آخر تحديث :الثلاثاء-23 أبريل 2024-04:56م

ملفات وتحقيقات


الرئيس علي ناصر يكشف عن موقف اثيوبيا من حرب يناير 86م .. (46)

الإثنين - 04 مارس 2024 - 03:30 م بتوقيت عدن

الرئيس علي ناصر يكشف  عن  موقف اثيوبيا من حرب يناير 86م  .. (46)

إعداد/ د. الخضر عبدالله:





صديق في الزمن الصعب

تطرق الرئيس علي ناصر محمد في الحلقة الماضية عن زيارته إلى فيتنام ، وفي هذا العدد يحكي لنا عن العلاقات بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية واثيوبيا وقال مسترسلا في حديثه:"في 12 أيلول/سبتمبر من عام 1974م بدأ عهد جديد عندما قادت مجموعة من الضباط الشبان في الجيش الإثيوبي ثورة على أسد يهوذا هيلا سلاسي، وبدأت مرحلة جديدة في عمر تلك الدولة الإفريقية الشاسعة والجارة لليمن. أراد الثوار أن يصنعوا لبلدهم ولشعوبهم مكاناً لائقاً تحت شمس القرن العشرين.
كان صاحب هذه المهمة الصعبة والشاقة كولونيلاً شاباً طموحاً ذا حيوية كبيرة، وذكاء شديد، وإرادة حديدية، ومراس صعب، هو منغستو هيلا مريام الذي نشأت بيني وبينه بعد ذلك علاقة صداقة ودية وحميمة ستظل حيّة في نفسي إلى الأبد، وقد أشرت إليها تفصيلاً في كثير من اللقاءات التي نشرتموها في صحيفة وموقع (عدن الغد) دلالةً على عمقها وارتباطها بكثير من الأحداث والوقائع. وهذه الحركة تذكرني بحركة الضباط الأحرار في مصر بقيادة البكباشي جمال عبد الناصر مع الفارق بين الاثنين.

الزيارة الأولى إلى أديس أبابا

وواصل الرئيس ناصر حديثه:" كانت عملية تنامي العلاقات بين البلدين الصديقين تسير جيداً، وكنا نعمل على تطويرها باستمرار. ولهذا قمت بزيارة العاصمة الإثيوبية أديس أبابا (وهي أحدث العواصم الإثيوبية التي أنشأها منيلك الثاني عام 1886) في 16 كانون الثاني/يناير عام 1979م. التقيت الرئيس الإثيوبي الكولونيل منغستو هيلا مريام في قصر الشعب، وعرضنا معاً العلاقات الحميمة بين البلدين الصديقين والسبل الكفيلة بتطويرها. زرت ساحة النصر، ووضعت إكليلاً من الزهر على النصب التذكاري للجندي المجهول. وحددت وجهة نظري حيال طبيعة العلاقات بين البلدين والمستقبل الذي ينتظرها في المقابلة التي أجرتها معي صحيفة «العلم» الإثيوبية. كذلك تحدثت في الخطاب الذي ألقيته في حفلة العشاء عن الأوضاع على الساحة اليمنية، وعن أوضاع اليمن الديمقراطية الداخلية، وحرص بلادي على إيلاء أهمية خاصة في سياستها الخارجية للدول المجاورة. وكانت تلك زيارتي الأولى لعاصمة هذا البلد الصديق.
ويقول :" لن أنسى زيارتي مع الرئيس منغستو عدداً من المحافظات، ومنها محافظة بالي التي تقع بالقرب من الحدود الصومالية حيث قطعنا في هذه الجولة أكثر من ألف ميل، تنقلنا خلالها بين حقول القمح (تعرفت خلالها إلى ما يسمونه الموسم الصغير والكبير) وغابات البن والطبيعة وأراضٍ واسعة شاهدنا فيها قطعاناً من الوعول والغزلان والذئاب والثعالب الحمراء (يقدر عددها بخمسمئة (500) وهي من الأنواع النادرة في العالم، ولا توجد إلا في محمية جبال بال الوطنية)، والزهور البيضاء والحمراء في الهضبة التي تقع على ارتفاع 4000 متر. وشاهدت لأول مرة الضباب والسحاب تحتنا، اخترقناهما وكأننا نهبط من طائرة نحو الأرض ونحن نشعر بالفرح والرهبة من هذا المنظر الجميل، وفي أسفل الوادي شاهدت أشجار البن التي تنبت وتثمر على طبيعتها ولا يصلها الإنسان إلا نادراً بسبب كثافة الأشجار والغابات... تذكرت لحظتئذ ما قاله علي ناصر القردعي عندما أفاق في أول يوم له في معتقل مدينة حجة أقصى شمال اليمن حيث سجنه الإمام لأصحابه وهو في قمة جبال حجة يشاهد لأول مرة السحاب من تحته والشمس تعلوه من فوقه: «يبدو أن السماء سقطت»، وطالبهم بالصلاة، فقاموا إليها خائفين مذعورين مما يرون من انقلاب في الطبيعة، كما روى لي ذلك محافظ حجة المرحوم عبد الرحمن نعمان عام 1988م، عندما نزلت ضيفاً عليهم .


