آخر تحديث :الخميس-18 أبريل 2024-03:56م

ملفات وتحقيقات


تحليل: ما الصعوبات التي تواجه توزيع الثروات والإيرادات بين مناطق الحوثيين والحكومة؟

الإثنين - 27 نوفمبر 2023 - 07:00 ص بتوقيت عدن

تحليل: ما الصعوبات التي تواجه توزيع الثروات والإيرادات بين مناطق الحوثيين والحكومة؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل يتناول إمكانية تقسيم الثروات في اليمن لحل الأزمة وإنهاء الحرب وعلاقته بعرقلة التسوية السياسية..

ما أسباب تعثر اتفاق التهدئة.. وما علاقة تقاسم عائدات النفط بعرقلته؟

ما الذي يطالب به الحوثيون.. وما موقف الشرعية والانتقالي من مطالب المليشيات؟

كيف يمكن معالجة مشكلة تقاسم الثروات.. وهل عائدات النفط كافية لتغطية هذا التقاسم؟

هل يمكن أن يدوم هذا الحل السياسي.. أم أنه حل مفخخ ويحمل بذور فشله؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

قرابة عشر سنوات من الحرب والأزمة اليمنية، كانت كفيلة بتعقيد الملفات الساخنة والشائكة وجعلها أكثر سخونةً وتعقيدا، بعد أن تشعبت وتفرعت تفاصيلها حتى تمكن الشيطان من السكون فيها، وبمجرد أية محاولة لتفكيك تلك التفاصيل قد تؤدي إلى تفجير الموقف بين أطراف الصراع، حتى ولو تمت التسوية السياسية التي ينشدها اليمنيون، ويتمنون أن تكون عادلة ومنصفة قدر الإمكان.

ولعل أبرز تلك الملفات التي باتت اليوم معقدة وشائكة للغاية، بل ومفخخة، هي ملف المرتبات، وهو الملف الذي عصف بالمشاورات الأخيرة في الرياض بين السعوديين والحوثيين، وتسبب بعرقلتها، بعد أن اتفق الجميع على أن يكون مصدر صرف المرتبات هي عائدات النفط وموارده التي أوقفها الحوثيون بتهديداتهم وقصفهم لموانئ التصدير في المناطق المحررة، وبالتالي التحكم في توجيه قنوات صرفها.

ثمة تسريبات تتحدث عن فشل اتفاق التهدئة والتسوية السياسية بسبب خلافات عاصفة حول طريقة وآلية توزيع وتقاسم عائدات تصدير النفط، بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والتي يطلق عليها بالمناطق المحررة، وبين مناطق سيطرة مليشيات الحوثي الانقلابية، وذلك بعد اشتراط هذه الأخيرة أن تستحوذ على ما نسبته 70 - 80 % من إيرادات النفط المصدر، بعد إنجاز الاتفاق.

وهو اشتراط يصب في نطاق محاولة تحكم لم تغب عنها الانتهازية الحوثية المعهودة، ومحاولة الاستحواذ على أكبر نسبة من نسب الإيرادات، تحت مبررات كثيرة يراها البعض منطقية، بينما تراها قوى سياسية مناهضة دون وجه حق، لكن في نهاية المطاف فإن هذه الخلافات جعلت من تقاسم الثروات وتوزيعها أبرز عقبة من عقبات إنجاز التسوية واتفاق التهدئة.

> توزيع وتقاسم الثروات

كانت مشكلة توزيع الثروات من أكثر المشكلات التي عانت منها اليمني خلال العقود الثلاثة الماضية، وهي شرارة من شرارات الاحتجاجات التي عصفت بالبلاد منذ عام 2011، وكانت هذه النقطة هي المحور الأساسي لمؤتمر الحوار الوطني خلال عامي 2013 و2014 قبيل الانقلاب الحوثي المشؤوم.

