آخر تحديث :الجمعة-23 فبراير 2024-03:29ص

ملفات وتحقيقات


تقرير: 11 فبراير.. هل تحول الربيع اليمني إلى خريف موحش؟

الإثنين - 12 فبراير 2024 - 08:40 ص بتوقيت عدن

تقرير: 11 فبراير.. هل تحول الربيع اليمني إلى خريف موحش؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول مصير ثورة 11 فبراير 2011 ويضعها في ميزان المقارنة وما حققته اليوم سياسيا واقتصاديا..

"فبراير".. هل كانت ثورة بالفعل أم أنها مجرد انقلاب ضد الدولة؟

هل أُجهضت ثورة فبراير أم سُرقت.. أم انحرفت بوصلتها؟

من تسبب بضياع أحلام الثوار.. وأين قادة ثورة فبراير وزعمائها؟

ما مساوئ ثورة فبراير.. وهل لها إيجابيات يمكن البناء عليها؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

"منتحر من يقوم بنصف ثورة".. مقولة تتردد تاريخيا وسياسيا كلما جاء الحديث عن الثورات التي لم تكتمل، والتي وضعت مفجريها ومتزعميها في وجه مدافع المنتقمين والمتضررين من الثورة، وهذا ينطبق كثيرا على وضع ثورة 11 فبراير/ شباط عام 2011 في اليمن، الثورة المثيرة للكثير من الجدل والانتقاد؛ لسبب بسيط، هو أنها لم تكتمل ولم تحقق أهدافها التي قامت من أجلها، وهذا في نظر عالم السياسة "انتحار".

فالقيام بالثورات لا بد أن يسبقه تمهيد مجتمعي وشعبي، يكون بمثابة الرافعة التي تؤدي إلى تغيير حقيقي للنظام السياسي، وما يتعلق به من أنظمة اقتصادية واجتماعية وثقافية، تتغير تلقائيا بتغير النظام السياسي، وهذا هو محور الثورات، التغيير في كل مجالات الحياة فكريا ومعيشيا وثقافيا، غير أن ما حدث في اليمن من ثورة في بداية عام 2011، لن تسبقه أية إرهاصات تشير إلى أن التغيير قادم.

صحيح أن المجتمع حينها كان يغلي من فساد النظام السياسي، وعدم التوزيع العادل للثورة والسلطة، ووجود مناطق تنادي بالعدالة على ما وقع بها من ظلم، دفعها للمطالبة بالانفصال، غير أن الشعب نفسه - برأي مفكرين- لم يكن بعد على درجة مناسبة من الوعي- لتحقيق وتفجير ثورة يحافظ عليها هو بنفسه، ويمنعها من السقوط في براثن المستغلين والانتهازيين، وهذا ما حدث بالفعل لثورة 11 فبراير 2011، وجعلها تبدو وكأنها "ثورة ناقصة".

لا يختلف اثنان على أن الشعب هو من تحرك أولا، وخرج إلى الساحات مناديا برحيل النظام وإسقاطه؛ نتيجة ظروفه المعيشية التي كان يراها سيئة، وهي كانت كذلك بالفعل؛ غير أن قلة الوعي الشعبي والمجتمعي ساق هذا الشعب لتسليم تحركه وثورته وجهوده، وحتى هتافاته وشعاراته إلى أيدي الأحزاب والسياسيين، فكانت النتيجة أن تتحول تضحيات الشعب إلى المساومة السياسية وتغليب مصلحة الأحزاب على مصالح الشعب والناس، الذين خرج غالبيتهم من أجل تحسين أحوالهم المعيشية، وحلموا بيمن جديد، غير أنهم فوجئوا بحال سيئ وبيمن أسوأ من ذي قبل، أسوأ من اليمن القديم.

هذا المآل هو ما جعل من الجدل الحاصل اليوم حول ثورة فبراير، سواءً على منصات التواصل الاجتماعي أو في وسائل الإعلام التقليدية، يتصاعد بوتيرة عالية حتى تحول إلى اتهام الثوار وكل من خرجوا إلى الساحات بأنهم هم من تسبب بوصول اليمن إلى الحال الذي وصلت إليه اليوم، من التردي الحاصل في كل أنحاء البلاد، وهو انهيار طال كل المجالات الخدمية والمعيشية، وجعل الناس يكفرون بالثورة وبأحلامهم التي رسموها لمستقبلهم.

