آخر تحديث :الإثنين-22 أبريل 2024-02:18ص

ملفات وتحقيقات


الرئيس علي ناصر يكشف عن مساعدات الصين لحكومة عدن في عام 78 وحادثة مطار عدن الدولي الشهيرة.. الحلقة (45)

الثلاثاء - 20 فبراير 2024 - 02:10 م بتوقيت عدن

الرئيس علي ناصر يكشف عن مساعدات الصين  لحكومة عدن في عام 78  وحادثة مطار عدن الدولي الشهيرة..  الحلقة (45)

((عدن الغد))خاص.

إعداد / د. الخضر عبدالله :
ألبانيا وملف الضابط!
بعد ان تطرق الرئيس الأسبق علي ناصر محمد في الحلقة الماضية عن زيارته يو غسلافيا.. ويحكي لنا في هذا العدد عن زيارته إلى البانيا ..حيث قال مسترسلا:" كانت ألبانيا بقيادة الزعيم الشيوعي أنور خوجة متحالفة مع الاتحاد السوفياتي، ثم انشقت عنه في عام 1960، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت سياسة ألبانيا معادية للسوفيات وحلفائهم من ناحية، وللأميركان وحلفائهم من ناحية أخرى وقد انحازت إلى الصين الشعبية وإلى خط الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، ما أدى إلى حصول ألبانيا على مساعدات صينية تقدَّر بمئات الملايين من الدولارات، تقلَّصت بعد وفاة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ عام 1976 عندما هاجمت ألبانيا السياسات الصينية التي اتهمتها بالانحراف عن خط الزعيم ماو. وبعد ذلك ازدادت عزلتها عن العالم ، ولم تكن لليمن الجنوبية علاقات معها بسبب مواقفها المعادية للصين والسوفيات. وأتذكر أنني شاركت في احتفالات ألبانيا بعيدها الوطني في سفارتها بالقاهرة عام 1967م، وما لفت نظري حينذاك أن عدداً كبيراً من حركات التحرر قد شاركت في هذا الاحتفال، وتعرفتُ إلى عدد من قياداتها ومن بينهم السيد يوسف بن علوي، مدير مكتب جبهة تحرير ظفار في القاهرة، وغيره من الشخصيات، كالأستاذ محمد سالم باسندوه، الذي كان حينذاك عضواً في مجلس قيادة الثورة وممثلاً لجبهة التحرير، وغير ذلك لم يحصل أي اتصال أو تواصل مع القيادة الألبانية.

تدمر الإمبريالية.. وتشيد الاشتراكية

وواصل الرئيس ناصر حديثه وقال:" ويحضرني في هذا السياق أن المقدم عبد الله صالح، رئيس شعبة الإمداد والتموين في وزارة الدفاع في عدن، كان دائماً يحتفظ بملفات بطلباتنا العسكرية استعداداً لتقديمها إلى أي بلد يعرف أنه ٍ للإمبريالية الأميركية!
وذات يوم جاءني إلى مكتبي في وزارة الدفاع، وبعد أن أدى التحية العسكرية جلس أمامي، ولاحظت أنه يحمل ملفاً وضعه فوق ركبتيه، وبدأ الحديث قائلاً:
يا سيدي، سمعت مساء الخميس إذاعة من ألبانيا معادية للإمبريالية، وأشتي أسألك يا سيدي فين هذي البلد، وهل لنا علاقة بها، وما هي إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية؟�. وأخبرني أنه أعدّ ملفاً بالطلبات والمساعدات التي تلزمنا من ألبانيا، وما دامت معادية للإمبريالية، فأنا على يقين أنها سوف تساعدنا حتماً، طالما نحن أيضاً معادون للإمبريالية�، وختم كلامه قائلاً: �سندمر الإمبريالية.. ونشيد الاشتراكية بإذن الله!�.
كان الضابط الطيب متأثراً على ما يبدو بتلك الشعارات والهتافات التي كانت تملأ كل مكان في الشوارع والطرقات والمطارات والمعسكرات والسيارات في عدن بمناسبة مهرجان الشباب العالمي في كوبا عام 1972م، والتي تهاجم الإمبريالية، حيث كان الكل يغني: (يا شباب العالم ثوروا... يا عمال يا فلاحين دمروا، دمروا الإمبريالية... شيدوا، شيدوا الاشتراكية!).
أخذت أتأمل ذلك الضابط الطيب، والشريف، وهو يضع ملفه على ركبتيه، وينتظر مني إذناً بالموافقة على السفر إلى ألبانيا لتقديم الملف الذي يحمله إلى المسؤولين هناك، والذي يحتوي على قائمة طلبات كثيرة، بدءاً بالمسدس والملابس العسكرية، وانتهاءً بالمدافع والدبابـات. قال لي إنه سهر يومي الجمعة والسبت مع بعض ضباطه لإعداده!