منغستو في عدن

في حديث الرئيس ناصر لــ (عدن الغد ) قال :" قام الرئيس منغستو هيلا مريام بزيارة عدن التي وصل إليها في 29 تشرين الثاني/نوفمبر للمشاركة في احتفالات الذكرى الثانية عشرة لعيد الاستقلال، وحضر مناورة عسكرية كبرى في مدينة سيئون، العاصمة الثانية لمحافظة حضرموت. كان لحضوره المناورة أهمية خاصة، إذ كان دليلاً على عمق العلاقة بين الثورتين والبلدين، ولا شك في أن حضوره المناورة التي أجريت قريباً من الحدود مع السعودية قد أثار حفيظة الجارة الكبرى لليمن الديمقراطية، السعودية، وعمَّق مخاوفها. من المؤكد أن أهمية الزيارة لم تكن في حضور تلك المناورة العسكرية، بل في الحدث الأهم الذي أعقبها، وهو توقيع معاهدة الصداقة والتعاون، وكانت اليمن الديمقراطية قد وقّعت خلال هذه الفترة وبعدها العديد من الاتفاقيات المماثلة مع العديد من الدول الاشتراكية الصديقة، ومنها اتفاقية عدن الثلاثية بين اليمن الديمقراطية وإثيوبيا وليبيا لاحقاً، ما أثار مخاوف غير مسوّغة لدى عدد من دول المنطقة، التي شنت حملات إعلامية شديدة، حيث صُوِّرَت على أنها انخراط لليمن الديمقراطية في تكتلات عسكرية تهدد أمن المنطقة واستقرارها. وكنا نحن نرى أن عدم الاستقرار ينبع في الواقع من الأساطيل والقواعد العسكرية الأجنبية والسياسات المرتبطة بدول خارج المنطقة كانت تهدد أمن المنطقة واستقرارها دون أن تثير استنكار أحد من المعنيين بالأمر .

