آخر تحديث :الخميس-29 فبراير 2024-05:22م

ملفات وتحقيقات


ميازين الشاحنات "الخاصة".. شبكة المصالح الخاصة تنتهك حرمة شبكة الطرق العامة وتبدد جهود صندوق الصيانة

الأربعاء - 06 ديسمبر 2023 - 11:35 م بتوقيت عدن

ميازين الشاحنات "الخاصة".. شبكة المصالح الخاصة تنتهك حرمة شبكة الطرق العامة وتبدد جهود صندوق الصيانة

تحقيق/ صدّيق الطيار

 

تحقيق/ صدّيق الطيار

أفرزت الحرب والأزمة السياسية التي تعيشها بلادنا منذ سنوات فوضى عارمة اجتاحت كل مناحي الحياة، حيث برزت بشكل كبير التجاوزات للّوائح والقوانين المنظمة للحياة العامة في البلاد، بسبب طغيان المصالح الخاصة على المصلحة العامة للوطن والمواطن، دون أي اكتراث بما تسببه تلك المخالفات من آثار سلبية وكوارث إنسانية على المديين القريب والبعيد..
ومن تلك المخالفات والتجاوزات لقانون ودستور الدولة انتشار محطات الأوزان والأبعاد الكلية لمركبات النقل الثقيل الخاصة بمسؤولين وجهات حكومية، ويتم التعامل مع تلك المحطات باعتبارها مشاريع استثمارية، الهدف منها جني الأموال وتوريدها إلى الخزائن الخاصة، بعيداً عن الهدف الوطني الأساسي من إنشاء تلك المحطات المتمثل في الحفاظ على شبكة الطرق من التهالك والتدمير..

* جهات غير مخولة لإدارة الميازين

توصل معد هذا التحقيق إلى أن الجهات التي تدير تلك المحطات وتشرف عليها غير مخولة قانونًا بإنشاء محطات الأوزان وإدارتها، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون اليمني الخاص بالأوزان والأبعاد الكلية لمركبات النقل الصادر سنة 1994م، والذي شدد على أن تحديد محطات وزن المركبات في الطرق وتركيبها من اختصاص الدولة ممثلة بصندوق صيانة الطرق والجسور، في ضوء الدراسات الفنية والإمكانيات المتاحة.. الأمر الذي يؤدي إلى حرمان الخزينة العامة من الإيرادات التي تجنيها تلك الميازين.

* السماح بمرور الشاحنات المخالفة للأوزان

كما توصلنا من خلال استقصائنا وتتبعنا لعمل تلك المحطات إلى أن من يديرونها لا يُلزِمون سائقي شاحنات النقل الثقيل بالتقيد بقانون الأوزان والأبعاد الكلية لمركبات النقل، الذي لا يسمح بزيادة الوزن الإجمالي لمركبات نقل البضائع عن 20 طناً لشاحنة ذات محورين، و28 طناً لذات ثلاثة محاور، و33 طناً للشاحنة ذات محورين مع مقطورة ذات محور واحد، و41 طناً للشاحنة ذات أربعة محاور، و45 طناً للشاحنة ذات خمسة محاور أو أكثر..
كما أنهم لا يقومون بإنزال الحمولة الزائدة عن الحمولة القانونية، بل يسمحون بمرور الشاحنات المخالفة للأوزان مهما كان الوزن الذي تحمله، وذلك بعد أن يفرضوا على الحمل الزائد غرامة - أو بالأصح إتاوة - بمبالغ مالية كبيرة، في مخالفة صريحة للإجراء القانوني الذي يجب أن يُطبق، وهو إنزال الحمولة الزائدة وفرض غرامة على السائق لتجاوزه الحد القانوني من الحمولة.. 
لتؤكد تلك الميازين الخاصة بأنها لا تكترث بما تشكله الحمولة الزائدة للشاحنات من أضرار بالغة على البنية التحتية للطرق، وتقلل من عمرها الافتراضي ومستوى السلامة المطلوبة لسير المركبات عليها، وبالتالي زيادة الحوادث المرورية فيها وما ينتج عنها من خسائر بشرية، ناهيك عن الأعباء والتكاليف الباهظة التي تستنزف خزينة الدولة سواء لإعادة إنشاء الطرق أو لصيانتها.

