آخر تحديث :الخميس-29 فبراير 2024-07:25م

ملفات وتحقيقات


أطفال اليمن المولودون في المهجر.. غصة السؤال عن العائلة (تقرير)

الخميس - 23 نوفمبر 2023 - 03:06 م بتوقيت عدن

أطفال اليمن المولودون في المهجر.. غصة السؤال عن العائلة (تقرير)

(عدن الغد) وليد عبدالواسع - بلقيس:

يكاد الطفل "كنان" -3 سنوات ونصف- حين يحدثه والده عن عمه، أو عن جدّته، أن يُصاب بالحيرة، وكأنه يتساءل ببراءة: من هي الجدة؟ وماذا يعني العم والخال، وغيرهم من أفراد الأسرة (الذين لا يعرف عنهم "كنان" المولود في جمهورية مصر سوى مسميات، كغيره من الأطفال المولودين في بلدان المهجر)؟

أطفال كُثر جاءوا إلى الحياة، وكبروا دون أن يلتقوا بأفراد عائلاتهم كالأجداد والجدات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وباتوا يعانون من مشاكل كثيرة، لعل أبرزها افتقاد الدفء الأسري، والاضطرابات السلوكية.

 "بالنسبة لأطفالنا -نحن كمهاجرين خارج الوطن- من الصعب أن تبني فيهم ثقافة الترابط الأسري"، يقول الصحفي عيبان ياسين في حديثه لـ"موقع بلقيس"..

 

 - معنى الأسرة المحيّر:

سؤال هؤلاء الأطفال عن أفراد عائلاتهم البعيدة عنهم بات غصَّة يعيشها آباؤهم بشكل يومي.. وفي اليوم العالمي للطفولة، الذي يُصادف 20 نوفمبر من كل عام، يبدو هؤلاء الأطفال منسيين من قِبل المنظمات والمحافل الدولية والمحلية المعنية بحقوق الطفل.

بعبارة موجزة يلخص "عيبان" غصة السؤال هذا: "ليته وُلد شاباً.. فمن الصعب جداً أن نُوصل لهم معنى الأسرة"..

 ويُضيف: "أطفالنا وُلدوا ولم يروا أو يحتكوا بأي شخص من أفراد الأسرة، عكس أولئك المولودين داخل الوطن الأصل، فمثلا في اليمن الطفل يرى العائلة كاملة ربَّما، أو العدد الأقل، إذا استطعنا أن نقول ذلك، إذ يكبر، وكذلك الجيران، ويعيش حياته في الوسط العائلي، ويحس بدفء الأسرة، لكن كما تعرف أنت في خارج الوطن يعيش على وجهين فقط: الوالد والوالدة".

وبحسب والد كنان، إذا أردنا أن نعلمهم أو نربطهم بأفراد الأسرة، حين يبدأون بالكلام، تكون هناك صعوبة كبيرة لدى الأب بكيفية إقناعه بأن هناك أسرة بعيدة تريد أن يتعرّف عليها، لذا يكبر الطفل وهو لا يعرف ذلك الدفء العائلي.

 "أحياناً أفتح له القنوات اليمنية، وأظل أشرح له عن اليمن، في محاولة لإكسابه هذا الاسم، كي يخزِّنه في ذاكرته.. مشت الأمور مع ولدي "كنان" حتى أصبح يسألني حين يرى طائرة: بابا هذه مسافرة لليمن"، يعقِّب عيبان..

بعد لقائه بجدّته، التي زارت مصر قبل شهرين تقريباً، صار "كنان" كل ما خرج في نزهة برفقة والديه إلى الحديقة ينادي كل من يصادفهن من النساء كبيرات السن بالجدّة، وآخر يمر بجواره في الشارع فينادي له يا "عم".

يعلق عيبان: "أصبح يستوعب بقدر سِنه أن الناس الذين في الشارع كلهم أعمامه، وأي امرأة ينادي لها "يا جدّة"، لكنه لم يميِّز المعنى، رغم أنه التقى بجدّته مرّة واحدة..".

 

- طفولة خاسرة:

باحثون ينبِّهون من تبعات افتقاد الأطفال حميمية العائلة على مستقبلهم، وما قد يترتّب عنها من سلوكيات مضطربة.

تؤكد رئيسة منصة "إكسير للطفولة" -الصحفية آية خالد- أن الأطفال المولودين في المهجر يفتقدون حميمية الأسرة، التي يعيشها الأطفال المولودون داخل اليمن.

تقول في حديثها لـ"موقع بلقيس": "دائماً ما نظل في دائرة المقارنة: هل الأطفال في اليمن يعيشون حياة مستقرة، أم الأطفال الذين خرجوا، وما نسميهم بالناجين، يعيشون حياة أفضل؟".

"وفي الحقيقة هي أن الناجين ربحوا حق الحياة الآمنة، والبيئة المناسبة، لكن بالمقابل قد يكونوا خسروا الحياة الأسرية التي يجب أن يعيش فيها أي طفل، خاصة الحياة العائلية بقرب كل الأسرة"، تضيف آية.

تنوِّه رئيسة منصة "إكسير للطفولة" بأن الطفل يظل بحاجة مستمرة إلى تواصل وتجمع عائلي، فهو نوع من الاحتواء الذي يفتقره أطفال المهجر، اللذين تقتصر حياتهم الاجتماعية على الأبوين فقط.