صدمة كهذه، كنتيجة حتمية للفارق بين الأحلام والواقع، كان يجب أن يهيئ المجتمع لمحاكمة ثورة 11 فبراير وثوارها، بعد أن نجح كثيرون في تحويلها إلى عامل أساسي وسبب جوهري لوصول اليمن إلى حالتها التي تعيشها اليوم، وانهيار الدولة ومؤسساتها، وما يتهدد الجمهورية من سقوط واضمحلال وعودة الملكية والإمامة عبر بوابة نظام "ولاية الفقيه الحوثي"، وها هي اليوم ثورة فبراير تساق إلى ساحات المقصلة، بعد أن كانت تقود الناس إلى ساحات الحرية والتغيير، وباتت تضع أقدامها على ميزان المقارنة بين وضعين وحالين.

> ثورة أم انقلاب؟

يرى مفجرو ثورة فبراير ومناصروها، والمتضررون من النظام السياسي السابق، أنها كانت ثورة شعبية عفوية بالفعل، تلاقت مطالبها ورؤاها مع كفاحات الشعوب العربية في كل مكان من العالم العربي، وتواصلت للنضالات التي عاشتها في مواجهة استبداد أنظمة لم تتنازل عن عروشها طيلة ثلاثة أو أربعة عقود، لم توفر فيها أدنى مقومات ما يحتاجه الشعب، بحسب الثوار الفبرايريين، الذين يرون امتداد الشعور العروبي من المحيط إلى الخليج، وواحدية المصير بين الشعوب العربية.

ولهذا ينظر هؤلاء إلى ما حدث في فبراير/ شباط 2011 على أنه ثورة حقيقية ضد عقود طويلة من الحرمان والاستبداد عامها الشعب العربي في اليمن وتنس ومصر وليبيا وسوريا، وغيرها من بلدان المنطقة، وكان لا بد من تحرك شعبي حدث بالفعل بطريقة عفوية وتلقائية ما كان ليحدث لولا ذلك الشعور الجماعي للأمة بالاضطهاد من الأنظمة السياسية العربية، أو هكذا يعتقد مناصرة فبراير.

لكن على الضفة المقابلة، يرى خصوم فبراير أنها لم تكن سوى انقلاب على الأنظمة والدول العربية بمفهومها المدني والسياسي للدولة الراعية لشئون رعيتها، والمحافظة على أمنهم واستقرارهم ومعيشتهم وتعتني بأمورهم، حتى وإن كانا في حدها الأدنى، إلا أن الدولة كانت حاضرة وإن كانت ظالمة، على العكس تماما من اليوم، الذي تغيب فيه الدولة في ظل مظالم متفشية وحقوق مستباحة ساهمت في تواجدها غياب الدولة التي أنهتها ثورة فبراير في اليمن، ومثيلاتها من الثورات في الأقطار العربية.

هذه الجدلية هي من أدت إلى كل هذا النزاع بين الثوار ومناصري فبراير في اليمن، وبين معارضي الثورة والتي يسمونها انقلابا، والناقمين على ما وصلت إليه البلاد من وضع مأساوي ومعيشي كارثي تسببت به الأزمات المتلاحقة التي تلت مرحلة ما بعد فبراير/ شباط 2011، وما أعقبها من حرب ضروس يدفع اليمنيون ثمنها غاليا من حياتهم وصحتهم وخدماتهم ومعيشتهم التي لم تجد عافية منذ ذاك الحين.

لكن الحالمين بيمن مغاير ومختلف عما كان قبل فبراير 2011، يرون أن كل ذلك كان من افتراء على الثورة، التي كانت طاهرة ونقية للغاية لدرجة أنها تسامحت مع الجميع بمن فيهم أعداءها، ومنحتهم -من غير ما تدري- فرصة الانتقام منها، واتهام ثوارها وزعماءها بأنهم لم يقوموا سوى بـ "نصف ثورة"، حتى ذهب البعض للإشارة بأن ثورة فبراير سُرقت من قبل بعض الأحزاب التي ركبت موجتها واستغلتها لمصالحها السياسية للوصول إلى السلطة، تمام كما هي الاتهامات بحق حزب الإصلاح والإخوان المسلمين.