ألبانيا دولة فقيرة

ويقول الرئيس ناصر :" يبدو أنني خيبت أمله وأنا أشرح له أن ألبانيا دولة فقيرة، وهي معادية للاتحاد السوفياتي، وليس لنا معها علاقات، وحتى إذا أقمنا علاقة معها فإنها لا تستطيع مساعدتنا. نظر الضابط نحوي وهو في حيرة من أمره، ولم يفهم كيف يكون السوفيات والألبان كلاهما ضد الإمبريالية، ومع ذلك يتبادلان العداء إلى هذه الدرجة. قلت له: �تماماً مثل الصين والروس، كلاهما ضد الإمبريالية، ومع ذلك يتبادلان العداء، كل يكره الآخر بطريقته، وحسب أفكاره ومصالحه�.

قال الضابط بطيبة:
�يا سيدي، سدوا بينهم (أي وفقوا بينهم) من شان يساعدونا�.
أفهمته أن ذلك من سابع المستحيلات.. فقال: �أعوذ بالله منهم، ومن عداوتهم!!�.
قال مغلوباً على أمره وهو ينظر نحوي: �والملف يا سيدي؟!�.
قلت له ضاحكاً: �خليه عندك للوقت المناسب... يمكن تلاقي دولة أخرى معادية للإمبريالية ونسلمها الملف�!
شعرت بأن ردي قد صدمه. فقد طوى الملف بيده اليسرى، ونهض وأدى التحية العسكرية وانصرف. وقد لفت انتباهي أنه كان يلبس بذلة عسكرية خضراء من التي أهدتها الصين الشعبية إلينا بعد زيارة الرئيس سالم ربيع علي لبكين عام 1970م.
أردت باختصار، من خلال إيراد هذه الواقعة الحقيقية، أن أُبين أن سياستنا وعلاقاتنا الخارجية كانت تتأثر بطريقة أو أخرى بالصراع الصيني السوفياتي، وبالحرب الباردة والصراع السوفياتي الأميركي. لكن علينا الاعتراف بأن الصداقة والعلاقة المميزة مع الاتحاد السوفياتي بصرف النظر عن بعض المحطات، قد أفادت اليمن الديمقراطية في مواجهة تحديات كثيرة، تحديات الاستقلال والتنمية، وأعطت عدن مكانة أكبر من حجمها، وإمكاناتها بحكم موقعها الاستراتيجي المتحكم في باب المندب على البحر الأحمر والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، المتاخم لحدود بحيرة النفط في شبه الجزيرة العربية وقدمت موسكو مساعدات وقروضاً اقتصادية وثقافية وعسكرية بفوائد زهيدة وفترة سماح طويلة، مع الإعفاء من بعض الديون حين يحين وقت سدادها.

الزيارة الأولى لبكين

ويردف الرئيس ناصر في حديثه :" في نيسان/أبريل 1978م قمت بأول زيارة للصين الشعبية، وكنت حينئذ رئيساً للوزراء. وقد زارها في البداية وفد برئاسة سيف الضالعي وزير الخارجية في شهر أيلول/سبتمبر 1968 ، وقد تقدم الوفد بعدد من المشاريع كشقّ الطرقات وإنشاء ميناء المكلا واستصلاح عشرة آلاف فدان وبناء مستشفيات بتجهيزاتها وقرض نقدي بعشرة ملايين جنيه إسترليني أو بالفضة، وكان الطلب الأخير غير واقعي، لأنهم لا يقدمون المال، لكنهم يمكن أن يقدموا القروض والمساعدات لتنفيذ المشاريع، فلهذا لم يستجيبوا لتنفيذ أهم المشاريع التي طرحت في هذه الزيارة. وكان الوفد يرى أن تقديم هذه المساعدات واجب أممي، ولم ندرك أن هناك مصالح ومنافع بين الدول والشعوب. استجاب الصينيون لاحقاً لتنفيذ مشروع طريق (امعين – المكلا) بعد الزيارة التي قام بها الرئيس سالم ربيع علي في عام 1970م، وزارها مرة أخرى عام 1974م. كان الرئيس سالم ربيع علي قد التقى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ ، وعاد من زيارته تلك متأثراً بالتجربة الصينية، فحاول تطبيقها في اليمن الديمقراطية، وخصوصاً في ما يتعلق بتنظيم الانتفاضات الفلاحية وانتفاضات الصيادين، واستوحى بعض شعارات الثورة الثقافية والكتابة على الجدران، كما حدث في الأيام السبعة المشار إليها في غير هذا المكان من هذه المذكرات، وحاول إلغاء الرتب العسكرية. وكان سالمين، بوصفه قائداً شعبياً، متأثراً بالصينيين، وبالمساعدات غير المشروطة التي يقدمونها لبلادنا، وبتواضعهم.
رغم شعور الرئيس ربيع الصين تخلت عن حلفائها في حركات التحرر، وخصوصاً الجبهة الشعبية لتحرير عُمان، وأنها انحازت إلى الأنظمة المحافظة في المنطقة، لكنه وهو الذي تأثر بالصين وبالزعيم مـاو كان وفياً للزعيم عند موته عندما أصرّ على أن تطلق السفن في ميناء عدن أبواقها مدة دقيقة واحدة، إضافة إلى مطالبته بإيقاف حركة المرور والسير مدة دقيقة أيضاً حداداً على صديقه الزعيم ماو الذي يُعَدّ من أبرز القادة في التاريخ الحديث، حيث كان له بصماته في سجل القوى الكبرى والمسيرة الكبرى، وحكم نحو مليار شخص في بلد تقدر مساحته بنحو تسعة ملايين كيلومتر مربع مدة تزيد على خمسة وعشرين عاماً. ولكن في الصين نفسها كانت تجري تصفية ذيول وتأثيرات الثورة الثقافية بعد القضاء على عصابة الأربعة !
حرصت على أن تجري الزيارة للصين في موعدها المحدد في 19 نيسان/أبريل 1978م، واستأجرنا طائرة إثيوبية للقيام بهذه الرحلة، إذ يمتاز الطيران الإثيوبي بخبرة ممتازة. ولم نكن نملك حتى ذلك الوقت طائرة رئاسية، كذلك فإن شركة الطيران الوطنية (اليمدا) لم تكن تملك إلا طائرة واحدة من نوع البوينغ (707)، وكانت خلال رحلاتها بين مطار عدن وعواصم العالم تتعرض للعطل المستمر، وأحياناً لا تتمكن من إنزال عجلاتها، وكانت أعظم فرحة للركاب عندما يشعرون بأن الطائرة تمكنت من إنزال عجلاتها، فيصفقون ويهللون حتى قبل أن تهبط بسلام على مدرجات المطار!
في مطار كراتشي