بل إن هذه الجزئية ذاتها هي التي قادت الانقلاب الحوثي على الدولة تحت مبرر إسقاط الجرعة السعرية، التي أقرتها حكومة باسندوة بهدف وإثقال كاهل الفقراء وإثراء الأغنياء والمسئولين، بحسب ما زعمه الانقلابيون حينها، غير أن الحوثيين أنفسهم ما زالوا يتحدثون اليوم عن مظلومية الشعب رغم أنهم هم المسئولون عما وصل إليه اليمنيون من جوع وتردي معيشي بسبب انقلابهم.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حتى ذهبوا لطرح هذه الإشكالية على طاولة المفاوضات وعرقلتها تحت مبرر منح الموظفين في مناطق سيطرة المليشيات النسبة الأكبر من عائدات النفط بعد أن يتم استئناف التصدير بناء على أي اتفاق، حيث تكالب المليشيات بما نسبته من 70 - 80 % من الإيرادات، بينما يذهب الباقي إلى الموظفين في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية بالمحافظات المحررة.

وبرر الحوثيون (قسمتهم الضيزى) هذه بأن الموظفين في مناطق سيطرتهم هم الأكثر عددا، عطفا على نسبة السكان في المناطق الشمالية من اليمن، مقارنة بعدد الموظفين في مناطق سيطرة الشرعية، والتي في غالبيتها محافظات قليلة السكان، وهي حجة ديموغرافية تعتمد على التعداد السكاني لمناطق شمال اليمن، غير ذات صلة بما نتج من واقع مأساوي في المناطق المحررة التي يتكدس فيها ملايين النازحين غالبيتهم موظفين فروا من مناطق سيطرة المليشيات بسبب قصف وقمع وبطش الحوثيين بحقهم.

هذا التوزيع والتقاسم الذي اشترطه الحوثيون، القائم على أساس الكثافة السكانية في مناطقهم؛ كفيل بالعصف بأية مفاوضات ومشاورات سياسية، وهو ما كان بالفعل من مصير اتفاق التهدئة الذي لم يكتب له النجاح، بسبب تعنت الانقلابيين الحوثيين واشتراطهم تقاسم الثروة والإيرادات النفطية بهذا الشكل الذي طرحوه على طاولة التفاوض.

> صعوبات أمام التقاسم

انتهازية الحوثيين لم تستطع المضي في طريقها، حيث واجهت هذه المرة موقفا موحدا من مكونات الحكومة الشرعية بكاملها، بمن فيهم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي رأى في اشتراطات الحوثيين تلك تجنيا على تضحيات الجنوبيين الذين قدموا دماءهم رخيصة في تحرير مناطق الجنوب ومحافظاته من التواجد المليشياوي الحوثي.

كما أن الحكومة الشرعية هي الأخرى رأت في شروط الحوثي عدم إنصاف، في ظل تورط المليشيات ومسئوليتها عن الحرب التي أودت بحياة الآلاف من اليمنيين، وغيرت حياة الملايين منهم وأحالتها إلى كابوس لا يعلم أحد بنهايته، وبالتالي فلا بد لهذه الجماعة من أن تتحمل مسئوليتها وليس المطالبة بمكافئتها بهذا الشكل الذي اشترطته.

موقف الشرعية والانتقالي هذا من اشتراطات المليشيات الحوثية منطقي هو الآخر، بل إنه أكثر منطقية من مبررات الحوثيين الواهية المرتبطة بعدد السكان والموظفين، ولسان حال الشرعية والانتقالي يقول إن الجماعة الحوثية مسئولة عن المواطنين والموظفين في مناطق سيطرتها، من خلال إيراداتها التي تأتيها عبر ميناء الحديدة الذي يعمل حاليا بكامل طاقته القصوى، ويمنح الحوثيين إيرادات بملايين الريالات تكفي لدفع مرتبات كافة الموظفين.

