آخر تحديث :السبت-13 أبريل 2024-04:18ص

ملفات وتحقيقات


تحليل: لماذا يتم استغلال ملف الطرقات كورقة سياسية للابتزاز بين المتصارعين في اليمن؟

السبت - 24 فبراير 2024 - 09:22 ص بتوقيت عدن

تحليل: لماذا يتم استغلال ملف الطرقات كورقة سياسية للابتزاز بين المتصارعين في اليمن؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل يقرأ في مبادرة سلطات مأرب بفتح الطرقات من جانب واحد ورد فعل الحوثيين تجاهها ومصير هذا الملف الإنساني..

كيف تعامل الحوثيون مع مبادرة الحكومة الشرعية فتح طريق (مأرب- صنعاء)؟

لماذا نجحت المبادرات الشعبية في حل أزمات الحرب وفشل فيها السياسيون؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

مازال ملف الطرقات يشكل حديث الناس والناشطين في منصات التواصل الاجتماعي، كونه أحد الملفات الإنسانية التي أحالت حياة الناس إلى جحيم في مختلف وعموم مناطق اليمن، ورغم أن (عدن الغد) سبق وأن تطرقت إلى هذا الموضوع بشيء من التفصيل، وتناولته في تقارير سابقة، إلا أن المستجدات الأخيرة المتعلقة بهذا الملف تفرض مواكبة التطورات التي يشهدها.

فالتصريحات الصادرة من طرفي الصراع، الشرعية اليمنية والحوثيين، والتي وصلت إلى مستوى التراشق وتبادل الاتهامات، بل وحتى التحدي بينهما، حول مصير فتح الطرقات، وخاصة طريق (مأرب- نهم- صنعاء)، يجعل من النظر إلى هذا الوضع مثيرا للغاية، خاصة عند مواطني تلك المناطق والنواحي الذين يترقبون فتح مثل الطريق، وتجنيبهم عناء التنقل عبر طرق وعرة وغير صالحة.

ورغم أن ملف الطرقات المغلقة، سبق وأن تم التطرق إليه ومناقشته في مختلف مراحل المفاوضات والمشاورات بين أطراف الصراع، إلا أنه لم يحرك ساكنا، وبقيت معاناة اليمنيين مع الطرقات مستمرة، بدون حلول أو معالجات حقيقية وفاعلة، رغم الطابع الإنساني المرتبط بملف كهذا، لكن من الملاحظ أن هناك تفاوتا بين مواقف الأطراف المختلفة، انطلاقا من دوافع كل طرف ومسئولياته الأخلاقية كسلطة حقيقة تمثل الدولة أو مجرد مليشيات لا تكترث بمعاناة الناس.

ففي الوقت الذي تحدث فيه عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ مأرب سلطان بن علي العرادة ومعه رئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز عن فتح الطريق الرابط بين مأرب وصنعاء عبر فرضة نهم من جانب واحد، تحت مبرر راحة المواطنين وإنهاء معاناتهم بسبب قطع الطرقات، كان التوجس والريبة حاضرين من مليشيات الحوثي التي لم تتجاوب بشكل إيجابي مع المبادرة.

بل إن الحوثيين تحدثوا في تصريحاتهم بكلام وأحاديث مطاطية وفضفاضة عامة، أشبه بتلك المستخدمة بالدبلوماسية الدولية، والتي لا تعطي ردا واضحا أو موقفا محددا، لكن أفعال الحوثيين كانت مناقضة لتصريحات قياداتهم، حيث كان في أفعال الحوثي وضوح كافٍ، لم ولم تكن مخالفة عن توقعات البعض بردة فعل المليشيات تجاه مبادرة الشرعية اليمنية.

فإذا كان العرادة قد قال في زيارته الميدانية التفقدية إلى عدد من المواقع والطريق الاسفلتي الرابط بين مأرب صنعاء، وبشكل واضح وجلي، إنه وبالتشاور مع القيادة السياسية والعسكرية تم تأسيس نقطة تفتيش أمنية في الطريق الرابط بين (مأرب- صنعاء) عبر الفرضة، ودعا الحوثيين إلى قيام بخطوة مماثلة لتسهيل تنقلات المواطنين، إلا أن الحوثيين لم يكونوا بذات الوضوح.