ويقول الرئيس ناصر في حديثه :" المحطة الأولى التي هبطت فيها طائرتنا الإثيوبية المستأجرة كانت مطار كراتشي في الباكستان، حيث تزودت بالوقود، واستأنفت رحلتها الطويلة إلى بكين فوق جبال الهملايا، وأفغانستان، والأراضي الصينية الشاسعة، واستغرقت الرحلة من عدن إلى بكين نحو 12 ساعة.
ما إن دخلنا أراضي شبه القارة الهندية حتى كانت الطائرة تحلق فوق جبال الهملايا ، وقممها مكسوة بالثلوج البيضاء، حيث تظل هكذا (كما علمت) طوال العام. وكانت الطائرة البوينغ 707 تميل بجناحيها يميناً ويساراً لنشاهد هذه المناظر التي هي من أجمل ما شاهدت في حياتي. توزع أعضاء الوفد على نوافذ الطائرة عندما أعلن أننا نمرّ فوق جبال الهملايا لمشاهدتها. الرؤية من كابينة الطائرة رائعة، بل مدهشة. وتفكرت في المعاني العظيمة للخلق، وفي الخالق العظيم الذي أبدع كل ذلك. وقد شاهدنا قمة إفرست، أعلى قمة على سطح الأرض، التي تغوي المتسلقين والمغامرين بتسلق الجبال، حيث ترتفع إلى 8488 متراً عن سطح البحر.
كنا في شوق لرؤية بلاد الصين، التي تُعَدّ من أعرق حضارات العالم وأقدمها، وخصوصاً رؤية سور الصين العظيم . ارتبط شعبنا في اليمن شمالاً وجنوباً بعلاقات صداقة عميقة بالشعب الصيني، كانت شواهدها ماثلة في العديد من المشاريع التي أقامها الصينيون في اليمن منذ عهد حكم بيت آل حميد الدين، وأهمها طريق الحديدة صنعاء في الشمال، وطريق عدن المكلا في الجنوب.

اطلب القرض ولو في الصين!

ويقول الرئيس ناصر :" ذكّرنا أحد أعضاء الوفد، ونحن نحلّق على ارتفاع 31 ألف قدم بالحديث المنسوب إلى الرسول () الذي قال فيه: �اطلبوا العلم ولو في الصين� قبل أربعة عشر قرناً حين كانت الصين أبعد ما تكون عن الجزيرة العربية، ولم تكن الطائرة التي قرّبت المسافات إلى هذا الحد، قد اختُرِعَت إلا بعد ذلك بقرون. وقد علّق الدكتور عبد الله بكير وزير الصحة وعضو الوفد بطريقته الساخرة كمعظم أبناء الوهط، قائلاً: �اطلب القرض ولو في الصين!�. وها هي بلاد الصين التي نشاهدها لأول مرة والتي قال عنها نابليون: �الصين مارد نائم فدعوه نائماً إنه إذا استيقظ هزّ العالم�. والصين اليوم قد استيقظت لبناء نفسها، وبدأت أولى خطواتها لتصبح مارداً يخشاه الجميع، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية التي ترى فيها منافساً خطيراً في زعامة العالم.
وواصل حديثه :" وبينما كنا نتحدث هبطت بنا الطائرة على أرض مطار بكين، ورأيت من فوق سلمها آلافاً من الصينيين الذين لا تستطيع أن تميز أو تلمس الفارق بين ملامحهم، يلوّحون بأعلام الصين الحمراء واليمن الديمقراطية، وهم يحيّون أصدقاءهم القادمين من جنوب الجزيرة العربية. كان في مقدمة مستقبلينا الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني (هوا كيوا فينغ) الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 58 عاماً، والذي انتخب في عام 1976م أميناً عاماً ورئيساً للوزراء، وهو من مواليد شنغهاي. تذكرت ما قاله لي السفير الصيني في عدن قبل سفري: �إن زعيمنا الجديد شاب، وسيواصل مسيرة الزعيم ماو لعشرين سنة قادمة�! ولست أدري لماذا حدد سنوات حكمه بهذه المدة! ربما لكونه شاباً... وإلى جانبه كان يقف نائب رئيس الدولة ليتشان ثيان الذي أصبح فيما بعد رئيساً للصين الشعبية. وكان بعض مستقبلينا يصفق أثناء استقبال القادة الصينيين لنا، والبعض الآخر يلوِّح بالأعلام بصورة جميلة ورائعة وسط أجواء ربيعية بديعة. وشاهدت على جانبي الطريق ونحن نتجه إلى قصر الضيافة، الزهور وهي تتفتح، والفلاحين وهم يزرعون ويجرون المحاريث على الثيران، والخيول، وأحياناً على ظهور البشر، وذكرني هذا المنظر بالفلاحين في دثينه، وتكررت رؤية هذا المشهد عندما ذهبت لزيارة سور الصين العظيم، ذلك الأثر والرمز الخالد الذي يدل على قوة الشعب الصيني وإرادته ودفاعه عن الأرض والوطن وحبه لهما.

