آخر تحديث :الخميس-29 فبراير 2024-05:12م

ملفات وتحقيقات


الرئيس علي ناصر يكشف لأول مرة عن حادث طائرة مطار أسمرة ونجاته من الموت (42)

الأربعاء - 06 ديسمبر 2023 - 01:59 م بتوقيت عدن

الرئيس علي ناصر يكشف لأول مرة عن حادث طائرة مطار أسمرة ونجاته من الموت (42)

(عدن الغد)خاص:

إعداد/ د. الخضر عبدالله:

الصداقة والمصالح..

تطرق علي ناصر محمد الرئيس الأسبق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية  في أحاديث كثيرة عن  السياسة الخارجية لعدن.. وفي هذا اللقاء ينفرد بالحديث عن العلاقات بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والاتحاد السوفياتي.. قال يقول مستدركا:" كان الاتحاد السوفياتي لاعباً أساسياً في السياسة الدولية وعاملاً مهماً في تحقيق التوازن الدولي الذي شكل مظلة مناسبة للبلدان المستقلة حديثاً عن الاستعمار في الحفاظ على استقلالها الوطني، وفي دعم حركات التحرر الوطني العالمية، بما في ذلك حركة التحرر العربية. وقد حظيت الدول العربية المستقلة من الاستعمار حديثاً بتأييده ودعمه في نضالها من أجل التنمية. ويمكن الإشارة بصفة خاصة إلى الدعم الذي تلقته مصر وسورية والجزائر والعراق وصنعاء والصومال والسودان وسواها من البلدان العربية، وكانت اليمن الديمقراطية واحدة منها سواء في نضالها التحرري أو من أجل التطور الاقتصادي والاجتماعي.

علاقة منذ عقود قديمة

ويواصل الرئيس  ناصر حديثه وقال:"وأما فيما يتعلق باليمن وعلاقات موسـكو بها فينبغي الإشارة إلى أنها كانت قديمة وتعود إلى عهد الإمام يحيى بن حميد الدين وقائد ثورة أكتوبر «لينين» حيث كتب الأول للأخير رسالة اعترف فيها بالثورة البلشفية استهلها بعبارته المشهورة «من يحيى حميد الدين إمام المؤمنين إلى لينين إمام الشـيوعيين! «وهكذا فإن الوقت الذي نشأت فيه العلاقات بين صنعاء وموسـكو قديم، بل إن اليمن كان من أوائل الدول التي وقعت معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السـوفيتي وذلك في عام 1928م.

دعم الاتحاد السـوفيتي الثورة اليمنية 26 سبتمبر 1962م في الشمال بعد قيامها كما سـاند ثورة 14 أكتوبر 1963م في الجنوب.. وبعد قيام الدولة في الجنوب زار عدد من الوزراء والمسؤولين موسكو وفي مقدمتهم الرئيس قحطان الشعبي, وقد لعب المناضل عبد الله باذيب دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر وتعزيز العلاقة بين موسكو وعدن إضافة إلى ارساله مئات من الطلاب للدراسة في الاتحاد السوفياتي وذلك قبل استقلال الجنوب.

بصرف النظر عن الميول المختلفة، التي سيطرت على قيادة التنظيم السياسي، ولاحقاً الحزب الاشتراكي اليمني، وبالتالي الدولة في تلك الفترة، فإن العلاقة بالسوفيات أصبحت تدريجاً، تحتل المرتبة الأولى في تسلسل علاقات اليمن الديمقراطية الخارجية.

وهكذا غادر رئيس الجمهورية قحطان الشعبي على رأس وفد رسمي في زيارة إلى الاتحاد السوفياتي. كان ثاني وفد يزور البلدان الاشتراكية، ولكنه كان على أعلى المستويات هذه المرة. جرى في موسكو استقبال رسمي وشعبي للرئيس قحطان الشعبي، واستمرت زيارته من 28 كانون الثاني/يناير حتى 9 شباط/فبراير 1969، وأجرى الوفد مباحثات مهمة شملت اتجاهات متعددة، انطلقت في أساسها مما تواجهه الدولة الجديدة في اليمن الجنوبي من مصاعب، وأهمية المساعدة السوفياتية في التغلب عليها. وخلال الزيارة وُقِّع على عدد من الاتفاقيات، أهمها:

•اتفاقية التعاون الاقتصادي والفني.

•الاتفاقية التجارية.

•اتفاقية تطوير الاصطياد في خليج عدن ومياه المحيط الهندي المتاخمة.

•اتفاقية التعاون الثقافي والعلمي والفني.

الصداقة الاستراتيجية  

ويستذكر الرئيس علي ناصر في حديثه ويقول:"في زيارته الأولى تلك عام 1968 ظهر أن الرئيس قحطان كان من طراز أولئك الثوريين الذين كانوا لا يزالون يؤمنون بأن علاقات الصداقة بين البلدان تقوم على أساس من انسجام دوافع الصداقة الاستراتيجية التي تتحول إلى دعم أممي والتزام ثوري يمارس فيه المبدأ الأخلاقي دوراً بارزاً، لكنه عندما جاء رئيساً لليمن الجنوبية كان العالم قد تغير ولم تعد تسيره النظريات الأخلاقية وحدها بقدر ما تتغلب على العلاقات بين الدول والشعوب المصالح والمنافع المتبادلة التي صار لها الدور الرئيس في قيام العلاقات وتبادل المصالح والتسهيلات للسوفيات في ميناء عدن.

وانسجاماً مع مبدئه الثوري وقناعاته، فإن الرئيس عندما ذهب إلى موسكو في أول زيارة لها، حرص على أن يحصل على مساعدات مالية عاجلة من الحكومة السوفياتية بعد أن تخلى عنا البريطانيون. وكان يعتقد أن الاتحاد السوفياتي لن يتردد في منح دعم سخيّ لليمن الجنوبية بعد أن شرح لهم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها.