لقاء ثلاثي مع الرئيس منغستو والجنرال جياب

وواصل الرئيس ناصر حديثه قائلا:" في تشرين الثاني/نوفمبر 1980م زار منغستو عدن للمرة الثانية. أصبح ارتباطه الآن بالثورة والنظام في اليمن الديمقراطية وبقادتها أقوى من أي وقت مضى، ينتهز كل فرصة سانحة للإعراب عن الحب والتقدير لبلدنا. وصودف أن الجنرال الفيتنامي الأسطورة نجوين جياب كان هو الآخر يزور اليمن الديمقراطية في هذا الوقت أيضاً، حيث قلدته وسام الثورة «14 تشرين الأول/أكتوبر». مساء 11 تشرين الثاني/نوفمبر عقدت مع منغستو والجنرال جياب لقاءً مشتركاً ناقشنا فيه آخر التطورات على الصعيدين العربي والدولي، والعلاقات ما بين بلداننا الثلاثة، وجرى تأكيد ضرورة تعزيز التعاون وتطوير علاقات الصداقة فيما بين بلداننا، وتطابقت وجهات نظرنا في ما يخص القضايا مثار البحث.
أتذكر أن هذا اللقاء كان مناسبة رائعة للجمع بين ثورات ثلاث، لكل منها أهميتها وقيمتها. وكنت كلما سنحت لي الفرصة أقوم بمثل هذا الدور. ففي نهاية عام 1982م، جمعت في مقر إقامتي في موسكو بين الرئيسين الإثيوبي منغستو والفلسطيني ياسر عرفات لأول مرة. وأبدى عرفات يومذاك ارتياحه لكسبه وثورته صديقاً وقائداً إفريقياً يُعتدّ به، وهو الذي فتح مكتباً لمنظمة التحرير الفلسطينية في أديس أبابا بعد إغلاقه للسفارة الإسرائيلية وفي هذا اللقاء أبدى انزعاجه من مواقف بعض الدول العربية تجاه بلاده في دعم المعارضة الأريترية ومعارضة ما يسمونه أرض الصومال الغربية التي هي منطقة أوغادين التي تُعَدّ جزءاً من الدولة التي كان يحكمها الإمبراطور هيلا سيلاسي.
كانت زيارة منغستو اللاحقة في 22 أيلول/سبتمبر 1985م ذات مغزى خاص، فستكون هذه زيارته الأخيرة لعدن.. ولم يكن هو أو أنا نقدِّر أنها ستكون الأخيرة، بالرغم من أنه لم يكن لقاءنا الأخير. جاء منغستو هذه المرة في وقت كانت الأوضاع السياسية الداخلية فيه سائرة إلى التعقيد قبيل المؤتمر العام الثالث للحزب الاشتراكي اليمني المقرر عقده في تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام. وقد جاء ليؤازر القيادة الشرعية ويسند موقفها الذي اتخذته والذي أعلن انتصاره في المؤتمر العام الثالث للحزب.
إن الصلات التاريخية والحضارية والعلاقات بين البلدين والشعبين التي تعززت كثيراً في السنوات الأخيرة، وتوطدت فيها عرى الصداقة أكثر فأكثر في سنوات 1980- 1985م، هي التي كانت تدفعني إلى أديس أبابا في تلك الأيام الصعبة من شتاء 1986م. كانت إزالة الخطر المباشر المحدق بعدن تتطلب أقصى جهد معنوي وجسدي للدفاع عن النظام والشعب الذي كان يواجه الدبابات بصدره العاري. وكان يتطلب أيضاً صديقاً له إرادة فولاذية وصداقة لا تشوبها شائبة. لهذا، وقع اختياري على منغستو دون سواه للحصول على الدعم العسكري والسياسي والمعنوي.
في اليوم التالي 19 كانون الثاني/يناير 1986م جرى لقاء طويل بيني وبين منغستو، وكان صادقاً في إظهار تعاطفه معي، وأبدى استعداده لتقديم الدعم المباشر وتجهيز (25) ألف مقاتل إثيوبي لهذا الغرض، وعرض المباشرة ببث إذاعي لمدة ساعتين يومياً من الإذاعة المركزية الإثيوبية. وكان علينا أن نعترف بالأمر الواقع، وأن نوقف العمليات العسكرية في عدن وغيرها، ونوقف فكرة إرسال قوات إثيوبية إلى الجنوب ونقدم الشكر إلى القيادة الإثيوبية على هذا الموقف المشرف الذي لن أنساه وقد انتقل بعد ذلك القيادة السياسية والعسكرية إلى أديس أبابا، واجتمعوا وأقروا مبادرة للحل السياسي والمصالحة الوطنية في الجنوب، ولكن الطرف المنتصر في الحرب رفض هذا.

