آخر تحديث :الإثنين-17 يونيو 2024-01:04ص

ملفات وتحقيقات


الرئيس علي ناصر: معمر القذافي ظل يهتف في خطاباته "طز في أمريكا".. وهكذا انتهى به الأمر(38)

الأحد - 17 سبتمبر 2023 - 06:56 م بتوقيت عدن

الرئيس علي ناصر: معمر القذافي ظل يهتف في خطاباته "طز في أمريكا".. وهكذا انتهى به الأمر(38)

إعداد/د. الخضر عبدالله:

معاهدة عدن الثلاثية

ضمن سلسلة من اللقاءات اجريناها  مع الرئيس علي ناصر .. الذي  سبق ان تحدث في العدد الماضي  عن علاقات اليمن الديمقراطي مع  إثيوبيا و جيبوتي.. وفي هذه العدد ينقلنا إلى مسألة معاهدة عدن الثلاثية ..وقال مستدركا في حديثه:"ثمة صلات تاريخية وجغرافية بين العرب والأفارقة، ففي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين عندما بدأت إفريقيا والبلاد العربية تحلم باستقلالها، قادت ظروف الترابط والنضال والمصير المشترك إلى التعاون لإنقاذ شعوبها من قبضة هؤلاء الدخلاء الأجانب، ومعروف تماماً الدور الذي كان لمصر عبد الناصر في إيقاظ القارة الإفريقية، والدعم الذي قدمه جمال عبد الناصر إلى الثوار في الكونغو وغانا وجنوب إفريقيا وناميبيا وحركة التحرر الإفريقية.

وأدركنا، ربما قبل غيرنا، العلاقة العضوية بين الثورة العربية والثورة الأفريقية التي تمثّلها إثيوبيا الحديثة. ولهذا عندما انفجرت قضية حرب أوغادين بين الصومال وإثيوبيا، وكنا على علاقة وثيقة بثورة تشرين الأول/أكتوبر الصومالية قبل أن يغير اتجاهها الرئيس محمد سياد بري، أدركنا على الفور أن الأعداء يستخدمون الحرب بين الدولتين الجارتين في معركتهم لتصفية الثورتين الإثيوبية والصومالية معاً. 

خطأ الجنرال بري 

ويكمل الرئيس ناصر حديثه ويقول:"الجارتين في معركتهم لتصفية الثورتين الإثيوبية والصومالية معاً. 

هذا الخطأ وقع فيه الجنرال محمد سياد بري بكل أسف، كما وقع فيه العديد من العرب بموقفهم من الثورة الإثيوبية. وبهذا الموقف انزلقوا إلى معاداة إثيوبيا دون أن يروا المشروع الذي تمثّله في إرساء نظام مستقل وإلغاء تبعيتها للغرب، وإلغاء علاقتها الخاصة بالصهيونية ودولة إسرائيل، ومد جسورٍ بينها وبين العرب والثورة الفلسطينية، وتأكيد انتمائها إلى قوى الحرية والتقدم وصفوف الشعوب المناضلة.

ومضى يقول :" في عام 1977 اخترقت قوات الجنرال محمد سياد بري الحدود بين البلدين، ووصلت إلى أوغادين، محرزة انتصارات في المرحلة الأولى من الحرب. وشنّت القوات الإثيوبية بدورها هجوماً معاكساً لاستعادة سيادتها على الإقليم. وشكّل هذا تهديداً جدياً، لا للبلدين الجارين فحسب، بل لأمن القرن الإفريقي وللمنطقة التي كنا جزءاً لا يتجزأ منها ولسلامها.

وللتاريخ أقول، إنه من هنا بدأ المسعى للقيام بعمل نوعيّ من هذا القبيل، تبلور فيما بعد بما عرف باتفاقية أو معاهدة عدن الثلاثية.

طز طز يا أمريكا 

ويشرح  الرئيس ناصر قضية ليبيا مع خصمها واشنطن حيث قال :" أما بالنسبة إلى ليبيا، فإن علاقات اليمن الديمقراطية بها مرّت بمراحل عديدة معقدة، لكنها كانت دائماً أخوية ومبنية على الصدق والصراحة والاحترام المتبادل.