ولكن السوفيات بعد كل ما سمعوه عن ظروف البلاد الصعبة، وحاجتها الماسّة إلى دعم مالي عاجل لمواجهة الأزمة المالية الناشئة عن رحيل الإنكليز عن عدن وتخليهم عن التزاماتهم المالية تجاه الدولة الجديدة، لم يمدوا يد العون للرئيس قحطان الذي كان يعوّل كثيراً على دعم من هذا النوع لمعالجة المشكل المالي الصعب. وقد ناشدهم باسم الصداقة والأممية وذكّرهم بالواجب والالتزام الأممي وبواجب الاتحاد السوفياتي في دعم حركات التحرر العالمية والبلدان الحديثة الاستقلال، وهي شعارات كان السوفيات يرفعون لواءها كمفهوم جديد في العلاقات الدولية بين البلدان والشعوب جاءت به ثورة تشرين الأول/أكتوبر الاشتراكية.

وجاء قرار المفاوضين السوفيات مخيباً لآمال الرئيس، فقد أفهموه قبل كل شيء أنهم لا يمنحون مساعدات أو قروضاً مالية مباشرة، بل يقدمون مساعداتهم وقروضهم على شكل مشاريع أو هبات.

وفي رأيي، إن الأسباب التي دعت السوفيات إلى عدم الاستجابة لمطالب الرئيس كانت تكمن في جهلهم إلى أين سيؤول مصير اليمن الجنوبية بعد الاستقلال، خصوصاً أنه برز داخل قيادتها تيار يميل نحو عدوتهم الصين الشعبية، وبالتالي لم يكونوا مستعدين لتقديم دعم كبير قبل أن يضمنوا موقع هذه الدولة معهم، فلا يكابدون من خلال مساندتها خسائر غير مضمونة العوائد، وينتهي دورهم عند هذا الحد.

السوفيات بعد هزيمة العرب

ويتابع الرئيس ناصر حديثه قائلا:" كان السوفيات بعد هزيمة العرب في عام 1967م يعانون جرحاً عميقاً، حيث علّق العرب أسباب هزيمتهم أمام إسرائيل على إخفاق السلاح السوفياتي وعجزه عن مواجهة الأسلحة الأميركية والغربية. وبالتالي كانوا يخشون أن يستنزفوا في منطقة أخرى من العالم العربي، ويلاقوا (جزاء سنمار). وأتذكر أننا عندما اختلفنا مع مصر أثناء حرب التحرير وانحياز مصر إلى جبهة التحرير عام 1966م، طلبنا لقاءً عاجلاً مع عبد الله باذيب، القادم من عدن، في الراهدة لطلب مساعدة السوفيات سياسياً وعسكرياً ومالياً، ولكن باذيب صديق الاتحاد السوفياتي، وعد بأنه سيناقش الأمر معهم، ولم يتلقّ رداً منهم.

زيارة علي ناصر إلى موسكو  

ويكمل الرئيس ناصر  حديثه بقوله :" أتيحت لي فرصة زيارة الاتحاد السوفياتي مراراً، ودفعني هذا إلى الإعجاب بجوانب من تجربته العظيمة والغنية، وأثار في نفسي أيضاً الأسف والنقد في جوانب مختلفة أخرى. كنت أعتقد وأرى أن البلد الذي صنع أعظم معجزات العلم ومنجزاته وأرسل أول إنسان إلى الفضاء، وهبط فوق القمر بمركبة آلية، وتسبح أقماره الصناعية وتلتحم في الفضاء الخارجي، لا يمكنه أن يقف عاجزاً أمام احتياجات الإنسان السوفياتي الذي كان يقف في طوابير طويلة، بل ساعات، لشراء متطلباته الضرورية البسيطة والمشروعة، فقد كنت أؤمن بأن هذا الإنسان قادر على صنع معجزته على الأرض كما صنع معجزته المذهلة في الفضاء بما تنطوي عليه من سحر خارق ثابرت عليه قدرات عقل خلاق.

عرفت كثيراً عن هذه الدولة الجبارة، وعرفت العديد من زعمائها وقادتها البارزين، وعاصرت خمسة رؤساء منهم ، ولن تُمحى من ذاكرتي أول زيارة أقوم بها لموسكو في عام 1970م، ولقائي الأول بأندري غريتشكو وزير الدفاع السوفياتي. كانت زيارة مهمة حيث خضت مع المسؤولين السوفيات مفاوضات صعبة جداً تناولت طلباتنا من السلاح. دروس تلك الزيارة التي سأوردها هنا لن أنساها، فقد علمتني أصول التعامل مع القادة والمسؤولين السوفيات، ولم يكن هذا غالباً بالأمر السهل، وكنا وغيرنا من الدول ننظر إلى العلاقة مع الاتحاد السوفياتي على أنه مصدر للسلاح، وأن عليه واجباً أممياً يقضي بتزويدنا بالسلاح دون مقابل أو بقروض ميسّرة وفوائد بسيطة، وكان الدرس الأول أن الصداقة والعلاقة مع الدول والشعوب ليستا قائمتين على هذا الأسلوب الساذج، فالعلاقات قائمة على المصالح المتبادلة بين الدول والشعوب.

موسكو .. والزيارة الأولى

ويكمل الرئيس علي ناصر  حديثه:" وصلت إلى موسـكو للاستجمام في تموز/يوليو عام 1970م.