موقف صالح السييلي وجار الله عمر

يستكمل الرئيس علي ناصر محمد الحديث حول زيارته إلى اثيوبيا حيث ذكر وقال :" على العموم، جاء وزير داخلية نظام عدن الجديد إلى أديس أبابا، وأمضى فيها الفترة من 28 نيسان/أبريل حتى 3 أيار/مايو 1986م، وأجرى مباحثات مع المسؤولين الإثيوبيين دون نتيجة تذكر، ولكنه ادعى أنها حققت نتائج إيجابية في علاقات البلدين. وكان الواقع مختلفاً، حيث كشف لي منغستو حقيقة ما دار بين السييلي والوفد الإثيوبي برئاسة تسفاي ولد سلاسي، العضو المرشح للمكتب السياسي لحزب العمال الإثيوبي، وزير أمن الدولة.
في لقائنا قرأ منغستو في البداية نص رسالة وجهها إلى علي سالم البيض، وسلمني نسخة منها باللغة العربية. وأشار إلى أن للرسالة هدفين، الأول، تأكيد عدم إحراز أية نتيجة إيجابية للحوار الذي حصل في أديس أبابا بين وفدهم برئاسة صالح السييلي والوفد الإثيوبي. والهدف الثاني، تأكيد ضرورة الجدية في أيّ حوار قادم، حتى تكون له نتائج إيجابية. ولهذا صيغت الرسالة بأسلوب صارم. ثم تحدث تسفاي ولد سلاسي وزير أمن الدولة الإثيوبي الذي قاد مباحثات بلاده مع السييلي ووفده، فوجه الشكر إليّ، وقال إن الصورة التي زودتنا بها عن السييلي محاوراً سيئاً كانت طبق الأصل، وإن السييلي ومحمد هيثم كانا يطرحان أطروحات صارخة ويوجهان الانتقادات إلينا بصورة غير لائقة... ولاحظ أن الوفد القادم من عدن لم تكن لديه وحدة في الهدف، ولم يكن بينهم انسجام أو احترام متبادل. وأضاف أن الوفد الإثيوبي انطلق من الهدف الرئيس الذي أملاه الحوار الذي جرى في موسكو بين كل من غورباتشوف ومنغستو حول إسهام إثيوبيا في حل مشكلة عودة النازحين إلى عدن. وعلى هذا الأساس أدرنا الحوار. وكان هدفنا ضمان عودة الموجودين في إثيوبيا وإخراج الملتجئين إلى السفارات الأجنبية في عدن هرباً من البطش، على أن يخيروا بين البقاء في وطنهم أو السفر إلى الخارج. وفي كل الأحوال لا بد من ضمان حماية أرواحهم وضمان خروجهم، وإعطاء ضمانات لإخراج عائلات القياديين الذين لا يرغبون في العودة.

وفد السييلي

وفي حديثه لـ(عدن الغد ) قال الرئيس ناصر :" رداً على مقترحات الوفد الإثيوبي، قدم وفد السييلي جواباً، مضمونه أن هذه الجماعات مواطنونا ورعايانا، ويمكن أن نقبل عودتهم ما عدا أربعين شخصاً يجب أن يقدموا للمحاكمة. (يلاحظ رئيس الوفد الإثيوبي، أنه بالرغم من هدف وفد عدن كما لمسنا السعي لتحسين العلاقات بين البلدين التي سادها الفتور والتوتر عقب أحداث كانون الثاني/يناير 1986م، إلا أن الوفد لم يكن مستعداً للحوار في المسألة عودة الموجودين في الخارج). وأضاف تسفاي: قلنا لهم، هذه ليست مشكلة جديدة، لقد سبق أن نوقشت بين الأمناء العامين في موسكو وبرلين، ولا نطرحها هنا مجدداً، وإذا لم يكن لديكم تعليمات لمناقشة عودة اللاجئين معنا، فبإمكانكم العودة إلى حكومتكم ونحن بالانتظار. وردّ رئيس الوفد السييلي: إن أميننا العام لا يمكن أن يبتّ هذا الموضوع بمفرده، نحن لدينا دستور وقوانين، ولن أطلب تعليمات من عدن. وأضاف كلاماً يعبّر فيه عن استيائه وحكومته من موقف إثيوبيا الذي اعتبره منحازاً إلى جانب كاتب هذه المذكرات… وعند ذلك - يقول تسفاي- أشعرنا الوفد اليمني برئاسة السييلي أننا سنفترق من غير الوصول إلى اتفاق، ويمكن مواصلة الحوار في المستقبل.