آثار شعارات الثورة الكبرى

ويسترسل الرئيس ناصر قائلا:" في الطريق، كان أكثر جدران العاصمة لا يزال يحمل آثار الشعارات من بقايا الثورة الثقافية الكبرى (أو كما يسميها البعض الثورة الثقافية الفوضوية) التي بدأت عام 1966م والتي لم تهدأ إلا بعد عدة سنين، حيث انتهت بعد ذلك عام 1979 تأثيرات الثورة وزعيمها ماوتسي تونغ ونفوذها، بعد القضاء على (عصابة الأربعة) بقيادة زوجة الزعيم ماو (شيانغ شين) التي أُدخلت السجن بعد وفاة زوجها في أيلول/سبتمبر عام 1976م. ولم تشفع لها علاقتها بالزعيم ماو المسجّى والمحنّط في تابوته الذي تحول إلى مزار للصينيين يأتون لزيارته وتوديعه بوصفه قائد المسيرة الكبرى .
وقد عرفت من مرافقي كيف أن الثورة الثقافية كانت وبالاً على المجتمع الصيني، حيث ترك الملايين أعمالهم الإنتاجية، ومدارسهم جانباً، وانخرطوا في المسيرات والتظاهرات، ما أثر في الإنتاج وانعكس سلباً على حياتهم وحياة البلد. والأدهى من ذلك أن الطلاب والتلاميذ في الجامعات والمدارس هم الذين كانوا يقومون (بتثوير) أساتذتهم ومدرسيهم!!
وقد حدثني أحد المسؤولين الصينيين الذين التقيتهم، أنهم يشعرون بالمرارة عندما يروون أن المرأة الصينية، وهي التي تقوم بتربية �دودة القز� وتغزل خيوط الحرير، وتصنع منه ملابس جميلة، لا يمكنها أن تلبسه خارج بيتها، فذلك مظهر من مظاهر البرجوازية، ولذلك فإن النساء مثلهن مثل الرجال يلبسن الزي الأزرق الموحد!
المهم أن الزعيم الجديد �دينغ تسياو بينغ�، رئيس اللجنة العسكرية، أحكم قبضته على الجيش والحزب والشعب، وبدأ يطرح برنامجه حول ما سُمي العصرنة الأربعة لبناء الصين الجديدة والحديثة والمتطورة والموحدة، متجاوزاً كل السياسات والزعامات الأخرى في الصين، وصنع من بعضهم واجهات لسياساته، وهو قابع في مكتبه يحرك الأحداث والجموع التي تجاوز عددها مليار نسمة، وبهذه النهضة غزت الصين الأسواق العالمية.