في 14 آب/أغسطس عام 1970م استقبلني النائب الأول لوزير الدفاع السوفياتي المارشال «ياكوبوفسكي»  في مكتبه بوزارة الدفاع، رحب بي ترحيباً حاراً باسم وزير الدفاع المارشال غريتشـكو الذي كان في إجازة خارج موسكو، وكان يبدو طويلاً ومهيباً وعلى ملابسه الجميلة عدد من الأوسمة والنياشين العسكرية التي تعكس هيبة الجيش السوفياتي وقيادة حلف وارسو. تحدثنا في الوضع السياسي والعسكري الراهن في المنطقة، والمخاطر التي تواجه اليمن الديمقراطية وحاجتها لتعزيز قدراتها الدفاعية للوقوف أمام التحديات والمؤامرات التي تستهدف النظام التقدمي في عدن، وما يتطلبه ذلك من دعم سياسي وعسكري واقتصادي لبلادنا، وقدمت إليه نسخة من «الخطة الخمسـية» لتطوير القوات المسلحة التي وضعناها بمساعدة خبرائهم العسكريين. وعد المارشال «ياكوبوفسكي» بدراسة الخطة دون أن يعطيني رأياً واضحاً أو محدداً، ولم يكن عندي شك في أنهم سيدرسون مشروعنا خلال إقامتي في الاتحاد السوفياتي، التي كانت في الأصل للراحة والاستجمام في «سوتشي» المطلة على البحر الأسود جنوب الاتحاد السوفياتي.
نهض المارشال لمصافحتي وهو يقول:

رفيق ناصر، اسـتمتع بإجازتك, سـتذهب إلى الجنوب السوفياتي، الجو هناك جميل وستجد أشياء جميلة.

كان السوفيات يحرصون على منح الإجازات لقادتهم، ويهتمون براحتهم وأنشـأوا لهذا الغرض مصحات ومصايف خاصة للقادة وضيوفهم في موسـكو وخارجها…

بينما كنت في جنوب الاتحاد السوفياتي زارني يوم 23 أيلول/سبتمبر المارشال «زاخاروف»، رئيس هيئة الأركان السوفياتي في مقر إقامتي في (سـوتشـي)، وأبلغني موافقة الاتحاد السوفياتي على خطة تأهيل الأطر فقط. أما في ما يتعلق بمتطلبات الخطة الخمسـية من الأسلحة والمعدات والمنشآت، فإن السلطات السوفياتية ما زالت تدرسها … وأبديت عدم ارتياحي للردّ بشأن السلاح، لكنه وعد بالردّ الإيجابي في المستقبل.

علي ناصر .. وانزلاق الطائرة

يشرح الرئيس علي ناصر  في حديثه ما وقع له من حادث في مطار أسمرا لوجهته إلى موسكو  وقال :" مرة ثانية، كان عليّ الذهاب إلى موسـكو، وجّه إليّ وزير الدفاع السوفياتي «غريتشـكو» دعوة خاصة للقاء معه أثناء مشاركتي في أعمال «المؤتمر الرابع والعشرين» للحزب الشيوعي السوفياتي.

وفي ظهر يوم 25 آذار/مارس كنت متوجهاً إلى موسـكو برفقة «عبد الفتاح إسماعيل» الأمين العام للجبهة القومية الذي تلقّى دعوة من القيادة السوفياتية لحضور المؤتمر. كانت رحلتنا بالطائرة المصرية، من طريق أسـمرا القاهرة … وبسبب حادث طيران وقع لطائرتنا في مطار أسـمرا، كدنا لا نصل إلى موسـكو أبداً، بل كدنا نفقد الحياة!.

حدث كل شيء بسرعة غير متوقعة عندما هبطت الطائرة في منتصف أرض المدرج تقريباً دون أن تتمكن من إنزال عجلاتها، فانزلقت الطائرة وزحفت بعيداً عن المدرج، ولم تتمكن من إنزال عجلاتها إلا بعد أن تجاوزت منتصف المدرج. حاول قائدها إيقاف الطائرة المندفعة بقوة، لكنه أخفق في ذلك، فزحفت على بعد خمسين متراً تقريباً بعيداً عن المدرج وهي تتخبط إلى أعلى وأسفل حتى وقفت أخيراً في أرض زراعية، وارتفع من حولها الغبار فلم نعد نرى شيئاً. وكان الركاب الذين لم يتمكنوا من ربط أحزمتهم يحاولون الإمساك بمقابض مقاعدهم حتى لا ينقذفوا خارجها، وكنا جميعاً في حالة ذعر وخوف… ولكن أحداً من الركاب لم يُصَب بأذى جسيم. ولولا عناية الله، وكفاءة الطيار التي مكنته من إيقافها في الوقت المناسب، لكنا وقعنا في هوة سحيقة لم تكن تبعد عن مكان وقوف الطائرة سوى عشرات الأمتار فقط… ولو كانت تجاوزت هذه الأمتار الثلاثين لحلّت بنا الكارثة جميعاً!

ومضى الرئيس ناصر سرد  حديثه قائلا:" بسبب هذا الحادث اضطررنا إلى البقاء يومين في أسـمرا لفحص الطائرة «إليوشن 28» ذات المحركات الأربعة والتحقق من سلامتها، ولم نغادرها إلا يوم 27 آذار/مارس حيث أقلعنا بطائرة أخرى إلى القاهرة عبر «أثينا».

في الغد كنا في طائرة واحدة مع «عبد المحسن أبو النور» و«سامي شرف» وزير الدولـة المصري وســكرتير الرئيـس الخاص للمعلومات.

في مطار موسـكو استقبلنا عضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي وضباط من وزارة الدفاع.

ورأيت بعض الضباط يتجهون نحوي للسلام والتحية، وبادرني كبيرهم بعد أن رحب بي:

لقد كلفنا الرفيق وزير الدفاع غريتشكو باستقبالك، ويبلغك تحياته الودية، وسيكون في استقبالك غداً صباحاً، الساعة الحادية عشرة.

