آخر تحديث :السبت-20 يوليه 2024-09:14ص

ملفات وتحقيقات


تحليل: هل تمثل جلسة البرلمان اليمني الافتراضية الأخيرة تحركاً للعودة إلى الواجهة؟

الخميس - 14 سبتمبر 2023 - 07:18 ص بتوقيت عدن

تحليل: هل تمثل جلسة البرلمان اليمني الافتراضية الأخيرة تحركاً للعودة إلى الواجهة؟

(عدن الغد)خاص:

قراءة في محاولات مجلس النواب اليمني استعادة نشاطه السياسي مؤخرا..

ما الذي يدفع البرلمان للتحرك في هذا التوقيت بالذات؟

هل شعر مجلس النواب أن هيئة التشاور والمصالحة ستأخذ مكانه؟

تحرك مجلس النواب الآن.. وبعد سنوات طويلة.. هل هو تحرك في الوقت الضائع؟

ما الذي قد يقدمه البرلمان.. وهل يمكن أن يعيد الأمور إلى طبيعتها؟

عودة البرلمان.. كيف ستؤثر على علاقته ببقية السلطات الأخرى؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

يُطلق كثيرون على مجلس النواب اليمني لقب الأطول عمرا في تاريخ المجالس البرلمانية على مستوى العالم، فقد قارب عمر هذا المجلس عقدين كاملين من الزمان، وخلال العشرين عاما لم تجرَ أية انتخابات برلمانية في اليمن، التي كان آخرها عام 2003، وما زال الفائزون في تلك الانتخابات يمثلون الشعب اليمني حتى اليوم.

تداخلت عوامل سياسية وحزبية، وصراعات بين قوى المعارضة والحزب الحاكم في اليمن، أفصت إلى تفاهمات بتأجيل انتخابات مجلس النواب، رغم أن انتخابات رئاسية أقيمت عام 2006، وكانت المنافسة فيها على أشدها، غير أن البرلمان لم يكن مستعدا لدخول المنافسة الانتخابية لحسابات وتفاهمات بين القوى الحزبية.

وساهمت اضطرابات عام 2011، أو ما يعرف بـ "الربيع العربي" بترحيل الانتخابات البرلمانية، وحتى ما قبل عام 2011، تم التوافق في عام 2009 على تأجيل الانتخابات بغرض الانتهاء من قانون "الإصلاح الانتخابي"، غير أن أحدا لم يدرك أنه بعد عامين ستدخل البلاد نفقا لن تخرج منه، وبالفعل ظل البلاد داخل هذا النفق حتى اليوم، بل أكثر من ذلك حين انهار النفق على رؤوس أصحابه.

فقد جاءت الحرب بكل أوزارها لتضيف سنوات أخرى إلى عمر البرلمان اليمني، الذي دخل هذه السنة عامه العشرين، ليسجل رقما قياسيا في تاريخ البرلمانات العالمية، كأطول برلمان في العالم على الإطلاق، غير أنها عشرون عاما خاملة تماما، في ظل توقف تام، عن أنشطته وانعقاد أي جلساته خلال قرابة نصف تلك الفترة تقريبا.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحركا ما للمجلس، بدأ بشكل انعقاد جلسة هي الأولى من نوعها في مدينة سيئون خلال شهر ابريل من عام 2019، والتي تعد أول جلسة لمجلس النواب اليمني منذ عام 2015، وقبيل الحرب بأشهر قليلة فقط، رغم ما اعترى جلسة سيئون من نزاعات حول قانونيته وشرعيتها، بالإضافة إلى مكان انعقادها الذي تزامن مع رفض واحتجاجات بعض القوى السياسية في الداخل.

لكن للتحرك الأكثر لفتا للانتباه، كان ما أقدم عليه المجلس البرلماني في اليمن قبل أيام، من الانعقاد بطريقة غير عصرية -حد تعبير أحدهم- وعبر تقنية حديثة من خلال تطبيق (الزووم)، كأول جلسة من نوعها، فرضتها ربما اعتبارات وعوامل عديدة منها صعوبة تجميع أعضاء المجلس المتناثرين في دول الجوار وحتى في بعض محافظات الداخل، بالإضافة إلى الخلافات والنزاعات السياسية التي تتجاذب ممثلي الشعب بناءً على انتماءاتهم وخلفياتهم السياسية والحزبية.

هذه الجلسة على غرابتها، وما أثارته هي الأخرى من جدال حول قانونيتها، وعدم مأمونية الوسائل التقنية في ظل قدرة جهات معادية على اختراق هذه الجلسات غير المحمية، مستفيدة من العدد الكبير للحاضرين والمشاركين، إلا أنها كانت تحركا يجب الوقوف عليه كثيرا، والتطرف دلالاته ومعاني انعقاده في هذا التوقيت تحديدا، المليء بالتجاذبات السياسية والحزبية بين القوى اليمنية، والتي فرضت على ما يبدو هذا التحرك من المجلس وانعقاد هذه الجلسة "غير التقليدية".

كما لا يمكن إغفال أن هذه الجلسة تأتي في ظل العديد من الملفات الخدمية والتنموية التي أثيرت خلال الأسابيع الماضية، والتي قادت إلى مواجهات كثيرة بين السلطة التشريعية المتجسدة في البرلمان، وبين السلطة التنفيذية المتمثلة في الحكومة اليمنية، والتي تعالت وتصاعدت فيها المواجهات وصلت حد تبادل الاتهامات، وهو وإن كان أمرا صحيا من الناحية الديمقراطية في مواجهات السلطات، إلا أنه اتخذ أبعادا غير مرغوبة، وفق مراقبين وسياسيين.

