آخر تحديث :الأحد-14 أبريل 2024-04:57م

ملفات وتحقيقات


تحليل: هل هناك نشاط تركي جديد في حضرموت.. وما أبعاده وغاياته؟

الأربعاء - 28 فبراير 2024 - 09:20 ص بتوقيت عدن

تحليل: هل هناك نشاط تركي جديد في حضرموت.. وما أبعاده وغاياته؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل يقرأ في أبعاد زيارة السفير التركي إلى حضرموت وعلاقتها بصراع النفوذ بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية..

كيف تحولت حضرموت إلى منطقة صراع على النفوذ فيها بين قوى إقليمية ودولية؟

هل زيارة السفير التركي إلى حضرموت إيجابية.. أم تفاقم حالة الصراع هناك؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

يبدو أن أوضاع الصراع في محافظة حضرموت (شرق اليمن)، باتت تتخذ طابعا دوليا، ولم تقتصر فقط على البُعد المحلي الضيق، ولكن الصراع اليوم اتخذ أبعادا أشكل وأوسع، وصار الوضع هناك مهيأ للتدخل الدولي، بعد أن بدأ محليا قبل سنوات واستمر كذلك.

صحيح أن الصراع المحلي في حضرموت، ما بعد العام 2020، كان يدار بأيدٍ خارجية وإقليمية، وهو ما لا يمكن إنكاره، رغم محاولات إخفائه أو التقليل منه، لكن الصراع الدولي على حضرموت لم يكن أكثر وضوحا من اليوم، خاصة أن المحافظة تزخر بمقومات اقتصادية ونفطية وغازية تؤهلها لأن تكون مسرحا لصراع شامل بطابع دولي.

يأتي الحديث عن الصراع الدولي على حضرموت، بعد زيارة السفير التركي لدى اليمن، مصطفى بولانت، إلى المحافظة قبل أيام، والتقائه بمحافظ المحافظة مبخوت بن ماضي، ورغم أن التقارير الرسمية تحدثت عن بحث السفير التركي إمكانية دخول أنقرة في استثمارات اقتصادية وتجارية في حضرموت، غير أن الموضوع يبدو أنه أكبر من ذلك بكثير.

في كل مكان من العالم، غالبا ما يكون التدخل التجاري والاستثماري، وحتى الإنساني، غطاء لتدخل أعمق وأوسع، خاصة في ظل التجاذبات والاستقطابات التي تعيشها وعاشتها حضرموت مؤخرا، وهو ما يدور بالفعل حول طبيعة وأبعاد التواجد التركي وزيارة سفيرها إلى حضرموت؛ كنتيجة حتمية للصراع الجاري في المحافظة والتي أوصلها إلى هذه الحالة من التجاذب.

ولا يخفى على أحد حجم التأثير الدولي، وليس فقط الإقليمي الذي عادت تركيا تقوم به منذ أكثر من عقدين كاملين، وهو ما أثبتته من خلال تدخلاتها تواجدها عسكريا في سوريا والعراق، بالإضافة إلى تدخلها العسكري في ليبيا، وقواعدها المستحدثة في شرق ووسط أفريقيا.

وبحكم الموقع المؤثر لليمن، وتواجد بلادنا في قلب الأزمات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة، فلا بد من دولة مؤثرة بحجم تركيا، تحاول استعادة مجد إمبراطوريتها الزائلة، أن تتواجد في اليمن أيضا، تماما كما تواجد أجدادهم في قرون ماضية.

> أبعاد الزيارة

كشفت زيارة السفير التركي إلى محافظة حضرموت عن اهتمام بلاده بإيجاد موطئ قدم لها في المحافظة ذات الموقع الإستراتيجي المنفتح على بحر العرب، والتي تحتوي أراضيها على مخزونات هامة من النفط والغاز.

ولا بد من الربط بين هذه الزيارة، وبين ما يجري من أحداث راهنة في اليمن، والمتمثلة في الهجمات الحوثية ضد السفن في البحرين الأحمر والعربي وباب المندب، وتوقف الملاحة الدولية في هذه المنطقة المهمة من العالم.

ما يزيد هذا الرابط هو أن السفير التقى في حضرموت عددا كبيرا من المسؤولين في السلطة المحلية، مدنيين وعسكريين، وعرض عليهم الشراكة مع تركيا في عدد من المجالات، مؤكّدا اهتمام أنقرة بالمحافظة التي وصفها بـ "واجهة" اليمن.

وجاءت الزيارة التي تعتبر الأولى التي يقوم بها مسؤول تركي من هذا المستوى إلى المحافظة الواقعة بشرق اليمن؛ استكمالا لتحركات تركية في العديد من المناطق اليمنية الواقعة خارج سيطرة مليشيات الحوثي.

تلك التحركات كانت ذات طابع خيري وعناوين إنسانية، من خلال تقديم المساعدات للمواطنين اليمنيين، في مناطق عديدة من البلاد، بالإضافة إلى تنفيذ مشاريع خدمية صغيرة تتعلق بالتعليم والصحة والطرقات، وتوزيع المساعدات الإغاثية، وغيرها من المجالات.