الشوارع مكتظة في الصين

ويتابع الرئيس ناصر حديقه ويقول :" وأتذكر حين زيارتنا لها أن الشوارع كانت مكتظة بعشرات الآلاف من الدراجات الهوائية وبملابس موحدة، وهي تنتظر أمام الإشارات. أما اليوم فقد غزت سياراتها ومنتجاتها العالم كما أشرت آنفاً وأعلن الرئيس الصيني شي جي بينغ في كلمته بمناسبة العام الجديد 2018م قائلاً:
�إن الزمان يطير سريعاً، وها نحن نستقبل عام 2018 ومن زرع حصد، وبلغ إجمالي الناتج المحلي للصين 80 تريليون يوان، وأُوجِدَت 13 مليون فرصة عمل جديدة في المدن والبلدات، وتوسعت مظلة التأمين ضد الشيخوخة لتشمل أكثر من 900 مليون نسمة، فيما غطت مظلة التأمين الطبي الأساسي ملياراً و350 مليون نسمة، بالإضافة إلى أن 10 ملايين آخرين من الفقراء الريفيين تخلصوا من قيود الفقر. وفي مجال الإسكان، نُقل 3.4 ملايين من الفقراء، أُعيد توطينهم في أماكن جديدة تمتاز بظروف مناسبة، وإقامتهم في مساكن مريحة. كذلك بُدئ ببناء 6 ملايين شقة في إطار عملية تأهيل أحياء الصفيح، حيث تحقق الهدف قبل الموعد المحدد، وتحققت الانتصارات واحداً تلو الآخر في الابتكار العلمي والتكنولوجي والمشاريع الكبرى، إذ بدأ القمر الصناعي �هوي يان� يحلِّق في الفضاء، وحلّقت في السماء الزرقاء طائرة الركاب الكبرى سي 919، وابتُكر الحاسوب الكمِّي، وجرى الاختبار على زراعة الأرزّ بالمياه البحرية، ودُشِّنَت أول حاملة طائرات محلية الصنع، وأصبحت قطارات �فوشيغ� تجري على الأراضي الشاسعة للوطن، وفي عام 2018 ستستقبل الصين الذكرى الـ40 لسياسة الإصلاح والانفتاح والقضاء على الفقر في المناطق الريفية عام 2020�.
وهنا تذكرت مقولة نابليون عن الصين في أول زيارة لها عام 1978م: �الصين مارد نائم فدعوه نائماً إنه إذا استيقظ هزّ العالم�، وقد استيقظ الآن، ومع الأسف فإن اليمن تراجعت 40 سنة إلى الخلف بعد زيارتي للصين ودول عربية أخرى، كسورية وليبيا والسودان والصومال والعراق وغيرها، ومتى تستيقظ؟

العلاقة اليمنية الصينية

ويشرح الرئيس الرئيس علي ناصر حول العلاقات اليمنية الجنوبية والصين الشعبية وقال :" خلال المباحثات بين وفدي البلدين، تطرقنا بالإضافة إلى علاقات اليمن الديمقراطية بالصين الشعبية إلى الأوضاع في المنطقة العربية. كان رأي الجانب الصيني في هذه المسألة واضحاً ومحدداً، حيث قالوا إن الدول العربية اليوم جميعها تعيش معركتها الرئيسة مع إسرائيل، وليس هناك ما يمكن تسميته دولاً عربية (رجعية) وأخرى (تقدمية)، وإن هذه المصطلحات خرجت بها التحريفية السوفياتية. وفي زيارة سيف الضالعي وفيصل عبد اللطيف وعلي عنتر نصح نائب الرئيس بعدم استفزاز دول المنطقة بمثل هذه المصطلحات وردّ عليه علي عنتر بأننا سنحارب القوى الرجعية والإمبريالية في اليمن وخارجها، فنظر نحوه نائب الرئيس وقال: يبدو أنك أكثر ثورية منّا، وقال: عليكم أن تحذروا السلاطين الجدد.
خلال الإعداد للبيان المشترك حول الزيارة اختلفنا معهم، فقد كان الصينيون يغلّبون صراعهم مع الاتحاد السوفياتي، وذلك مما كان يؤثر في علاقاتهم ببلادنا وبالعديد من البلدان في العالم الثالث. وانطلاقاً من موقفي هذا، قلت للرفاق الصينيين: �دعونا نترك ما هو قائم من خلاف بينكم وبين الآخرين جانباً، ونهتم بتطوير علاقاتنا الثنائية. وللأمانة، فإن الصينيين كانوا مرنين ومتجاوبين جداً، وكان الاتفاق على كثير من الأمور التي كانت مثار البحث، وقدموا إلينا قرضاً بمبلغ 31 مليون يوان لتنفيذ مشروع طريق المكلا – سيحوت، وهو واحد من أهم الطرق في الجمهورية، ويُعَدّ استكمالاً لطريق امعين – المكلا الذي سبق أن نفذته الصين، وهو يربط أكبر عدد من محافظات البلاد، حتى أصبح شرياناً اقتصادياً مهماً.

حلم الرئيس ناصر!

ويقول الرئيس ناصر في حديثه :" بالقدر الذي حققت زيارتي هذه للصين الشعبية تعزيز أواصر العلاقة والصداقة بين حكومتَي البلدين والشعبين الصديقين، فقد حققت لي في الوقت نفسه أمنية وحلماً شخصياً طالما راودني، هو أن أرى سور الصين العظيم، ذلك الذي قرأت أنه إحدى عجائب الدنيا السبع، وإحدى العجائب القليلة الباقية، كأهرامات مصر. ولقد رأيته أخيراً، وعرفت لماذا استحق هذا الاسم الذي لا يجدر إلا بحضارة عريقة، وشعب عريق مثل الشعب الصيني العظيم.
المحطة الأخيرة، في زيارة الصين كانت مدينة شنغهاي، ثانية كبرى مدن الصين، وأهم مركز صناعي وتجاري فيها، والمدينة الأكثر ازدحاماً في الصين، وهي تضمّ العديد من الجامعات والمعاهد الفنية والتقنية، وهي مشهورة بصناعة الحرير، والمعروف عنها أنها كانت أحد المراكز العالمية للقمار والدعارة والمخدرات، وسكانها معروفون بأنهم طيبون وناعمون، ويقال إن الزوجة الثانية لزعيم الصين ماو تسي تونغ السيدة �شيانغ شين� من هذه المدينة، وكانت راقصة في إحدى الفرق الفنية فيها!