> موقف الشرعية

العرادة كان قد أكد أهمية فتح جميع الطرقات في كافة المدن، بما فيها الطرق المؤدية إلى مدينة تعز المحاصرة منذ تسع سنوات؛ لما تمثله اليوم من ضرورة ملحة خاصة في ظل المعاناة الكبيرة للمواطن اليمني في السفر عبر الطرق البديلة، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تأتي عقب مبادرات متكررة من جانب الحكومة وسبق الحديث عنها مع المبعوث الأممي وعدد من الوسطاء المحليين وإعلانها عبر وسائل الإعلام.

موقف الشرعية والعرادة لم يقف عند طريق مأرب- صنعاء، ولكنه تعداه ليشمل العديد من الطرقات المغلقة في مختلف أنحاء البلاد، حيث أبدى استعداد القيادة السياسية والعسكرية إلى فتح الطرق الأخرى (مأرب- البيضاء- صنعاء) وطريق (مأرب- صرواح- صنعاء) من جانب واحد، داعيا الطرف الآخر (الحوثيين) الاستجابة إلى هذه المبادرة التي تهدف بدرجة رئيسية لتخفيف معاناة المواطنين وتسهيل سفرهم وتنقلاتهم، بحسب إعلام السلطة المحلية هناك.

الإعلام الرسمي التابع للشرعية اليمنية لم يكن جادا حين عرض هذه المبادرة، بل إنه تحدث بلغة وأسلوب "ناعم" على غير العادة، وتحدث عن أمنياته من الجميع للتعاون في فتح جميع الطرقات الرئيسية في كل المدن اليمنية من أجل مصلحة الشعب اليمني وباقي الأمور لها مكانها وشأنها سواء كانت حربا أو سلما، كما أن المسئولين الحكوميين والقادة العسكريين المحسوبين على الشرعية تحدثوا عما أسموه "ضرورة تجنب المزايدات فيما يخص فتح الطرقات للشعب".

وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم بها وتبادر السلطات الحكومية في محافظة مأرب بفتح الطرقات من جهة الشرعية، لكنها اقتصرت في السابق على الدعوات الشفهية، دون أن تتحول إلى شيء عملي كما هي الآن، من خلال فتح الطرقات بين محافظات مأرب والجوف والبيضاء وصنعاء خلال 48 ساعة، ودعوة المليشيات الحوثية للاستجابة على فتح الطرقات من جهتها، وهو ما رفضته المليشيات، ما دفع السلطات الحكومية لفتح الطريق اليوم من جانب واحد، استجابة للمطالب الشعبية.

> موقف الانقلابيين الحوثيين

الفرق بين الدولة والمليشيات تجلى واضحا من خلال ردة فعل الانقلابيين الحوثيين الذين استغلوا القضية، ومبادرة العرادة وسلطات مأرب لصالحهم ووظفوها سياسيا بشكل لافت، واتضح ذلك من خلال أول تعليق من الحوثيين على الخطوة والمبادرة الحكومية، حيث اعتبرها عضو ما يِعرف بـ "المجلس السياسي الأعلى للجماعة" محمد علي الحوثي أنها خطوة تُنهي "حصار صنعاء"، حيث قال: "من الجيد إنهاء الحصار على صنعاء بإعلان فتح طريق (مأرب- صنعاء)".

وفي هذا التعليق الكثير من الجوانب التي تستوجب الوقوف عليها، فهو يدل على نظرة الحوثيين المختلفة للأحداث، من وجهة نظرهم الخاصة، والتي لم تختلف عن خطابهم الإعلامي للداخل والخارج، من خلال اعتبار أنهم هم الذين يتعرضون للحصار من قبل قوات الحكومة الشرعية والتحالف العربي، وأنهم لا يقومون بأي عمليات حصار المدن اليمنية، أو هكذا أوحى حديث الحوثي.

