آخر تحديث :الإثنين-22 أبريل 2024-02:18ص

أدب وثقافة


الممر ( قصة قصيرة )

الإثنين - 19 فبراير 2024 - 10:07 ص بتوقيت عدن

الممر ( قصة قصيرة )

بقلم / عصام مريسي



بجسده النحيل المرتجف من شدة ضعفه و ساقيه الدقيقتان يجرجر قدميه وعلى جانبيه حارسان تارة يتكئ على من هو في يمينه حتى يدفعه بعيدا عن كتفه فيتكىء على من هو في يساره حتى يدفعه هو الاخر بعيدا عنه وهكذا يستمر في الإتكاء بين ميسرته وميمنته و حفيف قدميه يقطع حاجز الصمت ويهز سكونه ويملأ المكان ضوضاء وهو يجر قدميه على أرضية الممر الطويل الذي إعتاد السير فيه كلما اقبلا عليه الحارسان اللذان خلال كل هذه الفترة اعتاد أن براهما متجهمين وكأنهما يدفعان دفعا لهذه المهمة :
هيا انهض ؛ المحقق يريد استجوابك
يرفع رأسه ويرسل النظر اليهما وهو يقول في نفسه:
وكأن السجن لا يوجد فيه غير هذين الحارسين المتجهمين و لايستطيع التمييز بينهما إلا بأن أحدهم يضع على عينيه نظارة سوداء ربما تخفي حول في عينيه.
مازال الممر طويل لقد اصبح يميزه ويعرف تفاصيله فقد تكررت رحلته خلال الممر المظلم غير بعض مصابيح الإنارة ذات الإضاءة الخافتة تتناثر على زوايا متباعدة خلال الممر حتى وقف في أحد جوانب الممر والتفت اليه الحارسان وبصوت مشترك. وفي وقت واحد:
لماذا توقفت .. هيا تابع السير أيها السجين الكسول.
يرفع راسه نحو سقف الممر وبصوت مرتعش يسأل ساخرا:
لماذا لم تصلحا الإنارة في هذه الزاوية قبل استدعائي لرحلة الممر الطويل.
يحدق الحارسان نحوه بغضب وازدراء فيرتفع صوت أحدهما:
هيا كفاك ثرثرة تقدم وتابع السير.
ويكتفي الاخر بجذبه ودفعه لمتابعة السير حتى يكمل رحلة الممر اليومية التي اعتاد قطعها بين زنزانة احتجازه وغرفة التحقيق وكلما تقدم سمع أصوات من داخل غرف الاحتجاز المتناثرة على جدران الممر:
رحلة موفقة
ومن زنزانة أخرى:
ربما تكون هذه الرحلة رحلتك الاخيرة
مرة اخرى يقف في اخر منعطف في الممر المظلم إلا في بعض زواياه ؛لم يسمع تعليق من نازل هذه الزنزانة كلما اقترب من نافذتها وهو يسأل:
أين نزيل هذه الزنزانة.
لكنه لم يتلقى جوابا من الحارسين فيرفع صوته :
ايها القاطن هنا لم لا تتكلم .هل اكل القط لسانك
الصمت سيد المكان حتى ينبعث صدى من اخر الممر المظلم البارد:
لقد مات النزيل بنوبة قلبية
يعاود النظر نحو نافذة الزنزانة يحاول الاقتراب لكن الحارسان يدفعاه ويرغماه على متابعة السير حتى نهاية الممر . الحارس الواقف على بوابة غرفة التحقيق وبطريقة الية يفتح البوابة ويمد يده ليسحب النزيل ويدفعه للدخول من غير أن يتفوه بكلمة ؛ يتابع السير يغلق الحارس البوابة وبنفس المشهد الدرامي يقف المحقق نحو أحد جدران غرفة التحقيق فلا يرى النزيل ألا ظهره وهو يأمره بالجلوس:
اجلس
يتاخر النزيل ويسحب الكرسي الخشبي المهتريء فيجلس حتى يرتفع صوت المحقق:
لقد ثبتت براءتك 'يمكنك استلام تصريح الخروج ومغادرة السجن
ينهض من مكانه مستندا على طاولة خشبية يرفع بصره عله يرى شيء في الغرفة المظلمة فلم يرى شيء منذ ان اقتيد للزنزانة قبل اكثر من عام ' يقترب منه المحقق حتى يضع نظره على جانب من وجه المحقق يتعرف عليه لم تخنه الذاكرة أنه الرجل الذي ضبطه يسرق الذخيرة والسلاح ويبيعها للاعداء في الجبهة وترجاه أن لا يكشف أمره على ان لا يعيد فعلته مرة أخرى:
أرجوك لا تكشف أمري ولا تبلغ عني القيادة
يجيبه ويطلب من الوعد بعدم التكرار،:
بشرط ان تتوب تقلع عن هذا الفعل الذي يعد خيانة لرفاق الجهاد فمثل هذه التصرفات تجعل النصر بعيد
وهو يحاول ابتلاع ريقه ويبدي اسفه يجيب:
لن اكرر.. لن اكرر
ينهض واقفا على قدميه ويرفع بصره ويرسله سهام نحو ناظريه وهو يقول:
أنت. من
يقطع كلامه وهو يزمجر بالفاظ تنم عن شتم النزيل بعبارات غير واضحة:
اسكت فامرك اليوم بيدي
يفرقع ضحكات هستيرية ويضرب بكلتا يديه الطاولة حتى تتناثر الاوراق التي كانت موضوعة عليها وتسقط الارض . فيصرخ انحني واجمع ملف التحقيق
يتجه النزيل نحو الباب يدق ويطلب من الحارس أن يفتح الباب.
يصرخ المحقق:
قف أنا اليوم صاحب الامر والنهي
بطلب النزيل من الحارس أن يعيده الزنزانة فيقتاده و يدفعه نحو الحارسين فيمسك به احدهما عن يمينه والاخر عن شماله ويسلكان به الممر نحو زنزانته والمحقق يغتاظ حنقا وغيظا وهو يضع كف على كف ويتمتم بعبارات الغضب والتوعد
لن ترى النور مجددا أنا اليوم من يملك القرار
تلاشى الحارسان والنزيل في دهاليز الممر فلا يسمع إلا صوت أحذية الحراس تصدر قرقعة تهز سكون الممر وحفيف قدمي النزيل السجين وهو يجرجرهما على أرضية الممر في طريق العودة نحو زنزانته .

عصام مريسي