آخر تحديث :الثلاثاء-18 يونيو 2024-09:49ص

ملفات وتحقيقات


تحليل: التدهور الاقتصادي المرعب.. إلى أين يمضي؟

الأربعاء - 07 فبراير 2024 - 06:58 ص بتوقيت عدن

تحليل: التدهور الاقتصادي المرعب.. إلى أين يمضي؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل يقدم صورة عن أوضاع الناس الخدمية والمعيشية في المناطق المحررة..

هل بات الناس يقفون على حافة الهاوية فعليا.. ومن المسئول عن هذه الحالة؟

كيف تحولت المناطق المحررة إلى مناطق أشد سوءا من مناطق الحوثي؟

هل يمكن للحكومة الجديدة أن تعمل على معالجة الأوضاع المعيشية المتدهورة.. وهل هي قادرة بالفعل؟

لماذا يستمر العالم بمشاهدة اليمنيين وهم يواجهون المجاعة دون حراك؟

ما الحلول والمعالجات لمواجهة هذا التدهور المعيشي والاقتصادي؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

بلغت الحالة المعيشية لليمنيين حدا من التدهور الذي لا يمكن السكوت عنه، فالمأساة ضربت الجميع ولم تستثنِ حتى أولئك الذين ظنوا لوهلة أنهم بعيدون عنها، أو بمنأى عن تداعياتها، حتى باتت الأزمة الاقتصادية كالغول الذي يلتهم الكل، وسط صمت مريب من قبل الجهات المسئولة والحكومية عن إدارة شئون اليمنيين، في مختلف مناطق البلاد.

وما زاد الوضع سوءا، والطين بلة، أن التدهور المعيشي الضارب بأطنابه في كل تفاصيل الحياة، يواكبه انعدام كامل للخدمات العامة والأساسية، فلا كهرباء ولا مياه، بالتزامن مع توقف وتأخر صرف المرتبات وتدهور سعر العملة المحلية، لتتكالب المصائب على المواطن اليمني، الذي صار يواجه كل تلك الأعباء ويصبر عليها في انتظار تدخل لا يأتي ولا يبدو أنه سيأتي من قبل المعنيين والأطراف المسئولة.

بل إن خبراء اقتصاديين يتوقعون أن تمضي الأوضاع نحو تدهور أوسع وأكبر، في ظل غياب التدخلات الحكومية، وانعدام حس المسئولية محليا، بالإضافة إلى تطورات سياسية وعسكرية تحيط بالبلاد، ذات أبعاد إقليمية ودولية، وخطورة تبعاتها تبدو أكثر مأساوية من كل ما سبق، خاصة فيما يتعلق بالأمن الغذائي لليمن، في ظل توقف مرور حركة الملاحة والتجارة الدولية في البحار اليمنية؛ نتيجة هجمات الحوثيين والتوتر في البحر الأحمر.

ومن المنطقي جدا أن تؤدي الأحداث الجارية مؤخرا في المياه الإقليمية اليمن إلى تأثير إضافي على الحالة المعيشية للبلاد، باليمن ما زالت تعتمد على المساعدات الخارجية بدرجة كبيرة، كما أن كل التموين الغذائي يأتي من الخارج عبر البحر، وعليه؛ فإن الموضع الاقتصادي مرشح إلى أن يكون أكثر تعقيدا، مع غياب الحلول الناجعة لإيجاد البدائل أو المعالجات التي يستشعر من خلالها المواطن أن جهة تتحرك من أجله.

غير أن الواقع يؤكد للأسف، ألا أحد من الساسة أو أطراف الصراع المحلية تفكر في شئون الناس والمواطنين، فجميع القوى والمكونات السياسية تفكر حاليا في مرحلة ما بعد التسوية السياسية المرتقبة، والتي أجلتها الهجمات الحوثية والتوتر العسكري في البحر الأحمر، ولا هَمّ لها سوى المستقبل السياسي للشخصيات والأحزاب، بينما يغرق المواطنون في بحور من الجوع والكوارث المعيشية، دون أن يبادر أحد إلى إنقاذهم.