بداية جيدة، لقد تحدد موعدي مع وزير الدفاع السوفياتي مسبقاً إذن، وأبلغوني به في المطار فور وصولي. هذا يشير إلى أن زيارتي ستكون ناجحة هذه المرة بعكس المرة الأولى.

وقال لي سـفيرنا في موسـكو أحمد صالح الشـاعر:

لقد فعلتها… هذه هي المرة الأولى التي يحدد فيها الروس موعداً لضيف في المطار في زيارة غير رسـمية...

اللقاء مع المارشـال غريتشــكو

ويبين الرئيس ناصر  حول كيفية أستقباله في مطار موسكو ، حيث يقول:" ظهر يوم التاسع والعشرين من آذار/مارس استقبلني المارشال «غريتشكو» في مكتبه بوزارة الدفاع، وصافحني بحرارة. أوضح لي غريتشكو أنهم يتفهمون ظروفنا وقضايانا، ومستعدون لتقديم الدعم والمساعدة لقواتنا المسلحة، وأنه يدرس الخطة التي تقدمت بها في العام الماضي خلال زيارتي لموسـكو، وسيردّ علي بالإيجاب عقب انتهاء أعمال المؤتمر.

في 30 آذار/مارس 1971 بدأت أعمال المؤتمر «الرابع والعشرين»، ودخل وفدنا ضمن وفود من أنحاء العالم كافة قاعة المؤتمرات الضخمة جداً في الكرملين. جلس عبد الفتاح إسماعيل الأمين العام للجبهة القومية في المنصة الرئيسة المخصصة لرؤساء الوفود، بينما أخذ باقي أعضاء وفدنا المقاعد المخصصة لهم مع سائر أعضاء الوفود المدعوة للمؤتمر الذين يمثلون 106 من مختلف الدول والأحزاب في العالم.

كانت القاعة مهيبة حقاً، تضمّ أناساً من مختلف الأجناس والقوميات من الاتحاد السوفياتي ومن المعمورة كافة. عندما كنت أنظر إلى تلك الوجوه، كنت أعجب أشد الإعجاب لماذا لا يستطيع البشر أن يعيشوا معاً في سـلام ما داموا يسكنون كوكباً واحداً أشبه بمثل هذه القاعة في هذه اللحظة!

بعد انتهاء أعمال المؤتمر توجه «عبد الفتاح إسماعيل» إلى «صوفيا» للمشاركة في مؤتمر الحزب الشيوعي البلغاري، بينما توجهت إلى جنوب الاتحاد السوفياتي للراحة.

الحصول على الأسلحة

ويتابع الرئيس علي ناصر  حديثه ويقول:" وفي 13 نيسان/أبريل كنت أجلس مع وزير الدفاع السوفياتي «غريتشكو» مجدداً في مكتبه بوزارة الدفاع في موسـكو، وتحدثنا طويلاً عن الأوضاع العربية والدولية، وأهمية تطوير العلاقات وتنميتها بين بلدينا، وكان يضع على صدره عدداً كبيراً من الميداليات والأوسمة، وفي مقدمتها وسام بطل الاتحاد السوفياتي، تقديراً لدوره في الحروب التي خاضها دفاعاً عن الاتحاد السوفياتي ودوره في بناء القوات المسلحة السوفياتية.

اتضح لي من حديثه أنه مطلع كثيراً على مجريات الأمور، وهو في الوقت نفسه عسكري صارم من أصول جورجية، وعلى دراية كبيرة بقضايا العالم والمناطق الاستراتيجية، وخصوصاً أهمية البحر الأحمر، والدور الذي كانت تمارسه بعض دوله مثل إسرائيل في تقوية النفوذ الأميركي والغربي فيه.

في نهاية اللقاء أبلغني «غريتشكو» وعيناه تلمعان بأن الاتحاد السوفياتي وافق على تطوير قواتنا المسلحة وفقاً للخطة الخمسية التي وضعناها والتي ستنفذ على مراحل وفقاً لتطور العلاقات بين موسـكو وعدن.

ووقعنا الاتفاقية الخاصة بذلك عند لقائي إياه يوم 28 نيسان/أبريل 1971م. وهي أول اتفاقية عسكرية توقع بين البلدين. حضر التوقيع ماتفي زخاروف، رئيس هيئة الأركان، و«ي. شـيف»، رئيس الدائرة السياسية، والأدميرال «أندريه غريشكوف»، قائد الأسطول البحري السوفياتي. وبموجب هذه الاتفاقية حصلت قواتنا المسلحة على أسلحة حديثة. ومع أنها لم تكن بالحجم المطلوب، إلا أنها مهدت الطريق للتطور اللاحق للعلاقات اليمنية السوفياتية وخصوصاً في المجال العسكري، حيث حصلنا في وقت لاحق على صواريخ سكود ولأول مرة خارج الاتحاد السوفياتي وخارج حلف وارسو.

زيارة لموسكو كرئيس حكومة

و يواصل الرئيس ناصر  حديثه مسترسلا :" أصبحت رئيساً للوزراء في اليمن الديمقراطية في 1971م، على إثر تقديم محمد علي هيثم استقالته، وكان عليَّ أن أزور الاتحاد السوفياتي مجدداً، ولكن هذه المرة بوصفي رئيساً للوزراء.

في مطار موسكو كان في استقبالي «ألكسي كوسيغين» رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي.

كانت واضحة حفاوة استقبالهم لي وحرارته لهذا المستوى من حضور كبار المسؤولين، ومن الجماهير التي حشدوها في المطار ترحيباً بمقدمنا الذي اشترك فيه الطلاب اليمنيون والعرب.

