اتجهت بريطانيا إلى ساحل افريقيا الشرقي فقد كان نوع المد البريطاني في البداية يقوم على عقد المعاهدات مع حكام الساحل التي تخص التبادل التجاري والعمل على توسيعه , في المقابل يتعهد حكام ذلك الساحل بعدم قيام أي علاقات سياسية او تجارية مع دول اجنبية , وجاءت معاهدة 19 أب عام 1840 بين شركة الهند الشرقية وبين سلطان تاجورة محمد بن محمود بداية التوسع البريطاني على الساحل ضمن اهداف السيطرة على المنطقة .


وهذا التحرك يمكن أن يحدد في هذه النقاط :


دخول بريطانيا إلى عدن عام 1839م .


اقامة مؤتمر دولي في لندن عام 1840م وعبره أجبر محمد علي باشا والي مصر بالخروج من الجزيرة العربية .
البدء في رسم خطة عسكرية وسياسية للسيطرة الكاملة على البحر الاحمر .


الحملة الفرنسية وتحركها نحو منطقة البحر الاحمر والمشروع التوسعي لمحمد علي باشا نبه بريطانيا إلى أهمية وضرورة التعجيل في تنفيذ مشروعها السياسي والعسكري في منطقة البحر الاحمر , وقد ازدادت الأهمية الاستراتيجية له بعد فتح قناة السويس عام 1869م .


تعزيز حضورها العسكري في عدن , ومن نفوذها في الامارات وسلطنات الجنوب العربي .


احتلال مصر عام 1882م والاستفادة من مشكلة ديون مصر لبريطانيا وفرنسا .


احتلال السودان عام 1898م واقامة نظام حكم ما عرف بالحكم الثنائي المصري – البريطاني .


حل قضية التنافس البريطاني – المصري على البحر الاحمر عبر اتفاقيات بين فرنسا وبريطانيا الموقفة عام 1904م , وبموجب هذه الاتفاقيات منحت فرنسا الحكومة البريطانية حرية العمل في مصر والسودان مقابل السماح لها في حرية العمل في مراكش .


ايجاد لبريطانيا مناطق نفوذ سياسية في الحجاز من خلال علاقة مع الشريف حسين قبل الحرب العالمية الأولى (1914-1918) , ومن ثم مع عبدالعزيز آل سعود بعد الحرب .


تقسيم الصومال بين بريطانيا وفرنسا وايطاليا والذي كان تحكمه مصر حتى عام 1884م , وقد حكم الجزء الصومالي الخاضع لبريطانيا عبر الحاكم البريطاني في عدن , وقد عرف هذا الجزء باسم ( الصومال البريطاني , وكان محمية بريطانية في الجزء الشرقي من افريقيا على خليج عدن على الجانب الجنوبي, في عام 1905م ثم نقل تبعية هذه المنطقة إلى وزارة الخارجية البريطانية .


احتلال ارتيريا من قبل بريطانيا بعد هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية الثانية , وقد استمر الوجود البريطاني فيها من عام 1941م حتى عام 1952م حيث سلمت إلى اثيوبيا .


هذا التوسع البريطاني في المنطقة , جاء من الحضور الدولي لعدن , لذلك نظرت بريطانيا اليها كقاعدة بحرية تتوسع منها إلى مناطق هامة على الخطوط البحرية العالمية .


تقول الدكتورة اجيه يونان جرجس في كتابها , البحر الاحمر ومضايقة بين الحق العربي والصراع العالمي : ( لم يقع اختيار انجلترا على عدن كقاعدة حربية وبحرية واستعمارية عفواً , بل لأنها ذات موقع هام جداً من الناحية الاستراتيجية إذ أنها ميناء كان من السهل تحويلة إلى قاعدة بحرية يمكن أن تأوي إليها بسهولة , ويمكن العمل فيها على ترميم وقطع الاسطول وتزويدها بما يلزمها من الوقود والتموين .


وتزداد أهمية عدن من الناحية الاستراتيجية بالنسبة للسطات البريطانية في الهند التي تتصل بأوروبا عن طريق رأس الرجاء الصالح , وطريق البحر الاحمر وأخيراً طريق الخليج العربي والعراق إلى موانئ البحر المتوسط , فطريق البحر الاحمر هو الطريق الوسط بينهما , وعدن هي المفتاح الجنوبي للبحر الاحمر ومن ثم كان استيلاؤها عليها في 19 يناير سنة 1839م , وقد حاولت كل من فرنسا وايطاليا أن يكون لها نقطة ارتكاز على الساحل اليمني العربي إلا أن محاولة كل منهما باءت بالفشل .