في بلاد العمّ هوشي منه والجنرال الأسطورة

ويضيف الرئيس ناصر بقوله:" بعد انتهاء زيارتي للصين، غادرت إلى فيتنام في أيار/مايو 1978م. كانت فيتنام في السنوات السابقة على كل لسان، وأعطت النموذج في كيف يستطيع شعب فقير أن يُلحق الهزيمة بأقوى وأعتى قوة في العالم. سمعت خلال تلك الزيارة قصصاً كثيرة ومثيرة عن العمليات الحربية التي قادها الثوار الفيتناميون في مواجهة القوات الأميركية لتحرير كامل التراب الفيتنامي وسقوط عاصمة الجنوب �سايغون�، حيث أجبروا الأميركان على الخروج والانسحاب بطريقة مذلّة لقيادتهم وجنودهم وحلفائهم في الجنوب الذين تخلوا عنهم، حتى إن بعض الجنود كانوا يحاولون التعلق بالطائرات العمودية هرباً من النار، وزحف الثوار على كل أحياء المدينة ومعسكراتها وقصورها ودور الضيافة فيها وعلى السفارة الأميركية بعد أن بلغت خسائر الأميركيين أكثر من خمسين ألف جندي ومئات الآلاف من الجرحى ، وقد روى لي أحد المسؤولين الفيتناميين: �أنه حين سقطت سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية عام 1975 بيد الثوار وانهزمت القوات الأميركية، هبطت إحدى المروحيات الأميركية لإجلاء بعض موظفيها من سايغون وحين امتلأت المروحية بالمسؤولين الأميركان حاول أحد الفيتناميين الصعود لكونه كان عميلاً للجيش الأميركي، فما كان من الدبلوماسي الأميركي إلا أن لكمه بقوة ومنعه من الصعود إلى المروحية قائلاً له: (لقد انتهت مهمتك)�.

الحرب التحريرية

ويتابع حديثه:" تلك الحرب التحريرية كان يقودها قادة عسكريون وسياسيون يحملون في قلوبهم مبادئ وقيماً، أهمها قضية تحرير كامل تراب الجنوب وتحقيق الوحدة الفيتنامية، وكان على رأسهم وفي مقدمتهم الجنرال فو نغوين جياب، المعروف باسم الجنرال جياب، وتحت إمرتهم كانت تنفذ القرارات والعمليات، فعندما يأمرون بالهدنة والحوار ووقف إطلاق النار مع القوات الأميركية، يتوقف المقاتلون، وعندما يأمرون بإطلاق النار ينفذونه دون هوادة أو مماطلة أو خوف من الموت بالعزيمة والإصرار وإرادة القتال التي لا تقهر.
كان الفيتناميون قد هزموا قبل ذلك الفرنسيين الذين سيطروا على فيتنام في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. واستمرت السيطرة الفرنسية على فيتنام حتى سنوات الحرب العالمية الثانية، حيث احتلتها اليابان. وبعد هزيمة اليابان عام 1945م، حاولت فرنسا استعادة سيطرتها مرة أخرى، ولكن �الفِيْتْ منَّه�، وهي منظمة سيطر عليها الشيوعيون بزعامة هوشي مِنَّه تسلمت مقاليد السلطة في الجزء الشمالي من فيتنام، ونشب قتال عنيف بينهم وبين الفرنسيين عام 1946م، وانتهت المعارك بهزيمة فرنسا عام 1954م في معركة ديان بيان فو . وانعقد مؤتمر سلام دولي بعد ذلك لإيجاد تسوية سلمية للنزاع بين الطرفين، وقرر المؤتمر الذي عقد في جنيف، في عاصمة سويسرا �برن� تقسيم فيتنام الشمالية إلى قطاعين موقتاً. سيطر الشيوعيون على القطاع الشمالي الذي سُمي فيتنام الشمالية، بينما تسلّم الفيتناميون غير الشيوعيين القطاع الجنوبي الذي أُطلق عليه اسم فيتنام الجنوبية. وفي عام 1957م قاد أعضاء �الفِيْتْ منَّه� في فيتنام الجنوبية تمرداً ضد حكومتهم، ثم تلقوا دعماً واضحـاً وعلنيـاً من فيتـنام الشماليـة اعتباراً من عام 1959م.


هدف الشوعيين!