وكنا نتابع مواقف واشنطن المعادية في عهد الرئيس ريغان، حيث تحركت أجهزتها السرية بكل ما أمكنها لإسقاط نظام العقيد القذافي. ووجهت بهذا الصدد اتهامات كثيرة شارك في تدبيرها جهاز الاستخبارات الأميركية، مدعية حسب تقارير وكالة الاستخبارات الأميركية الـ(C. I. A) أن ليبيا حصلت في شهر كانون الأول/ديسمبر 1980م على أحد عشر كيلوغراماً من «اليورانيوم» من الاتحاد السوفياتي لاستخدامها في مركز أبحاث تاجورا، بالقرب من العاصمة الليبية، طرابلس . والكذبة نفسها سيستخدمها بوش الابن لغزو العراق بعد عدة سنوات.

أصبحت المواجهة حتمية بين واشنطن ونظام العقيد القذافي، بعدما أصبح مصدر قلق للولايات المتحدة ولرئيس الـ «سي إي إيه» وليام كيسي. أكد مقال ورد في «النيوزويك» أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية مصممة على قلب نظامه، بل قتله  وفرض حصار اقتصادي على ليبيا. وهددت أميركا بالعدوان السافر على ليبيا، وبالفعل نفذت عدوانها عندما قامت الطائرات الأميركية (من طراز اف/14) بطلعات استفزازية يوم 19 آب/أغسطس 1981م فوق «خليج سرت» وأسقطت طائرتين ليبيتين تصدتا لها ، في عمل استفزازي يبدو أنه لم يكن موجهاً إلى ليبيا وحدها، بل إلى الحدث الذي كان يصنع في عدن لحظتئذ. وجابه العقيد القذافي الاعتداء بخطاب حماسي في ميدان «الشهيد الحبيشي»أكد فيه أن الشعب العربي الليبي لا يخشى أميركا. وأخذ يهتف والجماهير من بعده «طز.. طز يا أميركا».

القذافي الذي حيّر السوفيات والألمان

ويسترسل الرئيس علي ناصر في حديثه وقال :" في إحدى الزيارات لأديس أبابا في منتصف عام 1981، توقفنا، أنا والرئيس منغستو هيلامريام، في أثناء نقاش بيننا أمام هذه الفكرة، فكرة إقامة معاهدة صداقة وتعاون بين اليمن الديمقراطية وليبيا وإثيوبيا. كنت أنا والرئيس منغستو قد توصلنا إلى اقتناع مشترك بأهمية هذه القضية نظراً لأن الوضع من حولنا كان يزداد تفاقماً في ذلك الحين. وهذا ما كان يعزز رغبة بلدينا أكثر فأكثر في التقارب. ليس ثمة حاجة إلى القول إنني ومنغستو كنا متفاهمين على ذلك أشد التفاهم. وكنت مقتنعاً بأن إضافة ليبيا إلى هذه المعاهدة ستُضفي عنصراً حيوياً على طابع العملية التي نحن بصددها. ولكن الرئيس الإثيوبي الذي لم تكن له معرفة كافية بالزعيم الليبي تساءل حينذاك: إلى أي مدى سيكون معمر القذافي جاداً معنا لعقد مثل هذه المعاهدة؟!

قلت عن معرفة سابقة بالزعيم الليبي: إن معمر هو معمر. له طبيعة وسمة خاصة به في العلاقة بالدول، وله حساباته الخاصة أيضاً، وإذا اقتنع بشيء وقرر المشاركة فيه فسيفعل.

إنه معمر القذافي! 

وفصل الرئيس علي ناصر في حديثه كيف شرح لمنغستو  من هو معمر القذافي  فقال :" قصصت على منغستو الحوار الذي دار بيني وبين أحد المسؤولين السوفيات في آذار/مارس 1973 عندما دعيت إلى حفلة عشاء أقامها على شرفي رئيس الوزراء السوفياتي إليكسي كوسيمين وكنا جالسين إلى المائدة عندما بادرني بوريس باناماريوف، وهو يومذاك سكرتير العلاقات الخارجية للحزب الشيوعي السوفياتي قائلاً: من هو معمر القذافي؟!

تصرفت على نحو عادي جداً وقلت: هو معمر القذافي!

قال: أعرف ذلك، لكن...