وكل هذه التنبؤات الخطيرة واقعية ولا مبالغة فيها، ويمكن أن تتفاقم الأوضاع بشكل مؤلم، خاصة أن الوضع الذي وصل إليه الملف الاقتصادي والمعيشي لا يحظى بأي اهتمام من الحكومة والمكونات السياسية المنضوية تحت قوامها، وهي مسئولية مشتركة تجمع بين فرقاء العمل السياسي دون استثناء، تجاه ما وصل إليه المواطنون من حالات موت سريري، جعلت غالبيتهم يتخلى عن وجبات رئيسية.

> من سيئ إلى أسوأ

بات الناس في كل اليمن يعيشون على شفا الهاوية المعيشية، وسواء كان المسئولون عما وصل إليه المواطنون هم الحوثيون أو الحكومة الشرعية أو المجلس الانتقالي أو التكالب الدولي أو غيرهم، لكم المعاناة واحدة في كل أنحاء اليمن، شماله وجنوبه، شرقه وغربه، ولا تختلف أية منطقة عما سواها، غير أن ثمة مناطق في المحافظات المحررة أصبحت أسوأ من غيرها.

فقبل سنوات، كانت مناطق سيطرة الحوثيين تعيش بلا مرتبات، وتحت رحمة الإتاوات والجبايات والانتهاكات في كل مختلف مجالات الحياة، وكان يضرب بها المثل في التدهور الحياتي والكوارث الإنسانية والمعيشية، لكن خلال الشهور الأخيرة تحولت مناطق سيطرة الحكومة الشرعية إلى كابوس على المواطنين، بعد استقرار أوضاعها المعيشية نسبيا باتت اليوم أسوأ من غيرها، حتى من مناطق سيطرة الحوثيين الانقلابيين.

وإذا كانت الحكومة اليمنية قد عجزت عن القيام بواجباتها المعيشية والاقتصادية تجاه المواطن، وفشلت في رفع المعاناة عن كاهله، إلا أن الناس في المناطق المحررة -الأكثر سوءا- ما زالوا يعلقون آمالا على التغيير الجديد، وتعيين الدكتور أحمد عوض بن مبارك على سدة الحكومة.

لكن ثمة سؤالا يفرض نفسه، نتعلق بمدى قدرة الحكومة الجديدة على تحسين الوضع المعيشي للناس، والرفع من أعباء التدهور الاقتصادي المتمثل في انهيار العملة المحلية، وتعثر صرف المرتبات، وتوفير الخدمات العامة كالكهرباء وغيرها، خاصة وأن حكومة معين عبدالملك زعمت حين تم تشكيلها بأن أولوياتها ستكون الجوانب المعيشية، غير أنها فشلت تماما في مهمتها تلك، بالإضافة إلى بقية المهام السياسية والعسكرية وغيرها.

مراقبون يتساءلون عن الإمكانيات التي يمكن أن تمتلكها الحكومة الجديدة، والدعم الذي قد تحظى به لمواجهة التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، في ظل ظروف لم تكن في حسبان أحد، أبرزها توقف صادرات النفط والغاز؛ نتيجة قصف وتهديدات الحوثيين على موانئ التصدير اليمنية، بالإضافة إلى التوتر الجديد في البحر الأحمر وهجمات المليشيات بحق السفن التجارية، وما نتج عنها من ارتفاع تكاليف النقل الدولي عبر البحر الأحمر، وإعلان عديد خطوط ملاحية عالمية تحويل وجهتها إلى رأس الرجاء الصالح بدلا من باب المندب وقناة السويس.