تقارير دولية وعربية، ترى أن تركيا تسعى من وراء تلك التحركات والمشاريع إلى الحفاظ على وجودها في اليمن كطرف منافس على النفوذ، ورغبة أنقرة في إيجاد تواصل مع مناطق نفوذها الواقعة في القرن الأفريقي، وتحديدا في جيبوتي والصومال، والساحل الشرقي من أفريقيا، وقبل ذلك محاولتها التواجد في السودان المطل على البحر الأحمر.

> الصراعات المحلية وعلاقتها بتركيا

الدول الراغبة والطامحة في لعب دور مؤثر إقليمي ودولي، تعمل بالتركيز على متناقضات المناطق التي ترغب في التواجد فيها، وهذا ما تقوم به الدول الكبرى كأحد ركائز سياساتها الأزلية، وهو مبرر جيد لتدخلات تلك الدول.

بلد كاليمن، مليء حد التخمة بالصراعات والأزمات واختلاف قواه الوطنية والسياسية، كان لا بد أن يجذب إليه الدول الراغبة في لعب دور فاعل في أزماته، ولعل هذا القدر ما انفك مرتبط بمصير اليمن، الذي بات منذ قرون اسير الأطماع الخارجية، وحتى اليوم.

ومن الطبيعي أن تعمل الدول الإقليمية والدولية باللعب على وتر الخلافات بين القوى اليمنية، وهو ما تعيشه حضرموت بشكل واضح وجلي، لا يخفى على أحد، ومن الطبيعي ألا يخفى على الأتراك أيضا، كونهم إحدى الدول القوية والطموحة الراغبة في لعب دور ما في المنطقة.

فالتجاذبات بين الشرعية اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، بالإضافة إلى الكيانات المحلية السياسية المستحدثة وغيرها، مع وجود دعم خارجي لكل تلك الجهات، يغري بتدخل الأتراك، والعمل على توجيه تلك الصراعات بما يخدم مصالحها.

وما يغري الأتراك أيضا وغيرهم في حضرموت، أنها منطقة ثروات غنية بالنفط والغاز، كما أنها مطلة على بحر العرب، وقريبة من محافظات يمنية أخرى ثرية أيضا، كمأرب وشبوة، بالإضافة إلى كل ذلك، أنها منقسمة على نفسها وضحية الانقسامات والصراعات بين القوى السياسية في اليمن.

وما تزال مسألة النفوذ في حضرموت غير محسومة لأي طرف من الأطراف المتنافسة، خاصة مع تحكم قوى إقليمية بالأطراف المحلية، ومحاولتها استخدام أدوات جنوبية ويمنية؛ لتأمين التواجد على ممر مهم مثل بحر العرب والمحيط الهندي، ولعل هذا ما يبرر الدخول التركي الراهن في حضرموت.

> حضرموت.. منطقة صراع دولي

بعد أن اقتصر الصراع فيها على القوى المحلية، استقطبت حضرموت دولا وقوى إقليمية ودولية، بل إن كثيرا من المراقبين يرون أن العكس هو الصحيح، فالدول والقوى الإقليمية والدولية هي من أثارت الخلافات المحلية وغذتها بهدف خدمة مصالحها في المحافظة.

ويعتقد هؤلاء المراقبون أن هذه العملية تمت في ظل غياب الدولة، واستغلال ظروف قتال مليشيات الحوثي، أو ما بعد مرحلة تحرير المحافظات المحررة من الحوثيين، والتي اتسمت بالفراغ الأمني والعسكري، والتي بناء عليها تم تشكيل تحالفات مدعومة.

بينما يرى آخرون أن التدخل التركي في المناطق اليمنية، بما فيها حضرموت، هو تدخل رسمي وشرعي في آن، كونه يأتي بتنسيق مسبق مع مؤسسة الرئاسة اليمنية، ووفق ترتيبات معينة على أعلى مستوى، وبالتالي فإن التحركات التركية في حضرموت تختلف عن أي تدخل خارجي لم يقم بالتنسيق المسبق.

لكن في النهاية، يبقى التدخل من قبل قوى خارجية في اليمن، وفي هذا التوقيت المتوافق مع العديد من الأحداث في البر والبحر، يبقى تدخلا غير بريء، ويحمل شيئا من الريبة نوعا ما، على الأقل فيما يتعلق بمواجهة ما يجري في البحر الأحمر وبحر العرب من تهديدات حوثية للملاحة البحرية.

فما يجري في المياه الإقليمية اليمنية لا يمكن فصله عن الصعوبات التي يواجهها العالم، بما فيها دول أوروبا، التي تضررت من ارتفاع تكاليف الملاحة الدولية بعد تراجع حركتها في البحر الأحمر، وانخفاض عدد الشحنات التجارية المتوجهة من شرق آسيا وجنوبها إلى أوروبا عبر قناة السويس.

وهذا الوضع جعل اليمن برمتها، وليس فقط محافظة حضرموت، منطقة مفتوحة لصراع دولي قد يتصاعد في الفترة القادمة، وقد يشهد مزيدا من التدخلات الإقليمية والدولية المختلفة.