> العودة إلى الواجهة

يرى متابعون أن مجلس النواب اليمني أصبح مؤسسة سيادية على الهامش، نتيجة كل تلك المراحل السياسية التي مر بها منذ عام 2009، مرورا بأحداث عام 2011، وحرب عام 2015 التي قسمت البرلمان ما بين مجلس تابع المليشيات الحوثية في صنعاء، وآخر موالٍ للشرعية اليمنية يتخذ أعضاؤه من الخارج مقرا لتواجدهم.

ومنذ عام 2019، وتحديدا عقب تعيين البرلماني سلطان البركاني رئيسا للمجلس، بدأ الرجل في محاولات إعادة البرلمان الى الواجهة واستعادة دوره في التدخل بالشئون العامة للدولة، وإحداث نوع من المساءلة للحكومة ومراقبة أدائها ومحاسبتها إذا أمكن، وهذا هو الدور والمهمة الرئيسية لأي برلمان يمثل الشعب في أي مكان من العالم.

غير أن هذا السبب، لم يكن الوحيد الذي حكم عودة مجلس النواب إلى الواجهة مرة أخرى، فهناك الكثير من العوامل التي يبدو أنها فرضت هذه العودة، وعلى رأس هذه العوامل تأتي قضية توتر العلاقة بين مجلس النواب ونظيره مجلس الوزراء، على خلفية قضايا خدمة وتنموية، وفي مقدمتها قضية شركة الاتصالات التي شكلت موضوع مواجهة قوية بين المجلسين، فيما عرف ببيان اللجنة البرلمانية التي درست القضية ورفعت بتقريرها، الذي لم يخلُ من الاتهامات التي طالت الحكومة ورئيسها.

قد يكون الصراع الأزلي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الأنظمة الديمقراطية هو ما يثير هذه المواجهة بين البرلمان اليمني والحكومة اليوم، فهما سلطتان متناقضتان، الأولى تراقب وتساءل وتحاسب الثانية على ما تنفذه وتقوم به من خدمات وفق ما يقره المُشرع المتمثل في مجلس النواب، بما فيها تنفيذ الاتفاقيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

لكن ظروف مجلس النواب وغيابه طيلة تلك الفترة قد يكون هو السبب في قيام الحكومة بتجاوز الرأي التشريعي في مختلف الاتفاقيات والأعمال التي تقوم بها وتبرمها، خاصة أن الوضع الاستثنائي للبلاد يقرض مثل هذه التوجه الذي يخلي مسئولية الحكومة عن أي التزام قانوني ودستوري من هذا النوع، ويعاضد هذا الرأي أن الحكومة الحالية حكومة استثنائية بطبعها وحكومة مرحلية تتوافق والوضع الراهن.

ولعل في هذا ما يُغري البرلمان على العودة للواجهة مجددا؛ بهدف ضبط أعمال الحكومة التنفيذية ومنحها صفة القانونية، أو هكذا تحاول قيادة البرلمان أن تروّج له، كما لا يمكن إغفال الإجراءات الأخيرة التي قام بها مجلس القيادة الرئاسي ومؤسسات الدولة الأحرى والحكومة وغيرها بالالتقاء بهيئة التشاور والتصالح، وهي الهيئة التي يعتبرها كثيرون تحل محل مجلس النواب وتقوم مقامه في مثل هذه المرحلة الاستثنائية من وضع البلاد.

وإذا كان الأمر كما يبدو، فإن تحرك مجلس النواب للانعقاد الآن وفي هذا التوقيت تحديدا، وبعد كل هذه السنوات الطويلة؛ يهدف إلى قطع الطريق للتعامل مع أي جهة قد تأخذ مكانه، كما أنه يأتي في ظل أعمال حكومية في الجانب الخدمي والتنموي والإيرادي تحتاج -من وجهة نظر البرلمان- إلى تدخل تشريعي وقانوني يوقف العبث بالمال العام أو محاولات بيع مؤسسات إيرادية للدولة وخصخصة قطاعات سيادية كالاتصالات وغيرها.

> ما التغيير المتوقع؟

يعتقد البعض أن عودة البرلمان للتحرك سيؤدي إلى تغيير الوضع العام لعمل الحكومة، وضبط أنشطتها التي يجب أن تكون متوافقة مع التشريعات والقوانين السيادية النافذة، وإشراك مجلس النواب في كل الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية ومراقبتها.

ويأتي هذا ربما بهدف رغبة البرلمان في إعادة الأمور إلى طبيعتها، وتهيئة الحياة السياسية في اليمن إلى عودة تسلسلها المقبول كما كانت قبل الحرب على الأقل، غير أن آخرين لا يرون في تحركات مجلس النواب سوى محاولة لتقييد عمل الحكومة، ووضعها تحت رحمة البرلمان، وإيجاد سبب في التدخل الخدمي والتنموي للمشاريع التي تسعى الحكومة إلى تنفيذها، والتي لم تمر -قانونيا- إلا بموافقة تشريعية من السلطة التشريعية التي يعبر عنها مجلس النواب.

غير أن الواقع السياسي الراهن للبلاد اليوم يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن هذه التحركات ستؤثر في علاقة مجلس النواب مع الحكومة، وهو ما حدث بالفعل مؤخرا، من خلال بيان اللجنة البرلمانية، ورد رئيس الحكومة على البيان عبر مؤتمر صحفي زاد من توتر العلاقة بين الجانبين، وهو ما لا يتمنى استمراره أي متابع، ويرجو أن تكون عودة البرلمان لصالح العمل السياسي والخدمي في اليمن وليس ضده، ويغير من العلاقة بين السلطات نحو الأفضل.