وهذا يقود إلى تساؤل آخر متعلق بكيفية تجاوز أي حكومة جديدة المعوقات التي سبق ذكره، فالمشهد اليمني اقتصاديا وسياسيا وعسكريا معقد للغاية، وتتداخل فيه الكثير من الحسابات الإقليمية والدولية، التي انعكست بالسوء على الحالة المعيشية، وحتى على إمكانية حلها أو معالجتها التي باتت تبدو صعبة إن لم تكن مستحيلة.

> العالم يشاهد فقط

المؤلم في المأساة اليمنية، التي أعلنتها منظمات أممية ودولية بأنها الأسوأ تاريخيا وعالميا، أن هذا العالم الذي منح الأزمة في اليمن هذه الصفة، هو نفسه الذي لم يحرك ساكنا تجاه الكوارث الإنسانية التي يشاهدها فقط دون أن يتدخل.

ورغم أن الأمم المتحدة أطلقت مؤخرا نداءً لجمع 4 مليارات دولار كمساعدات هذا العام لليمن الذي دمره ما يقرب من عقد من الحرب والصراع، إلا أن الاستجابة لهذا النداء لن تكون متوافقة مع حجم التحديات ومستوى التدهور الرهيب للملف المعيشي والاقتصادي في البلاد، تماما كما حدث مع نداءات الأعوام الماضية.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في بيان إن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2024 "تتطلب 2.7 مليار دولار للمساعدة المنقذة للحياة وخدمات الحماية"، وأضافت أن هناك حاجة إلى 1.3 مليار دولار إضافية للتنمية المستدامة، بالإضافة إلى الحاجة لـ "دعم عاجل" لأكثر من 18.2 مليون مدني في اليمن "الذين واجهوا معاناة هائلة يومياً لأكثر من تسع سنوات بسبب الصراع والتدهور الاقتصادي والتعطل الشديد في البنية التحتية والخدمات العامة، فضلاً عن تغير المناخ".

ودعت الأمم المتحدة عبر "الأوتشا" إلى أنه يجب ألا ندير ظهورنا للشعب اليمني، وناشدت الجهات المانحة تقديم دعمها المستمر والعاجل لإنقاذ الأرواح، وبناء القدرة على الصمود، وكذلك لتمويل التدخلات المستدامة.

لكن تجربة الدعوات الأممية ومؤتمرات المانحين لليمن، أثبتت خلال السنوات الماضية أنها لا تفي باحتياجات اليمنيين، فغالبا ما تخرج تلك المؤتمرات والدعوات الأممية بأقل من ثلث ما تطالب به منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الإنسانية، ما يؤكد أن العالم بالفعل "يتفرج" على اليمن، ويشاهد معاناته دون أي حراك يذكر، تماما مثل سلبية الحكومة اليمنية والمكونات السياسية الأخرى.

ومرد تلك السلبية الدولية تجاه المأساة في اليمن؛ ربما يرجع إلى رغبة العالم في استمرار معاناة اليمنيين، من جهة مواصلة الاسترزاق الأممي من الأزمة اليمنية، ومن جهة أخرى استثمار العالم والدول الكبرى لهذه المعاناة في تمرير أجنداتها وتنفيذ مصالحها في المنطقة.

> الحلول الممكنة

يرى مراقبون أن بداية معالجة التدهور الاقتصادي والمعيشي في اليمن يتمثل في عقد اتفاق السلام، والتسريع في إبرام التسوية السياسية، ومن ثم ترتيب أوضاع الملف الاقتصادي والمعيشي، غير أن الحسابات السياسية والعسكرية من الممكن أن تؤثر على مثل هذه الحل.

غير أن المخاوف تكمن في رفض القوى السياسية المحلية والدولية لأي تسوية، ما يعني تأجيل معالجة الملف المعيشي حتى يتوافق الساسة على كلمة سواء، وحتى ذلك الحين سيبقى المواطنون اليمنيون يواجهون مصيرهم وحدهم، دون مساندة من أحد.