ومن هذا المنطلق، ترى الحكومة اليمنية بقسميها الشرعية والانتقالي أن تقاسم عائدات النفط لا يجب أن يخضع لمعايير عدد السكان أو عدد الموظفين، بقدر ما يخضع لمعايير حجم الإيرادات وتوزيعها بحسب كشوفات الموظفين عام 2014، سواء كان هؤلاء الموظفين مازالوا يتواجدون في مناطق الحوثي أو نزحوا إلى المحافظات المحررة.

كما أن ثمة أمرا لا بد من الوقوف عنده، ويتمثل في أن عائدات النفط وحدها قد لا تفي بمتطلبات صرف مرتبات موظفي مناطق الحوثي ومناطق الحكومة بشكل كامل، بل إن الشرعية كانت تواجه مشكلات في انتظام صرف مرتبات الموظفين التابعين لها حتى قبل إيقاف تصدير النفط، فما بالنا بصرف مرتبات الموظفين في مناطق الحوثي.

> ما الحلول الممكنة؟

وسط هذا الجدل بين الحكومة الشرعية بكافة مكوناتها من جهة، وبين مليشيات الحوثي الانقلابية من جهة أخرى، فإن ثمة تدخل ما، وقد يأتي هذا التدخل من السعوديين، الذين يجتهدون حثيثا لإنهاء الصراع في اليمن، ربما لحسابات خاصة بما ستقدم عليه السعودية من استثمارات ومشاريع منفتحة على العالم، وتحتاج لاستقرار حقيقي في المنطقة بعيدا عن أي تهديد لما تخطط له على المدى البعيد.

وعليه، فإن هناك من يرى أن الرياض قادرة، بل ومستعدة للتكفل بدفع مرتبات الموظفين اليمنيين شمالا وجنوبا، لمدة ستة أشهر، وهو ما جاء في تفاهمات التفاوض الجاري، بحسب التسريبات، خاصة وأن عائدات النفط المصدر من اليمن لن تكفي بصرف مرتبات كافة الموظفين في مناطق الحوثيين ومناطق الحكومة الشرعية.

لكن هذا الحل يحمل بذور تجدد الصراع في داخله، حيث إن ما بعد الشهور الستة التي ستتعهد فيها السعودية بصرف المرتبات لا تبدو المرحلة التالية واضحة، وكيف سيتم صرف المرتبات بعد ذلك، وحتى لو قيل إن الصرف سيتم من عائدات النفط، فهي غير كافية للقيام بهذه المهمة.

وهنا يثار تساؤل كبير، عن الأسباب التي تحول دون استئناف تصدير الغاز المتوقف هو الآخر منذ سنوات، ففي حالة تصدير الغاز مرة أخرى، فإن عوائده وإيراداته تفوق أضعافا مضاعفة عائدات النفط، وتكفي بكل تأكيد بتسديد مرتبات كافة موظفي اليمن، سواء في مناطق الحوثيين أو المحافظات المحررة، وعندها تستطيع الدولة أن تواجه التزاماتها، عطفا على العائدات الضخمة من تصدير الغاز.

كل تلك الحلول والمعالجات يمكن لها أن تتجاوز عقبة الخلافات بين الشرعية والحوثيين تجاه موضوع المرتبات، وطريقة تقاسمها وآلية توزيعها، لكن حتى يتحقق هذا الحل بشكل مُرضي للجميع، يحتاج الأمر إلى اتفاق تهدئة وتسوية سياسية تضمن سريان أية تفاهمات بشكل سلس وطبيعي دون أية منغصات أو عرقلة من أي طرف.

ولعل أهم تلك الضمانات هو نزع أو تحييد سلاح الحوثيين وترسانتهم العسكرية وتأمين ظهور اليمنيين من أي غدر حوثي بعد أي اتفاق مرتقب، وما دون ذلك فإن أي تفاهم سياسي فد يكون مفخخا، وقد ينفجر في وجوه الجميع لأنه حمل بذور فشله منذ بداية إقراره، وهو ما لا يريده اليمنيون لواقعهم ومستقبلهم.