* مضاعفة معاناة المواطن

والكارثة الكبرى أن معاناة المواطن العادي تتضاعف في ظل وجود تلك الميازين الخاصة "غير القانونية"، إذ أن المواطن هو من يتحمل تبعات الغرامات التي تُفرض على شاحنات التجار المخالفة للأوزان، والتي تنعكس آثارها على المواطن من خلال ارتفاع أسعار السلع الأساسية. هذا بالإضافة إلى عدم الاستفادة من موارد تلك الميازين لتعزيز عملية التنمية في مختلف الجوانب، وخصوصا ما يتعلق بصيانة شبكة الطرق.

* أكثر من 20 محطة وزن "خاصة"

أكثر من عشرين محطة أوزان محورية "غير قانونية" تنتشر على مداخل ومخارج المحافظات والمناطق المحررة، الواقعة تحت سلطة الحكومة الشرعية، وهي تتبع أشخاصاً وجهات حكومية نافذة، وتدير عدداً منها شركات استثمارية خاصة.. يحدث كل ذلك على مرأى ومسمع من قيادات الدولة العليا، التي لم نشهد لها أي تحرك جاد لانتزاع تلك المحطات من أيدي تلك الجهات والأفراد، وتسليمها للجهة الحكومية المخولة قانوناً بإنشاء محطات الأوزان والأبعاد الكلية لشاحنات النقل الثقيل وإدارتها، ممثلة بصندوق صيانة الطرق والجسور - المركز الرئيسي بالعاصمة عدن.

* قرار مجلس الوزراء

في 2019م أصدر مجلس الوزراء قراراً خاصاً بمحطات الأوزان والأبعاد الكلية لمركبات النقل (الثابتة والمتحركة) على جميع طرق الجمهورية (مرفق لكم نسخة من القرار).. حيث شدد القرار - الذي حمل الرقم (15) لعام 2019 - على الجهات المختصة الالتزام بنصوص قانون الأوزان والأبعاد الكلية لمركبات النقل، والتعامل عبر صندوق صيانة الطرق والجسور، باعتباره الجهة المسؤولة المخولة بإدارة محطات الأوزان.
وأكد القرار أيضاً على عدم توجيه أو توقيع أي اتفاقية مع أي طرف لإنشاء وتشغيل محطات الأوزان والأبعاد الكلية لمركبات النقل، كما ألزم القرار وزيري المالية والنقل ونائب وزير الأشغال العامة والطرق ورئيس مجلس إدارة صندوق صيانة الطرق والجسور، بحصر محطات الأوزان والأبعاد الكلية لمركبات النقل غير المملوكة للدولة، والعمل على نقل ملكيتها من مالكيها الحاليين إلى ملكية الدول، ممثلة بصندوق صيانة الطرق وتعويض مالكيها، والرفع بتقرير عن مستوى التنفيذ لرئيس مجلس الوزراء، وتنفيذ القرار بالوسائل الإدارية المناسبة، بدءاً من تاريخ 30 يناير 2019م وينتهي بتنفيذ أحكامه، بحسب ما جاء في القرار.

* توجيه النائب "الزبيدي"

وفي تاريخ 21 سبتمبر 2022م، صدر توجيه من قبل نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اللواء عيدروس الزبيدي (مرفق لكم نسخة من التوجيه)، نص على تسليم ميازين القاطرات في عموم المحافظات المحررة لصندوق صيانة الطرق والجسور، وحصر التشغيل على الصندوق فقط، لكونه هو الجهة القانونية التي يحق لها إنشاء الميازين وتشغيلها.. بحسب ما نص عليه التعميم.

لكن للأسف كان قرار مجلس الوزراء، وتوجيه نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي "الزبيدي" مع وقف التنفيذ ومجرد حبر على ورق، إذ لم يُنفذ أيّ منهما على أرض الواقع حتى لحظة نشر هذا التحقيق.. واستمرت تلك الميازين الخاصة تمارس عملها غير القانوني، وتُشرّع للاستهلاك الجائر لشبكة الطرق الوطنية، والتعجيل بتدميرها والمساهمة في انتهاك حرمتها، عبر السماح لشاحنات النقل الثقيل المخالفة للأوزان المحورية بالمرور، بعد فرض "الجبايات" على الحمولة الزائدة فيها.