ولم يكن هدف بريطانيا احتلال عدن فقط , فهناك عدة عوامل تدفع بريطانيا للتوسع في الجنوب العربي , فقد بدأت هذه العوامل تتركز وتفرض نفسها منذ عام 1927م بعد أن ظهرت الأهمية التي توليها إيطاليا لليمن بمعاهدة 1926م وأهم هذه العوامل هي :


ازدياد أهمية عدن كموقع تجاري له دورة الفعال في المبادلات التجارية البريطانية .
قرب حصول الهند على استقلالها .
الأهمية العسكرية والاستراتيجية للمنطقة .
رغبة بريطانيا في إبقاء التجزئة بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي .
ابعاد أي ظل للقوى الأخرى في جنوب الجزيرة العربية ومنطقة البحر الأحمر والساحل الافريقي الشرقي ومنطقة الخليج العربي .


وعملت بريطانيا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية على بسط نفوذها على جميع هذه المناطق تحقيقاً لاستراتيجيتها وما تمليه عليها مصالحها باتباع السياسة التي أطلقت عليها " سياسة شرق السويس " – فدخلت بعلاقات مع قبائل المنطقة وخصوصا المقيمة على ساحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب .


وكانت هذه العلاقات دائماً تنتهي بعقد معاهدة حماية وصداقة , وانت تغدق على رؤسائهم الرواتب مقابل تعهدهم بالمحافظة على الطرق التجارية البريطانية وتعهدهم كذلك بعدم الاتصال أو الاتفاق مع أية قوى أو دول أجنبية أخرى إلا بعد موافقة بريطانيا وبهذا أصبحت كافة المنطقة بموجب معاهدات الحماية هذه تحت النفوذ البريطاني .


ارتبط النشاط في البحر الأحمر بالتطاحن الاستعماري في الجنوب العربي وفي افريقيا عامة وساحلها الشرقي بنوع خاص , فقد كان طبيعيا بعد أن ظهرت أهمية المناطق المطلة على البحر الأحمر وعلى المحيط الهندي و أن تسرع الدول الاستعمارية المتحفزة لتأخذ كل نصيبها من هذا الصيد الثمين ) .


يرجع أول تطلع بريطاني إلى منطقة البحر الاحمر وعدن إلى القرن السادس عشر , ففي أجواء الصراع البرتغالي , الهولندي , البريطاني , أسس التجار الانجليز علاقات تجارية مع الهند , فظهرت لهم مكانة عدن وأهميتها التجارية البحرية في هذا الجانب .


وفي عام 1600م منحت المكلة اليزابيت الأولى امتيازاً لشركة الهند الشرقية البريطانية والتي أسست في نفس العام , السماح لها في اقامة مشاريع تجارية في عدن والبحر الأحمر , غير أن المشروع تأخر حتى عام 1609م عندما أرسلت الشركة السفينة صعود بقيادة الكابتن شاربي إلى عدن بغرض تنفيذ مشاريع تجارية في عدن والجزيرة العربة , فكان وصول شاربي إلى عدن بتاريخ 8 أبريل عام 1609م وقد استقبله حاكم عدن التركي .


في تاريخ 10نوفمبر عام 1610 ارسلت شركة الهند الشرقية الادميرال سير هنري ميدلتون في رحلة تجارية إلى البحر الأحمر , فزار عدن وكان جعفر باشا الحاكم التركي عليها .


في عام 1614 ارسلت شركة الهند الشرقية الهولندية أسطولاً تحت قيادة فان دي بروك إلى البحر الأحمر من أجل جمع معلومات عن الموانئ التجارية فيه , وقد استقبل استقبلاً كبيراً عند وصوله إلى عدن وقام قائد الاسطول الهولندي بإبلاغ حاكم عدن بأنه يحمل تصريحاً من الصدر الاعظم بالسماح له بالتجارة مع كل مناحي السلطنة .


اما فرنسا يعود تاريخ اتصالها مع المنطقة إلى عام 1709 وعندما جاءت إلى عدن بعثة فرنسية برئاسة دي ميرفيل والتي يعود تاريخ وصولها إلى عدن إلى 6 فبراير سنة 1708م , وقد استقبل حاكم عدن هذه البعثة بكل حفاوة , وجاءت بعدها بعثة أخرى عام 1711م برئاسة دي لالاند إلى عدن والبحر الأحمر .


هذه هي عدن , الموقع والصراع عبر قرون التاريخ .