وبعد وصولنا إلى دار الضيافة وتناول الغداء، حرص «كوسيغين» على بدء المحادثات الرسمية معي في يوم وصولي نفسه إلى موسكو.
جرت المباحثات الرسمية في قصر (الكرملين) الواقع في الساحة الحمراء في قلب موسكو. وهذه هي المرة الأولى التي أدخله، حيث دخله قبلي وبعدي أبرز قادة العالم من العرب والأفارقة والآسيويين والأوروبيين. وكان المشير عبد الله السلال رئيس الجمهورية العربية اليمنية واحداً من الذين دخلوه وأجروا فيه مباحثات مهمة مع القادة السوفيات في أقسى الظروف التي كانت تمرّ بها الجمهورية العربية اليمنية خلال سنواتها الأولى، حيث كانت المعارك الشرسة تدور بين الجمهوريين والملكيين في لحظات تاريخية كان مطلوباً فيها تقرير مصير الجمهورية.

أخطر السياسات في الكرملين

ويقول الرئيس ناصر في حديثه :" داخل الكرملين اتُّخذت أخطر السياسات والقرارات في تاريخ الثورة البلشفية والدولة السوفياتية، وفي الحرب الباردة والصراع بين الشرق والغرب، وفي تاريخ العلاقات السوفياتية - العربية.

بدأت المحادثات في الساعة الثالثة بعد الظهر. خصصت حديثي عن التطورات السياسية والاقتصادية في اليمن الديمقراطية، وتطرقت إلى الصعوبات الاقتصادية والمالية التي تعوق عملية التنمية، وحاجتنا إلى الدعم والمساعدة، وتحدثت معه عن العلاقات مع الدول المجاورة والوضع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

وبشأن كل المباحثات، كان الوضع في الشرق الأوسط وموقفنا من القضية الفلسطينية داخلاً في صلب حديثي مع كوسيغين، وكنا وما زلنا نرى قضية فلسطين جوهر الصراع في الشرق الأوسط، وقضية العرب الأولى في صراعهم مع إسرائيل، وأكدنا للسوفيات رفضنا لمشروع روجرز بشأن الشرق الأوسط، ولكن الجانب السوفياتي لم يكن يتفق مع وجهة نظرنا في هذه المسألة.

تحدث كوسيغين بدوره، مبتسماً وقال إنه مسرور لزيارتنا لبلاده، وأعرب عن احترام الاتحاد السوفياتي لثورتنا، وتقديرهم لنظامنا الوطني ومدى أهميته في المنطقة. وأشاد بالمواقف التي تتخذها اليمن الديمقراطية على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وتطرق إلى موقف موسكو من قضية الشرق الأوسط، فقال: «إننا نؤيد نضال الشعوب العربية العادل ضد الإمبريالية والصهيونية، ومن أجل استعادة أراضيها المحتلة»، وقال إن بلاده ترى من الضروري توحيد الصف العربي لمواجهة أعداء الشعوب العربية حتى يستطيع العرب إجبار إسرائيل على القبول بحلول مقبولة.

قرض سوفياتي

ويستدرك الرئيس ناصر في كلامه ويقول:" ولما كان الحديث، مثلما هي العادة، في شطره الأول كله سياسياً، حسبما تقتضي قواعد «البروتوكول»، فقد بادرت في أول فرصة بعد تبادل الكلمات، فطرحت على الجانب السوفياتي في المباحثات المشاريع التي أعددناها، طالباً دراستها وإمكانية تقديم قرض سوفياتي لتنفيذها.

بنتيجة التشاور، كان الاتفاق على تشكيل لجان فنية من الجانبين لدراسة التعاون الاقتصادي والفني والعلمي والعسكري بين البلدين.

كانت المساعدات الاقتصادية والمالية ذات أهمية كبيرة لنا لتنفيذ مشروعاتنا الاقتصادية الهادفة إلى التغلب على الصعوبات والمشاكل، وبدرجة أساسية البطالة والعجز المالي والاعتداءات العسكرية الخارجية، وكان السوفيات لا يقدمون المال، ولكنهم يساعدون سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

صباح العاشر من تشرين الأول/أكتوبر وصل «كوسيغين» إلى دار الضيافة الواقع في تلال لينين المشرفة على موسكو حيث مقر إقامتي، وكان قد جاء لوداعي قبل أن أتوجه إلى «فولغا غراد، واقترح أن أطرح ما أريد الحديث عنه ونحن في طريقنا إلى المطار، فأخذت مكاني إلى جانب «كوسيغين» في المقعد الخلفي في سيارته السوداء «الليموزين» وجلس المترجم على المقعد أمامنا.

ويتابع حديثه قائلا:" وقفت بنا السيارة قريباً من الطائرة التي ستقلني إلى مدينة «فولغا غراد»، وودعني «كوسيغين» حتى السلَّم وقال: «لن أقول لك وداعاً، ولكن إلى اللقاء وأنت في طريقك إلى مدينة فولغا غراد التي نعتزّ بتاريخها وبطولاتها وصمودها في الحرب العالمة الثانية». وكانوا يتجنبون ذكر اسمها القديم «ستالينغراد»، خصوصاً بعد التغييرات التي قادها الزعيم السوفياتي خرتشوف الذي أمر عام 1961م بنقل جثمان جوزيف ستالين إلى مقبرة الزعماء ، والذي كان يرقد إلى جانب رفيقه لينين في الكرملين وأصبح مزاراً للسياح والوفود الصديقة للاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية لاحقاً. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي ارتفعت الأصوات التي تطالب بنقل جثمان لينين كغيره من الزعماء، ولكن روسيا رفضت لأنهم يرون فيه رمزاً قومياً وطنياً وأممياً.