* قرار محافظ حضرموت

وفي 18 سبتمبر 2022م، أصدر محافظ حضرموت مبخوت بن ماضي القرار رقم (70) لسنة 2022م، قضت المادة الأولى منه بإيقاف العمل بكافة ميازين مركبات النقل. وقضت المادة الثانية بتكليف الجهات المختصة بوضع آلية عمل لميازين المركبات، لتحقيق الأهداف من إنشائها وفقا للقانون. فيما قضت المادة الثالثة العمل به من تاريخ صدوره، وعلى الجهات المختصة وذات العلاقة اتخاذ اللازم لتنفيذه.. لكن بعد ثلاثة أشهر من توقفها - بناءً على قرار المحافظ - عادت الميازين في حضرموت لممارسة عملها بشكل مفاجئ.. وبعد تحققنا عن سبب عودتها أفادتنا مصادر عاملة في تلك الميازين بأن السبب هو أنه تم الاتفاق على أن تحصل السلطة المحلية بالمحافظة على نسبة 70% من إيرادات تلك الميازين، بينما يحصل المستثمر الذي يديرها على 30%، بعد إن كان العكس.

* الحفاظ على الطرق معيار الوطنية

يأبى مسؤولو وقيادات الدولة إلا أن يثبتوا للجميع أن ما يدعونه من حب للوطن والحرص على مكتسباته ومصالح الشعب العامة ما هو إلا مجرد شعارات وخطابات جوفاء، بعيدة كل البعد عن الحقيقة. ويتضح ذلك جلياً حينما نراهم يعجزون باستمرار عن تنفيذ قراراتهم، خاصة ما يتعلق بالمصلحة العامة، والتي يأتي في مقدمتها الحفاظ على شبكة الطرق الرابطة بين مدن ومحافظات البلاد وحمايتها من الاستهلاك الجائر، وذلك بمنع وجود أي محطات أوزان غير قانونية في مداخل المدن ومخارجها، واتخاذ الإجراءات الصارمة ضد أي جهة تنشئ ميازين للشاحنات خارج إطار القانون.

* الطرق تستغيث.. ولا استجابة!

للأسف كل المسؤولين الحاليين لم يعيروا استغاثة واستنجاد شبكة الطرق أي اهتمام لرفع الظلم عنها، بإيقاف الانتهاكات التي تمارس بحقها بواسطة الأوزان الزائدة الضاغطة عليها، والتي تسمح بمرورها تلك الميازين غير القانونية المنتشرة في طرق البلاد المختلفة، ويديرها أشخاص أو شركات خاصة باعتبارها مشروعاً استثمارياً ربحياً لدر الأموال الطائلة التي لا تورد إلى خزينة الدولة.. والتي يفترض أن يديرها صندوق صيانة الطرق والجسور، وفق أسس وقواعد ودراسات علمية متطورة، تهدف للحفاظ على شبكة الطرق من التدمير، وإطالة عمرها  قدر الامكان.

* انتهاك جائر للطرق.. من يوقفه؟

شبكة الطرق الرابطة بين مدن ومناطق البلاد تعد من أهم البنى التحتية للدولة والركيزة الأساسية لازدهارها وانتعاشها، فهي عصب الحياة وشريانها الذي تسير عليه التنمية في كافة مناطق البلاد، من خلال تسهيل انتقال الأفراد والبضائع والسلع، وتنشيط حركة الاستثمار، والتمكين من تقديم مختلف الخدمات للمواطن في البلاد.. إلا أن قيادات الدولة ومسؤوليها لم يستطيعوا إيقاف الانتهاك الجائر الذي تتعرض له شبكة الطرق الوطنية هذه، بل أن هناك مجموعة من تلك القيادات تساهم وتشترك في ذلك الانتهاك والتدمير لهذه الطرق مع سبق الإصرار والترصد.

* مظلومية الطرق تنتظر العدالة

وفي الختام.. نتساءل متى ينتصر رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، ورئيس الحكومة، ومحافظو المحافظات المحررة، لمظلومية شبكة الطرق؟ من خلال اتخاذ إجراءات جادة ينتج عنها تسليم محطات الأوزان إلى الجهة الحكومية الرسمية المخولة قانوناً بإدارتها، وهي صندوق صيانة الطرق والجسور - المركز الرئيسي في العاصمة المؤقتة عدن.