تقول: "أتحدث عن الأطفال في بلدان المهجر، حيث يعيشون في بيئة ضيقة، وعلاقات محدودة جداً، ومقطوعين تماماً، عن العالم الداخلي الذي يربطهم بالأهل".

عن دور منصة "إكسير"، تشير آية خالد إلى أنهم دائماً ما يُوصون الأهالي بضرورة ربط أطفالهم بالحياة المجتمعية في الداخل؛ من خلال التواصل المستمر مع الأهل، وكذلك سرد تفاصيل الحياة لهم هناك، والذكريات الجميلة.

وتؤكد أن "هذا يخلق لدى الطفل صورة ذهنية جميلة عن بلده، بعيداً عن الصورة الملغومة بأن اليمن بلد حرب وموت فقط". 

وتفيد بوصولهم حالات كثيرة لأطفال كهؤلاء يعانون من مشاكل نفسية، واضطرابات سلوكية، وتأخّر بالنّطق؛ بسبب عدم الانخراط مع الآخرين، وسماعهم أكثر من لهجة، أو لغة، أو عدم انخراطهم مع أطفال من عمرهم.

 

- فرحة أم غصة:

تبدو حال "أم رهام" مختلفة قليلاً عن "عيبان"، في جانب التعرف بعائلاتهم، فأطفالها الثلاثة المولودون في المملكة العربية السعودية كانوا دوماً ما يسألون عن أهلهم في اليمن، لكن الغصة تبدو نفس الغصة في كلتا الحالتين. 

بعد كل مكالمة هاتفية، كانت تجريها "أم رهام" لمحادثة عائلتها، وعائلة زوجها في اليمن، كان أطفالها يسألون من هؤلاء الذين تكلمهم.. ولا يترددون بالسؤال عن اليمن، وطلب صُور عن بلدهم، كما حدث مرات عديدة أثناء تواصلهم عبر الفيديو مع جدَّتهم. 

"بعد ما كُنت أخلِّيهم يتكلمون في الجوال مع جدِّهم أو عمتهم أو خالهم، أو أي واحد من الأهل، كانوا يسألون: من هذا؟ أنا كم عندي جد؟ كم عندي خال؟ كم عندي خالة؟"، تقول "أم رهام".

وتؤكد، في حديثها لـ"موقع بلقيس"، أن فرحتهم كانت تزداد كل ما جاء أحد الأقارب لزيارتهم، وينبسطون بشكل غير طبيعي.

تتملّك السعادة "أم رهام" كثيراً كل ما سألها أولادها عن أهلهم، وعن اليمن، ولا يلبثون يعبِّرون عن أمنيّاتهم في السفر إلى وطنهم الأم، الذي لا يعرفون عنه سوى اسم بلد مزَّقته الحرب.. 

وهو ما تستغله الأم لتعريف أطفالها ببلدهم، وربطهم به شعورياً، من خلال جرعة مبسّطة عن مناطق اليمن السياحية والجغرافية، في محاولة منها لغرس حبِّهم بوطنهم. 

 

- بين التعلق والتطرف:

بالنسبة لأطفال المهاجرين، في نظر الأستاذ عبدالله الأمير -معالج نفسي- فإنه يحصل شوق مبالغ فيه للموطن الأول، وللأسرة الممتدة البعيدة عنه، ولثقافة هذا الموطن والبيئة، وهو ما ينجم عنه ما يسمى "توتر الحنين" المتعلق بالغربة.

في حديثه لـ"موقع بلقيس"، يرى الأمير أن هذا النوع من التوتر يخلق حالة من التعطش والانغماس بدرجة كبيرة في الثقافة، التي أتى منها، وهنا يحصل عملية تطرّف. 

يقول: "من خلال متابعتنا لعلاج بعض حالات الأطفال المهاجرين، وجدنا أنهم يكونون مُنشدِّين بدرجة كبيرة للثقافة التي أتوا منها، إلى درجة المغالاة والتطرّف، كنوع من التعويض للحنين الموجود داخلهم، ما يجعلهم يتمسكون بأي شيء يرتبط ببلدهم، وأسرهم البعيدة عنهم".

ويشير إلى أن "الأطفال هؤلاء كل ما أحسوا بالحنين أحسوا بالغربة داخل المنطقة التي يعيشون فيها، مما يؤدي أو يتسبب لهم بضعف نفسي هائل جداً". 

ورغم تكيّف غالبية الأطفال مع البيئة، التي يعيشونها، لكن بسبب الفروق الفردية، بعض الأطفال لا يستطيعون التكيّف، لذا يمرون بحالة "تعلّق"، بمعنى أنهم لا يتكيفون مع أهلهم الذين يفتقدون إليهم، وبين الواقع الذي يعيشونه، وفق تشخيص الأمير.

ويعتبر أن مثل هذه الحالات من النقاط الصعبة، فبعض الأطفال لا يستطيعون أن يصرِفون حنينهم بطريقتهم مع الدولة، التي يعيشون فيها، فيحدث لهم؛ إما عملية تطرف أو "تعلّق"، مؤكداً أن كثيرا من هؤلاء الأطفال يعيشون هذه الأوضاع وسط معاناة صعبة، حتى إن أسرهم لا تشعر بهم.