وكانت نتائج الزيارة إيجابية على النحو الآتي:

تقديم قرض بمبلغ 5 ملايين روبل (نحو ستة ملايين دولار) لتطوير مشاريع الري والقنوات الرئيسة في وادي حضرموت والاستمرار في الأعمال المائية الجيولوجية التي تكتسب أهمية في تطوير الزراعة.

تقديم قرض بنحو 4.5 ملايين روبل (5 ملايين دلاور) لإنشاء مصنع لتعليب الأسماك، وإنشاء الثلاجات الخاصة به وتطوير صناعة الأسماك وتقديم ثلاثة مراكب للصيد بتسهيلات ائتمانية.

الموافقة على إنشاء حوض جافّ لبناء السفن طاقته 6 آلاف طن، وورش للصيانة.

وفي المجال العسكري وطبقاً للاتفاقية المعقودة في عامي 1971/1972م بين البلدين والبالغة قيمتها 32 مليون روبل، فقد تمخضت الزيارة عن الموافقة على تزويد قواتنا المسلحة بزوارق وناقلات للمشاة، ومدافع مضادة للطيران، وأسلحة هاون وعربات مصفحة، وعدد من الرشاشات والبنادق الأوتوماتيكية.

وصلت بالطائرة الروسية TU 134 إلى مدينة (فولغا غراد )، وكان في استقبالنا كبار المسؤولين فيها الذين نظموا لنا برنامجاً حافلاً لزيارة أهم المعالم التاريخية لهذه المدينة البطلة التي بنيت بعد الخراب والدمار الذي لحق بها في الحرب العالمية الثانية، وسجلت أروع البطولات في تاريخ الاتحاد السوفياتي، وخصوصاً في معركة ستالينغراد ، وقد صف الشاعر التشيلي بابلو نيرودا معركة ستالينغراد بقوله: «إن وسام البطولة هنا يزين صدر الأرض».

وقد أدت هذه الحرب إلى تدمير جزء كبير منها، وحرص مضيفونا على أن يروني آثار التدمير التي ألحقتها الطائرات الألمانية بالمدينة. وأروني أيضاً شوارع بأكملها أعادوا بناءها من جديد. وبعد الحرب فُتحَت قناة فولغا – دونسك للنقل النهري وبنيت أضخم محطة كهرباء كهرومائية في أوروبا، وقد زرتها.

وزرتُ النصب التاريخي «لأبطال معركة ستالينغراد على مرتفع مامايف» ويقع على مساحة 107 هكتارات ويتوسطه نصب «الوطن الأُم ينادي». يبلغ الارتفاع الكلي للنصب 85 م وأصبح تمثال المرأة التي تحمل السيف بيدها رمزاً للمدينة وبطولتها. وشرح لي مرافقي أن الهدف من إِبقاء بعض المباني مدمرة، تقديم درس للأجيال الجديدة التي لم تعاصر الحرب، وهدفهم أن يعرفوا من طريق آثار التدمير حقيقة هذه الحرب، ومآسيها. فلقد ألحقت الحرب العالمية الثانية خسائر فادحة بالاقتصاد السوفياتي، والمدن السوفياتية، والجيش السوفياتي، وبالشعب الذي خسر أكثر من عشرين مليون نسمة دفاعاً عن البشرية.

سكود في عدن

واشار في حديثه  :"اغتنمت الأجواء الطيبة للزيارة، ووجود متسع لدى الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف لاستقبالي، وبحثت معه في مكتبه في الكرملين العلاقات الثنائية بين بلدينا، وتحدثنا هذه المرة كصديقين، وقد عزز لقائي الأول إياه في عام 1973م علاقتي به. كان بريجنيف في نظري هذه المرة مثل كتاب مفتوح يُقرأ بسهولة، وقد نظرت إليه بإمعان، وأعجبت بجبهته الواسعة وحاجبيه الكثيفين وكأنني أرى ذلك لأول مرة.

وفي هذا اللقاء منح الاتحاد السوفياتي اليمن الديمقراطية قرضاً ومساعدة عسكرية واقتصادية بـ(600) مليون روبل، وكنّا، لأول مرة نحصل على صواريخ سكود. صاروخ سكود من بين الأسلحة التكتيكية التي صممها الاتحاد السوفياتي السابق في فترة الحرب الباردة، وقد دخل الخدمة الفعلية في نهاية العقد الخامس من القرن الماضي، ولكنه خضع لعملية تطوير كبيرة اعتباراً من مطلع العقد السادس، ما مكنه من حمل كميات كبيرة من المتفجرات أو حتى الرؤوس الحربية غير التقليدية. ويتجاوز طول الصاروخ 11 متراً، ويعتمد على محرك يعمل بالوقود السائل، وهو أسرع من الصوت بعدة مرات .

إن حصول اليمن الديمقراطية على صواريخ سكود له قصة ينبغي أن تروى. ففي 16- 19 كانون الثاني/يناير عام 1978م كنت في زيارة لبلغاريا، وقابلت الرئيس البلغاري «تيودور جيفكوف» الذي سألني: لماذا لا تطلبون صواريخ سكود من السوفيات؟!

قلت له: لقد طلبناها منهم بالفعل وقالوا إنهم سيدرسون الأمر، وقد طالت الدراسة. ردّ جيفكوف الذي كان يعرف السوفيات جيداً بالقول: «حاولوا مرة أخرى» ولفت نظري إلى الأهمية الاستراتيجية العسكرية لهذه الصواريخ، وقبل كل شيء أهميتها السياسية في ردع أي عدوان من الدول المجاورة. وقال: «حين يشعر جيرانكم بأنكم مسلحون بصواريخ سكود، سيحسبون لكم ألف حساب، خوفاً على حقول نفطهم»، ولكنه حذرنا من استخدامها إلا في حالة وجود مخاطر حقيقية على النظام.