> إجهاض أم انحراف؟

كان الشعب -وبعفوية- هو أول من انتشر في الساحات خلال فبراير عام 2011، شمالا وجنوبا، ولكنه تفاجأ في فترات متأخرة من الثورة بصعود نجم أحد الأحزاب التي اعتلت منصات الساحات وبدأت توجه خطاب الثورة نحو مصالح ضيقة، عندها فقط استشعر الشعب أن ثورتهم تسرق.

غير أن ثمة من يعتقد بأن ثورة فبراير حتى وإن لم تكن قد سرقت، فإنه تم إجهاضها بقصد، من خلال دعم جهات وأطراف يمنية للاستيلاء على السلطة التي أنتجتها الثورة، والسيطرة على البلاد بغرض إنهاء ما حققته ثورة فبراير من نجاحات وتصويرها بأنها هي من جاءت بالويلات والثبور، وهو ما تم تنفيذه وفق مخططات محددة، وفق وجهة نظر الثوار ومؤيدي الثورة.

لكن هناك أيضا من يتحدث عن تحميل الثوار أنفسهم وزعماء فبراير وقياداته مسئولية حرف بوصلة الثورة، من خلال سعيهم الحثيث نحو تقلد المناصب السياسية والقيادية العليا في الدولة، والاكتفاء بالاسترزاق الشخصي من الثورة، وهو ما وصفه كثيرون بأنه انحراف حقيقي عن أهداف ثورة فبراير.

كما أن بعض أولئك ممن تزعموا ثورة فبراير، إن لم يكن كلهم، تركوا عامة الشعب الجائع بلا مستقبل يغير من واقعه، وتركوه يواجه مصيره، وتخلوا عن الثورة ومبادئها التي طالما نادوا بها وبأحلامها من على منصات الساحات، وفروا خارج البلاد مع أول تحدٍ حقيقي تواجهه الثورة على الأرض.

لذا، يرى مراقبون أن هؤلاء الثوار المتزعمين الذين تسببوا بحرف بوصلة الثورة، هم المتسببون بضياع أحلام الثورة لدى البسطاء من عامة الناس، وجعلوا الثورة مجرد ثورة غير مكتملة وناقصة، بعظ أن حققوا هم فقط أحلامهم الخاصة والشخصية وذويهم، بينما عامة الشعب ما زال يرزح تحت معاناته التي لم يتخلص منها، رغم أنه خرج في فبراير وهو يحلم بالتغيير وبيمن جديد لم يتحقق بعد.

> مساوئ وإيجابيات

لأي حدث مؤثر جوانب مظلمة وأخرى مضيئة، وثورة فبراير 2011 من هذه الأحداث المؤثرة في حياة الناس، والتي قلبت حال البلاد رأسا على عقب، ومن الطبيعي أن يكون لها مساوئ وفي نفس الوقت إيجابيات.

ولعل ما يمكن أن يحسب لثورة فبراير أنها سمحت لليمنيين بأن يجتمعوا بجدية للنقاش وبحث مستقبل بلادهم، لأول مرة منذ عقود طويلة، وذلك من خلال مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي مثل نقطة مضيئة في حياة اليمنيين، ومنحهم رؤية جديدة لشكل دولة يمنية مبتكرة وحاضنة للجميع بعيدا عن النظام المركزي المهترئ، حيث باتت الدولة الاتحادية والفيدرالية حديث الجميع وخيار ارتضاه حتى المطالبين بالانفصال اليوم.

كما أن الجميع متفق أن أسوأ مساوئ فبراير أنها جلبت كارثة القرون ومصيبة العصور، المتمثلة في مليشيات الحوثي الإرهابية التي استغلت تفكك الدولة وقواها السياسية لتستولي على الدولة وتنقلب عليها، وتعيد اليمن آلاف السنين إلى الوراء، في محاولة لاستعادة نظام الأئمة الكهنوتي البائد.

وبين هذا وذاك، وما بين المساوئ والإيجابيات، وبين الجدل الذي أحدثته فبراير حتى بات أشبه بتاجدل البيزنطي ستبقى هذه الثورة محل نقاش كبير بين اليمنيين لعقود قادمة، هل كانت بالفعل ثورة شبابية حقيقية طاهرة بريئة، أم انقلاب أنهى الدولة وتسبب بإرجاع اليمن إلى عصر ما قبل الدولة؟