مقترحات أثيوبيا

وقال الرئيس ناصر في حديثه :" قدم الإثيوبيون مقترحاً في ما يخص البوارج الحربية والطائرة المروحية التي لجأت إلى إثيوبيا يقضي بإمكانية إعادتها إلى عدن على أساس قائمة تضعها وزارة الدفاع ومندوب من السفارة، وكذلك قائمة بالبحّارة الذين يرغبون في العودة معها، وكان وفد برئاسة أحمد عبد الله الحسني قائد البحرية قد ذهب إلى عصب ومصوع لتحديد القوائم وإعدادها.
من بين النقاط التي أثاروها استعادة مقرّ السفارة في أديس أبابا والبيوت التابعة لها بعد أن انحاز السفير وبقية الطاقم إلى جانبنا، واستمروا يمارسون عملهم كممثلين لنا، ووعدتهم القيادة الإثيوبية بإعادتها إليهم.
أكد تسفاي أنه لم يتفق معهم على شيء. وأشار إلى أن الرئيس منغستو لم يستقبل الوفد، وأنهم بشكل عام لم يحققوا أي غرض من زيارتهم. واستنتج تسفاي، خاتماً حديثه بالقول: «ليس لدى الوفد وحدة فكرية أو تضامن أو احترام متبادل، ورئيس الوفد السييلي قال إنه هو الوحيد الذي يقرر موضوع عودة اللاجئين، وإن الأمين العام البيض لا يمكنه أن يقرر في هذا الموضوع» كما أسلفت.
بعدها، تحدث د.أ. شاجري باعتباره عضواً في الوفد الذي شارك في المباحثات مع وفد السييلي، فقال: إن الجانب الإثيوبي تقدم بمقترحات حسب الاتفاق بين الأمينين العامين منغستو وغورباتشوف، وإن الوفد رفض ذلك وعدّه تدخلاً في شؤونهم الداخلية. وقالوا إن أي إجراءات بخصوص عودة اللاجئين يجب أن تكون حسب الدستور والقوانين والنظم. وقدمنا من جانبنا اقتراحاً، وقلنا إن المشكلة سياسية وخاصة، فلهذا ينبغي أن يكون الحل أيضاً سياسياً وخاصاً، وليس قانونياً. ولهذا اقترحنا عليهم مشاركة أربع جهات في الحوار، هي: حزب العمال الإثيوبي، جماعة عدن، جماعة الرئيس علي ناصر، والسوفيات. وعندما طلبنا من السوفيات مشاركة سفيرهم في عدن في الحوار، كان ردهم: «حلوا هذا الموضوع بمعرفتكم». وعندئذ تقدمنا بمقترح أن يكون الحوار ثلاثياً بعد اعتذار السوفيات عن عدم المشاركة فيه. رفض الوفد رفضاً قاطعاً مشاركة جماعة الرئيس علي ناصر في الحوار، ولم يكن أمامنا من خيار آخر سوى إجراء حوار ثنائي بيننا وبين الوفد القادم من عدن.
كان واضحاً رفض عدن مبدأ الحوار والمصالحة، واعتبرناه خطأً جسيماً أودى في النهاية بكل شيء ولم يتفهم من اعتقد حينذاك أنه انتصر ماذا عليه أن يفعل، وسيطرت مجموعة من الأفكار الضيقة التي لا أفق لها أو رؤى لبناء المستقبل. وبعد ما يزيد على خمسة عشر عاماً، يقول جار الله عمر في مقابلة مع صحيفة الخليج يوم 3 كانون الثاني/يناير 2003م: «في رأيي، إن الخطأ الذي ارتكب حينها ولم يكن عملاً سياسياً صحيحاً هو استمرار الإعلام في الحديث عن الانتصار الذي تحقق، لأنه في الحقيقة لم يكن انتصاراً، بل كان هزيمة وخسارة للجميع، والخطأ الثاني الذي أشعر اليوم أنه خطأ لكنني يومها لم أكن أراه كذلك، هو رفض عملية المصالحة وإعادة الوئام من جديد والتفاهم مع الطرف الذي خرج إلى إثيوبيا، ولو حدث هذا، لكان هو الانتصار الحقيقي، لكنه لم يحدث، لأن الكل كان متوتراً والجروح عميقة، والنضج السياسي لم يكن كافياً، وفي رأيي إن هذا كله كان البداية التي أسست لهزيمة الجيش والحزب في الحرب اللاحقة بعد الوحدة عام 1994م». وقد قال جار الله عمر عين الصواب، ولو جاء متأخراً.