صواريخ سكود في عدن

ويستطرد الرئيس ناصر في حديثه وقال:" هذا الحديث لقي وقعاً حسناً في نفسي، ولذلك أدخلت صواريخ سكود في مباحثاتي مع المسؤولين السوفيات خلال زيارتي التي بدأت حديثي هذا بها. وقد أدت المباحثات إلى نتائج تاريخية في علاقاتنا، إذ إن السوفيات وافقوا في نهايتها على إعطائنا صواريخ سكود، ومنحنا قرض الـ (600) مليون روبل كما تقدم. أسهمت هذه الصواريخ في ضمان الحماية لليمن الديمقراطية. وعند التوقيع عليها التفت بريجنيف نحوي وقال: عليكم الاستفادة منها للتهديد، وليس للاستخدام. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يزود الاتحاد السوفياتي هذه الصواريخ دولة خارج منظومة حلف وارسو، ولم أكن أتصور حينئذ ونحن نحصل على صواريخ سكود أنه سيأتي يوم تستخدم فيها لضرب المدن اليمنية، وكان ذلك خلال حرب 1994م. لكن أول تجربة للصاروخ جرت أثناء مناورة عسكرية ولأول مرة يطلق من صلاح الدين باتجاه أحور شرقيّ عدن، وحدد له هدفاً، وقد نجحت التجربة، وحقق الصاروخ هدفه في الصحراء، وليس في المدن.

البحث عن بديل

ويستدرك في حديثه ويقول :" غير أن الكرم السوفياتي المفاجئ اقترن بعقبة حقيقية كادت تعصف بالعلاقة بين البلدين، إذ منذ أن ساءت علاقات الاتحاد السوفياتي بالصومال في عام 1977م، وإنهاء الرئيس الصومالي سياد بري الوجود العسكري السوفياتي في ميناء بربرة الاستراتيجي على القرن الإفريقي، ظل الروس يبحثون عن بديل يعوّضهم خسارتهم هناك، وكان هذا البديل في نظرهم ميناء عدن الذي يتميز بأهمية استراتيجية فائقة.

كان الاتحاد السوفياتي يعتبر سياد بري صديقه، ولحظة ظهوره في مركز القيادة في الصومال في تشرين الأول/أكتوبر عام 1969م أو بعده بقليل، أعلن نفسه ماركسياً لينينياً معتنقاً الاشتراكية العلمية، وقدم نفسه صديقاً للسوفيات، ونصب تماثيل ماركس وأنجلز ولينين في ميادين عاصمته مقديشو. وذهب إلى المؤتمر الخامس والعشرين للحزب الشيوعي السوفياتي في موسكو، وألقى خطاباً رناناً في الكرملين تجاوز في طروحاته وشعاراته الماركسية كثيراً من الخطباء من قادة الأحزاب الشيوعية العريقة. لكن سياد بري هذا حَوّل الدفة فجأة 180 درجة، كما يقال، من موسكو إلى واشنطن، في لحظة تخلى فيها عن كل شعاراته السابقة، ودمر كل التماثيل التي بناها في بلاده لماركس وأنجلز ولينين. والأهم من هذا كله أنه انتقل إلى الهجوم وطرد الروس من قاعدة بربرة، وسلمها لأعدائهم الأميركان، وسبّب ذلك القلق والارتباك، وربما الذعر للسوفيات.

لعلنا نتذكر كيف كانت تبدو منطقة القرن الإفريقي مهمة وحيوية في فترة السبعينيات، كما هي اليوم، وكيف تبادلت موسكو وواشنطن المواقع. فبعد أن فقد الروس قاعدتهم المهمة في بربرة، باتوا يبحثون عن البديل. وقع اختيارهم على اليمن الديمقراطية، أو على عدن على وجه الدقة. فوجئنا في 20 كانون الأول/ديسمبر عام 1977م بنائب الرئيس الكوبي «كارلوس رافائييل» يزورنا في عدن بإيعاز من السوفيات، في محاولة لإقناع القيادة اليمنية بتقديم التسهيلات إلى الروس في ميناء عدن بدلاً من التي فقدوها في الصومال.

لست أدري، إذا ما كان السوفيات يحتاجون فعلاً في تلك الأيام إلى وسيط بين موسكو وعدن.. ولكنني أعتقد جازماً أنهم كانوا لا يزالون حائرين. فحسب كل المعطيات لديهم، لم يكن الرئيس سالم ربيع علي موضع ثقتهم، ولا يعدّونه صديقهم، بل على العكس، كانوا يرونه صديقاً لعدوتهم اللدود بكين.

أذكر أنه كان هناك تباين في وجهات النظر في أوساط القيادة اليمنية في عدن عند مناقشة الوساطة الكوبية، واستقر الرأي على إعطائهم تسهيلات في أي ميناء آخر، مثل بروم في حضرموت، أو في جزيرة سقطرى أو في بئر علي في أقصى الشرق، ولكن ليس في ميناء عدن تحديداً. وكان هذا الموقف يتسم ببعض المرونة، فهو من ناحية لا يرفض منح السوفيات التسهيلات التي يطلبونها بصفة قاطعة، لكنه اقترح أماكن غير التي يطلبونها، ويحتاج تجهيزها إلى وقت طويل، بينما كان السوفيات في حاجة إلى قرار سريع، وإلى مكان سابق التجهيز تتوافر فيه كل الخدمات التي فقدوها في ميناء بربرة، ولن يجدوا مكاناً في تلك المواصفات غير ميناء عدن الذي يبدو حتى أفضل من بربرة.