قلت: ماذا تريد أن تعرف عنه؟

قال: أريد أن أعرف الكثير من المعلومات، عن شخصيته الغريبة. فهو معادٍ للإمبريالية ومعادٍ للاستعمار والعنصرية والصهيونية والرجعية، ومعادٍ في الوقت نفسه للشيوعية. فكيف يكون ذلك؟ ومن هو في هذه الحالة. إنه أكثر من لغز محيِّر بالنسبة إلينا؟!

لم أزد على القول الذي سبق أن قلته: «إنه معمر القذافي!» وضحك بنماريوف وانتهى السؤال والجواب عند هذا الحد.

لم يكن السوفيات وحدهم الذين يحيرهم أمر القذافي ، بل الألمان الشرقيون أيضاً كانوا في حيرة من أمرهم. وكان الرئيس الألماني إيريش هونيكر مهتماً بشخصية العقيد معمر القذافي، وأجرى معه حـواراً طويـلاً حول الماركـسية اللينينيـة والنظريـة العالميـة الثالثة التي ابتدعها القذافي، وقد نقل إليّ هونيكر بعض ما دار بينهما في ذلك الحوار، ومما قاله القذافي له: إن الاشتراكية في ألمانيا تعني اشتراكية الدولة ورأسمالية الدولة، وإنه مكتوب لها الفناء، لأنها لا تستند إلى الشعب بعكس نظرية «شركاء لا أُجَرَاء» التي ينادي بها القذافي، ونصح هونيكر بتطبيق النظرية العالمية الثالثة، واستلهام «الكتاب الأخضر» لمواجهة معضلات ألمانيا، وأبلغه أنه على استعداد لأن ينزل شخصياً إلى المزارع والمصانع الألمانية لإقناع العمال والفلاحين بذلك، وأنه مستعد لتقديم الدعم إلى ألمانيا الديمقراطية إذا وافق على ذلك. وقال لي هونيكر إن القذافي تحدث عن خطورة الشيوعية والإلحاد، وأبدى استعداده لبناء عشرة مساجد أخرى في ألمانيا، وأنه يعتقد أن هونيكر إذا طبق النظرية العالمية الثالثة، التي لا تتعارض مع الإسلام والمسيحية، فإن عدداً من الألمان سيفاضل بين المسيحية والإسلام والإلحاد من جهة ثالثة، وقال إنه على ثقة بأنهم أو بعضهم سيُسلمون. واستغرب هونيكر وقال: إن معظم شعبنا لا يذهب إلى الكنائس، فكيف سيذهب إلى المساجد التي سيبنيها القائد الليبي معمر القذافي؟! سكت قليلاً وسألني: من هو معمر القذافي؟ فقد حيّرني كما حيّر حلفاءنا في المعسكر الاشتراكي، وفي مقدمتهم السوفيات، فهو معارض للشيوعية والرأسمالية والاستعمار والإمبريالية والرجعية في الوقت نفسه. وصمت وهو يحرك رأسه وحاجبيه مستغرباً، وسألني مرة أخرى: من هو؟

قلت له: إنه معمر القذافي! ولم أعلّق أكثر من ذلك... ضحك هونيكر وسكتنا وانتقلنا إلى موضوعات أخرى.

بعد أن رويت تلك الحادثة لمنغستو، تابعتُ قائلاً:

حسناً، إن معمر القذافي شخص ذكي، وليس كما يحلو للبعض أن يصوره بالجنون وقد حكم ليبيا بعد ذلك 42 عاماً حتى سقوط نظامه، وبذلك سقطت معه النظرية الثالثة كما انهار النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي وبقية دول المنظومة الاشتراكية في نهاية 1981م وعام 1991م.

ولكنه بعد ذلك خيب آمال الجميع عندما تنكر للوحدة العربية والقومية العربية وانتقل بنشاطه وماله وفكره إلى ما سمّاه «الفضاء الإفريقي» الذي وجد فيه ضالته، وخصوصاً عند بعض الحكام الأفارقة، وأطلقوا عليه بعد ذلك لقب «ملك ملوك إفريقيا» وأُصيب بجنون العظمة بعد أن حكم ليبيا أكثر من أربعين عاماً. " 

(للحديث بقية) ..