قصة الرئيس منغستو وجرهوم

ويذكر الرئيس علي ناصر ويقول :" في حزيران/يونيو 1986م قام محمد أحمد جرهوم، وزير الثقافة والإعلام في الحكومة الجديدة في عدن بزيارة إثيوبيا. وكانت على ما يبدو استكمالاً للزيارة التي قام بها الوفد السابق، وقد التقى الرئيس الإثيوبي منغستو هيلا مريام.
قال الرئيس «منغستو» لوزير الإعلام محمد أحمد جرهوم خلال اللقاء الذي جرى في «أديس أبابا»: «ما جرى في أحداث 13 كانون الثاني/يناير لا تقع مسؤوليته على شخص واحد، بل على الجميع. نحن لم نكن نتوقع أن يكون الدمار بمثل تلك الصورة. قلنا لجميع الرفاق إنكم ستهدمون ما بنيتم. للأمانة، غالبيتهم غير موجودين. وينبغي حالياً أن توحدوا صفوفكم وأن تجنبوا الشعب مزيداً من المآسي، نحن لسنا بعيدين عنكم ونعرف أشياء كثيرة في داخلكم».
كان جرهوم يحتج على وجودي وبعض أنصاري في إثيوبيا، ويحاول إقناع «منغستو» بأنني مسؤول عن أحداث كانون الثاني/يناير، لكن منغستو لم يقتنع بمسوغاته، وقد نصحهم بأن يتخلوا عن هذا الوهم بتحميل مسؤولية ما حدث لرجل واحد. كذلك فإنه لم يقبل من جرهوم والقيادة التي جاء يمثلها وصفنا بالثورة المضادة، بل استخدم في سياق رده وصف «أصدقاؤنا… من بلد ثوري» قال «منغستو»: «في الواقع أصدقاؤنا القدامى قدموا إلينا وهم ضيوف لدينا. وليسوا عندنا فقط وإنما مع أصدقائكم في بلدان أخرى فلماذا أنتم «متحسسون» منا فقط؟ إذا نظرتم إلى وجودهم في بلادنا كمشكلة فهذا سينتج منه مشكلة بيننا».
وأضاف:
«استضفناهم عندنا شعوراً بأن ذلك واجب تحتمه الالتزامات الأدبية والمعنوية نحو أصدقائنا. وما دام هؤلاء جاؤوا إلينا من بلد ثوري، فإننا لا يمكن أن نتخلى عنهم أو نطاردهم».
د. جرهوم:
«حتى لو كان الوافدون إليكم قتلة؟»
منغستو:
«وهل الذين ذهبوا إلى الاتحاد السوفياتي قتلة وخونة؟».
«إذاً أنتم تنطلقون من حساسية وجودهم لدينا، ثمة أزمة شك وعدم ثقة ليست في مصلحتنا جميعاً».
بعد الأحداث جاء إلينا أعضاء من المكتب السياسي في الحزب الاشتراكي اليمني، ونحن استقبلناهم على أساس أنهم رفاق، ولا نستطيع تصنيفهم أعداءً للثورة اليمنية وللنظام التقدمي في اليمن الديمقراطية. أنتم تقارنون جماعة الانفصاليين الذين حفروا للثورة الإثيوبية قبراً لدفنها والتعجيل في نهايتها بالجماعة الذين لجأوا إلينا.
د. جرهوم:
«نستضيف الآخرين في ضوء موقفهم من النظام التقدمي، نحن لا نقبل أعداء الثورة الإثيوبية ضيوفاً في بلادنا».
وسأل الرئيس «منغستو» الدكتور جرهوم:
«إذا فرضنا أن أحداثاً مشابهة وقعت في إثيوبيا ولجأت إلى عدن فهل ستستقبلوننا؟».
د. جرهوم:
«إذا وصلت وأنت معاد للثورة الإثيوبية فلن نقبلك».
وهنا وقف منغستو وقال لجرهوم: انتهت المقابلة.
(للحديث بقية)