ويسترسل الرئيس ناصر قائلا:" كان هدف الشيوعيين توحيد البلاد تحت قيادتهم وتطور القتال الدائر في ذلك البلد إلى ما عرف بحرب فيتنام. تلقى الشيوعيون دعماً متواصلاً من الصين والاتحاد السوفياتي السابق وغيرهما من بلدان المعسكر الاشتراكي فيما ساندت الدول غير الشيوعية جمهورية فيتنام الجنوبية. وقد أصبحت الولايات المتحدة الحليف الرئيس لفيتنام الجنوبية، حيث دعمت حكومتها بالمؤن والمعدات العسكرية وبمئات الآلاف من القوات العسكرية. وفي عام 1973م، اتفق أطراف النزاع على وقف إطلاق النار، ومن ثَمَّ سحبت الولايات المتحدة آخر دفعة من قواتها من فيتنام. ولكن سرعان ما استأنف الشيوعيون عملياتهم الحربية. وفي نيسان/أبريل 1975م، انتصر الشيوعيون وسيطروا عليها بنحو كامل. وفي عام 1976م، تم توحيد القسم الشمالي والقسم الجنوبي لفيتنام لتصبح دولة واحدة هي فيتنام، فخرج الغزاة الأجانب من أرض فيتنام صاغرين ليستعيد الشعب الفيتنامي حريته ووحدته. وكانت أسماء مثل �هو شي منه� ، والجنرال الأسطورة �جياب�، و�سايغون� و�الفيتكونغ� تملأ أسماع الدنيا في تلك الأيام، فغدت فيتنام رمزاً عظيماً لكفاح الشعوب من أجل حريتها واستقلالها كما كان الحال في ثورة الجزائر.

التجربة الفيتنامية

وواصل الرئيس ناصر قائلا:" خلال الزيارة أتيحت لي فرصة الاطلاع على بعض جوانب التجربة الفيتنامية والظروف التي مرت بها، ونضال الشعب الفيتنامي ضد الغزو والاحتلال الأميركي لجنوب فيتنام، ونضاله في سبيل توحيد العملة. وصادف يوم وصولنا تغيير العملة الفيتنامية وتوحيدها. لن أنسى تلك الزيارة، فمنذ هبوط الطائرة بنا خارج هانوي شاهدت مطاراً يفتقد عناصر المطارات الدولية ومكوناتها بسبب الفقر والحرب، واستقبلنا في دار الرئاسة التي كانت مخصصة للاجتماعات كافة. فاللقاء مع رئيس الوزراء في اليوم الأول كان فيها، وفي اليوم الثاني نُظِّم لنا لقاء مع رئيس الدولة في المبنى نفسه، وأقيمت حفلة العشاء في المبنى نفسه، وجرت المباحثات في المبنى نفسه أيضاً، وما كان يتغير ويتبدل، طاولات الاجتماعات في النهار، وطاولات الحفلات والمآدب في المساء التي أقيمت لنا أثناء زيارتنا لهذا البلد المكافح. لا أنسى السرير الذي نمت عليه في قصر الضيافة الذي صُمِّم وفقاً لمقاسات الفيتناميين القصيرة التي لا تتناسب مع طولنا، فهم لم يكونوا يهتمون بالمظاهر والتفاصيل آنذاك، ولكنهم كانوا يهتمون ويحتفون بضيوفهم في هذا البلد الذي خرج تواً من الحرب التي أتت على الأخضر واليابس، وكانوا يستعدون لإعمار فيتنام الجديدة الحرة. وقد شاهدت أثناء زيارتي لمدينة سايغون عاصمة الجنوب (مدينة هو شي منه) التطور العمراني في هذه المدينة التي حاول الأميركيون أن يجعلوا منها مدينة عصرية جميلة على الطراز الأوروبي حتى تكسب الرهان عند المقارنة بين العاصمتين في الشمال والجنوب.

الرئيس ناصر في فيتنام

واوضح الرئيس ناصر في حديثه حول زيارته إلى فيتنام وقال :" أثناء الزيارة حدثني رئيس الوزراء الفيتنامي فان فان دنغ عن الدور الخطير الذي قام به وزير الدفاع الأميركي الجنرال مكنمارا بين عامي 1961- 1968، وهو من أهم مهندسي حرب فيتنام. قال إن الجنود الأميركيين كانوا يصفون قتالهم للميليشيات الفيتنامية في حقول الأرز في دلتا نهر الميكونغ وفي الأدغال في هضاب وسط فيتنام بأنها حرب مكنمارا، وقد أنهت الحرب الرئيس جونسون خارج البيت الأبيض وقضت على مكنمارا، وأدت إلى النصر في منتصف السبعينيات على الولايات المتحدة التي كانت تعتقد أنها لا تُقهَر. وقال إن خط مكنمارا الذي كلف مليار دولار قد سقط ولم يمنع اختراق المناضلين والإمدادات له، إذ كان الأميركان يعتقدون أن القصف اللامحدود سيجبر الزعيم هوشي منه على إيقاف الحرب لإنقاذ فيتنام من الإبادة، وتذكر مقولة الجنرال الأميركي لوماي وعبارته الشهيرة، أنه يجب قصف فيتنام الشمالية حتى تعود إلى العصر الحجري.
كان مكنمارا يردد أن وجود القوات الأميركية في فيتنام هو لمحاربة الشيوعية والشيوعيين ومنع انتشار الأفكار الشيوعية خارج الهند الصينية، وشبَّه رئيس الوزراء الفيتنامي وجود القوات الأميركية في هذه المنطقة بالحزام الواقي وخط الدفاع الأول عن أصدقاء الولايات المتحدة الأميركية، ولكن هذا الخط انهار كما انهار قبله خط مكنمارا بانسحاب القوات الأميركية من فيتنام.
وقال إن مكنمارا وقادته قللوا من قوة المشاعر القومية المعادية للولايات المتحدة الأميركية، فالقصف لم يؤدِّ إلا إلى التصعيد المضاد في الحرب، وهو ما أدى في النهاية إلى انهزام أميركا.
وقال رئيس الوزراء فان فان دنغ إن الأميركيين لا يحبون الحروب الطويلة غير المحسومة النتيجة، وحربنا كانت طويلة غير محسوبة النتيجة، فلم يتصوروا أن قادتهم سيهربون من سايغون ويتركون خلفهم جنودهم يتعلقون بالطائرات العمودية، بينما عملاؤهم في الجنوب يشعرون بالهزيمة والخزي والعار، كما أشرنا آنفاً.