وكان الأمين العام عبد الفتاح إسماعيل بالذات قد اختار العلاقة مع السوفيات دون حدود. ويروي الدكتور أوليغ بيريسيبكين الذي عمل دبلوماسياً في جمهورية اليمن الديمقراطية بعض وقائع هذه العلاقة في كتابه المشار إليه :

«كان لقاؤنا الأول مع عبد الفتاح إسماعيل الأمين العام للجبهة القومية، في مقر إقامته في المعاشيق المبنية على مرتفع صخري، ويوجد في القرب منارة عالية وعدة بيوت سكنها سابقاً أغنياء عدن وكبار الموظفين البريطانيين. وهنا امتلك أنطوني بيس الشهير بلقب «ملك البحر الأحمر»، وهو رجل أعمال بريطاني معروف من أصل فرنسي، بيتاً. أما المنزل الذي استضافنا به عبد الفتاح إسماعيل، فكان مبنياً على صخرة مرتفعة، وتطل نوافذه على منظر خلاب يبهر الأبصار على خليج عدن. كانت الأمواج تتحطم بأسفل الصخور المترامية على الشاطئ وكنا نرى زبد الموج المتشتت بصمت وهدوء من جراء ضربه للصخر الشامخ لدرجة لا تسمع شيئاً حولك، وهذا ما أعطى صبغة سحرية للمنظر وكأنه لوحة خيالية خلابة.


وفدا روسيا إلى عدن

ويتابع الرئيس علي ناصر حديثه ويقول :" كان مقر عبد الفتاح إسماعيل مؤلفاً من مكتب صغير وعدة غرف تتصل مباشرة ببهو توزعت فيه عناصر الحراسة والخدم، وكان الأمين العام مرتدياً حلة شبيهة بالقميص وفوقه بزة بأزرار زرقاء اللون، وكذلك كان لون البنطلون، عمره كما يوحي شكله قرابة الثلاثين، نحيف، يوهم الناظر من الوهلة الأولى أنه خريج جامعي جديد.

جلسنا على كراسي منخفضة، وطرح سؤالتً عن رغبتنا في ما نريد أن نشرب: شاي، قهوة، مشروب بارد؟ استقر رأينا على شرب الشاي، وأثناء حديثنا عن الطقس في موسكو وعدن، أحضر لنا الخدم الشاي بالحليب:

«نحن نشكر أصدقاءنا السوفيات من كل قلبنا لإرسالهم لنا وفداً رسمياً».

وكان يتكلم بلغة فصيحة وسليمة، كانت كل كلمة من خطابه واضحة ومفهومة بالنسبة لي. لقد حدثني أحدهم في موسكو بأنه كان معلماً، وأثناء تحرير البلاد من الاحتلال كان قائداً لمجموعة مسلحة أظهرت الروع للجنود الإنكليز.

مضيفاً: «زيارتكم لنا مهمة جداً – قمنا في 22 حزيران/يونيو 1969 بحركة تصحيحية وتحررنا من القيادة البرجوازية، التي عرقلت مسيرة التطور في البلاد، فثورة 14 تشرين الأول/أكتوبر الشعبية لم تتجلّ فقط بالحرب الوطنية ضد المستعمر الإنكليزي والسلاطين، بل وضعت نصب عينيها الثورة الشعبية الديمقراطية، وأخذنا على عاتقنا مصير هذه الثورة الشعبية الديمقراطية. والشعب يؤيدنا في ذلك».

وفي سياق آخر على تطور هذه العلاقة يروي الكاتب الواقعة الآتية :

في 20 كانون الثاني/يناير عام 1973م كنت عند عبد الفتاح إسماعيل، ولم يكن يلتزم البروتوكول، وكان بإمكانه أن يخابرني في السفارة ليقول لي: «اليوم سأتناول على العشاء سمكاً فإذا أردت تعال»، وبالطبع كنت أريد، ومع تحديد الوقت كنت أتوجه إلى منزله في معاشيق. في هذه الدار عاش معلمي الأول للغة العربية فلاديمير كراسنوفسكي، وبعدها انتقل للعيش هناك سيرغي سولوفبوف، وهو أيضاً مستعرب وأحد معارفي الجيدين. لقد عملا مترجمين في المدرسة العليا للاشتراكية العلمية، وساعداني على فقه نصوص المدونات الزراعية في حضرموت ويوميات أحد المقربين من سلطان لحج التي عثرا عليها في مبنى المدرسة وسلماني إياها. من الطبيعي أن زيارتي لعبد الفتاح إسماعيل كانت تجري بالاتفاق مع السفير بولياكوف، كما العادة كانت تُعَدّ مادة كافية للتقرير الدوري إلى موسكو. أبلغ عبد الفتاح إسماعيل عن أعمال جلسة اللجنة المركزية للجبهة القومية وعن تطورات الصلات الحزبية الخارجية وضرورة زيادة مساعداتنا للجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي بالنظر إلى أن شاه إيران ألقى بـ 600 جندي في ظفار بقيادة ضباط بريطانيين من أجل مقاتلة المنتفضين، وعن رغبته في السفر إلى موسكو للعلاج. في هذا الوقت أجرت الجبهة الشعبية لتحرير عُمان مفاوضات مع حزب العمل العربي الناشط في المناطق الغربية من عُمان حول الاتحاد، ولذلك فإن الحاجة هي إلى التشجيع والدعم كما رأى عبد الفتاح إسماعيل. من جهتي أبلغت أن علي ناصر محمد كان في موسكو والتقى سفراء الدول الاشتراكية في موسكو وأبلغهم بالأوضاع في اليمن الجنوبي وحوله، ومن وجهة نظري هي خطوة صحيحة للغاية وعاقلة. نهاية الاقتباس.

(للحديث بقية)