بل إن الانقلابيين الحوثيين دعوا الطرف الآخر أولا إلى "فتح المنافذ الأخرى وفك الحصار عن بقية الطرقات في جميع المحافظات وإزالة عسكرة الطرقات"، على حد قولهم، وتابعوا: "ندعوهم كذلك إلى الإفراج عن المختطفين من الطرقات التي قُبض عليهم فيها في أثناء العبور وهم مسافرون، لتعزيز ثقتهم بجدية الخطوة في هذه الطرقات"، وفي هذا الكلام الكثير من التوظيف السياسي لقضية الطرقات ذات الأبعاد الإنسانية البحتة.

لكن ديدن الحوثيين لن يمنعهم من الاعتراف بتسببهم بكل هذه الأزمات الإنسانية والمعيشية والاقتصادية، بما فيها المرتبات والطرقات، بل ويمضون في رمي التهم للأطراف الأخرى، كالحكومة الشرعية والتحالف اليمني بأنهم يحاصرونهم، في تلاعب واضح لحقيقة الوضع على الأرض، والذي يدفع اليمنيون ثمنه من حياتهم وعرقهم ودمائهم، خلال تنقلاتهم بين المناطق والمحافظات التي تقطعت أوصالها تماما.

وبالرجوع إلى التاريخ، فإن المليشيات الانقلابية من مصلحتها بقاء هذا الوضع على ما هو عليه، وذلك من عدة جوانب، أهمها الترويج كذبا وزورا بأنهم يواجهون مظلومية الحصار المفروض من التحالف العربي، والأمر الآخر استمرار تعذيب المواطنين اليمنيين في كل مكان ووضع العراقيل ضد حركتهم الطبيعية وحرية التنقل المكفولة في القانون الإنساني، بل والانتقام من المدن والمحافظات التي لفظتهم ورفضت تواجدهم فيها.

> الحل في المبادرات

لم تنجح المفاوضات والجهود التي يبذلها المبعوثان الأممي والأمريكي في حلحلة موضوع الطرقات، لكن ما ينجح بالفعل هو المبادرات المحلية والشعبية المنطلقة من المجتمع نفسه، وليس من أطراف الصراع، الذين قد تشوب مبادراتهم شوائب السياسية والتوظيف السيئ والابتزاز الذي تشتم روائحه بكل جلاء.

ولعل في الحرب والأزمة اليمنية الكثير من التجارب والنماذج التي نجحت فيها المبادرات المحلية في تحقيق اختراق واضح، بينما فشلت في ذلك دهاليز السياسة ومصالح السياسيين، ومن تلك التجارب عمليات تبادل الأسرى والمحتجزين على ذمة الحرب، التي حدثت وتحدث في مناطق التماس بجبهات القتال في شبوة، والبيضاء وتعز، وغيرها، وهي نماذج خلت من ابتزاز السياسيين أو التوظيف السياسي لهذه القضايا، لهذا نجحت وتمت بالفعل.

فرق كهذا، بين المبادرات المحلية والمبادرات السياسية من أطراف الصراع، هي من تحدد مدى نجاح هذه المبادرة من عدمها، وحتى لو كانت مبادرة العرادة وسلطات مأرب نابعة من جهة تمثل الشرعية إلا أن الطرف الآخر من الطبيعي أن يتوجس منها، ولا ينظر إليها ببراءة، بحكم حالة عدم الثقة بين الجانبين.

لكن، إذا كانت هناك مبادرات محلية وأهلية استطاعت أن تشق طرقا بديلة لتلك الطرقات المغلقة، رغم وعورة وصعوبة الطرقات البديلة، إلا أن الأمل مازال قائما ببروز مبادرة محلية ذاتية تعيد فتح الطرقات ورفع الحصار عن المدن اليمنية، بعيدا عن استغلال السياسيين وترويجهم الفارغ.