التضامن مع الشعب الصديق

واضاف الرئيس ناصر قائلا:" كانت الزيارة لفيتنام، تضامناً مع شعب صديق، شعب مناضل في سبيل الحرية والانعتاق من الاستعمار، إذ نالت فيتنام تضامناً عالمياً لم تحظ به أي ثورة أو حركة في التاريخ المعاصر، وقد تعلّم الثوار في عدن من تجربة الثورة الفيتنامية التي كان ثوارها يناضلون من أجل التحرير والوحدة الفيتنامية.
بعد هذه الزيارة قام القائد الفيتنامي الأسطوري الجنرال جياب بزيارة تاريخية لعدن عام 1983م لحضور الاحتفالات بأعياد الثورة، وبمناسبة زيارته ومشاركته في الاحتفالات مُنِحَ أعلى وسام في اليمن الديمقراطية (وسام ثورة 14 أكتوبر) تقديراً لدوره البطولي في نضال الشعب الفيتنامي البطل، وفي تعزيز الصداقة بين اليمن الديمقراطية وفيتنام. وكانت زيارته لعدن تندرج في إطار تعزيز علاقات البلدين والشعبين الصديقين، وتواصلاً مع الزيارة التي قمت بها لفيتنام في عام 1978م.
وبعد مئة عام وعامين توفي الجنرال الأسطورة في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2013، فلم يخطر في بال المزارع الفيتنامي أن ابنه الذي طرد في طفولته من مدرسة الليسيه الفرنسية في هانوي، سيتحول إلى بطل استقلال لبلاده وملهماً لحركات التحرر في العالم.

حاكم الشارقة

ويقول الرئيس ناصر في حديثه :" هذه خلاصة للعلاقات بين اليمن الديمقراطي وبلدان المنظومة الاشتراكية التي انهارت مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وبهذا الانهيار حدث خلل في التوازن الدولي بعد الحرب الباردة بين المعسكرين، واختفت عن الخريطة دول مثل تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا، وظهرت دول أخرى كأوكرانيا وغيرها من الدول التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي. ويعود السبب في ذلك إلى غياب الديمقراطية ولأسباب اقتصادية، بدرجة رئيسة، إضافة إلى القيادة الفاشلة للرئيس غورباتشوف، الذي كان مبهوراً بالمظاهر البراقة للغرب والحديث عن البروسترويكا والجلاسنوست، حيث لم يتحقق من ذلك إلا انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية.

العالم خارج نطاق التغطية

ويتابع حديثه وقال :" العالم اليوم يسخن ويخرج عن نطاق السيطرة في هذا الزمن المتفلت من عقاله، فمن كان يصدق أحياناً أن الإنسان اليوم يشتاق إلى عالم المعسكرين الذي كان سائداً قبل سقوط الأسوار بين الشرق والغرب؟ صحيح أن مصير الإنسانية كان قائماً على كبح توازن الرعب، وما إن زال خطر الحرب الباردة، حتى زال معها هذا التوازن، وأصبحت الولايات المتحدة الأميركية تتحكم وحدها بمصير العالم دون كابح أو رادع من قبل ما تُسمى الدول العظمى في مجلس الأمن. ولعل أصدق تعبير عن ذلك ما قاله الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو مجلس الاتحاد، حاكم الشارقة، للرئيس السابق ميخائيل غورباتشوف أثناء لقائه بحضورنا في الشارقة في كانون الأول/ديسمبر من عام 1994م: �لقد قمتم بتدمير الاتحاد السوفياتي... وخدمتم أعداءكم وأخللتم بالتوازن الدولي، وتدفعون حالياً ثمن ذلك ومعكم الشعوب الصغيرة. لقد ارتكبتم حماقة كبيرة، إنكم كمن وضع نفسه في زنزانة ورمى مفتاحها في البحر، فلا هو حمى نفسه ولا يمتلك سبيلاً للخروج من مأزقه�.

(للحديث بقية)