آخر تحديث :الإثنين-17 يونيو 2024-10:20م

فن


"عمرو جمال" والإنجاز الفردي السينما في اليمن ما زالت تنطلق من (كوخ) جعفر في عدن!

الثلاثاء - 18 يوليه 2023 - 09:27 م بتوقيت عدن

"عمرو جمال" والإنجاز الفردي السينما في اليمن ما زالت تنطلق من (كوخ) جعفر في عدن!

عدن((عدن الغد)) خاص

خلال النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، أنجز المصور اليمنيّ، جعفر محمد علي، فيلمَه السينمائي الروائي (من الكوخ إلى القصر)، وعُرض جماهيريًّا لأول مرة، في مدينة عدن، عام 1965م، على مسرح مدرسة البادري في حي (كريتر)، وعُدَّ بذلك أول فيلم بتاريخ السينما في اليمن، كما هو "مدوّن في سجل السينما العالمية"، وفقًا للإعلامي شكيب عوض.
لكن من الإنصاف هنا التذكير بأن أول فيلم أُنجز، قبل ذلك، في اليمن، كان فيلم (عبث المشيب) عام 1951م، كما ورد في كتاب (ظهور السينما وتجربة الإنتاج السينمائي بحضرموت) للصحفي علي سالم اليزيدي، غير أنّ هذا الفيلم لم يُعرض جماهيريًّا.
اعتمدت تجربة الإنتاج السينمائي الروائي المتواضعة في اليمن على الإنتاج الفردي لمبدعين، عشقوا فن السينما، ولم ترتقِ إلى مستوى الإنتاج المؤسسي، ومنذ التجارب الأولى المتواضعة، وحتى الآن، برزت أسماء عديدة من الفنانين، الذين قدّموا أعمالًا سينمائية متباينة المستويات، غير أنّ تجربة الفنّان عمرو جمال، خلال السنوات الأخيرة بدت لافتة، وهذا بالطبع لا يقلل من تجارب الآخرين، وأبرزهم الفنان المخرج د. سمير العفيف.
وخلال المرحلة، منذ فيلم (من الكوخ إلى القصر) للمصور جعفر محمد علي، عام 1965م، وحتى فيلم (المرهقون) للمخرج عمرو جمال، عام 2023م، ظلّ الفيلم السينمائي اليمني رهن الإنجاز الإبداعي الفردي، وإن كان الأخير اعتمد دعمًا لجهات مانحة، أي إن العمل السينمائي الروائي، ما زال يولد في (الكوخ) الخاص للفرد المبدع.
فن السينما إنتاج وصناعة ذات تكلفة عالية وتحتاج إلى إمكانيات مالية كبيرة، لاعتمادها كوادر كثيرة، ومستلزمات تقنية ومعامل، وكذلك تسويق، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالأفلام الروائية، ما يعني وجود شركات إنتاج سينمائي كبيرة. 
اللافت، تاريخيًّا، أن اليمنيين عرفوا السينما في وقت مبكر من القرن الماضي، في مدينة عدن، وتحديدًا في عام 1918م، عندما شاهد جمهور المدينة، لأول مرة العروض السينمائية، في دار عرض متواضعة، كان موقعها في حارة (القطيع) بمدينة كريتر، وكانت العروض السائدة فيها للأفلام الهندية، بحكم أنّ تلك الحارة بدرجة أساسية تميزت بسكن الجالية الهندية أو الأسَر التي يعود أصلها إلى الهند.
هكذا تعرّف اليمنيّون على هذا الفنّ، بعد 23 عامًا من أول عرض سينمائي في العالم كله، في باريس عام 1895م، لتظهر بعد ذلك دار سينما (هريكن)، التي أسّسها (طه مستر حمود)، الذي يعتبر ملك السينما في عدن، بحكم أنه امتلك دُور عرض مختلفة في مدينة عدن.
ورغم معرفة اليمنيين لفن السينما مبكرًا، فإنهم لم يصلوا إلى مرحلة صناعة السينما، وتعثرت الخطوات الجادة الأولى، نتيجة ظروف الصراع السياسي في جنوب البلاد، وأحبط معها بالتالي مشروع وطني لصناعة السينما في اليمن، لتتضاءل الفرص وتختفي كليًّا بعد ذلك في السنوات التالية، حتى وصل الأمر إلى ضياع دور العرض السينمائي في عموم البلاد، بعد منتصف تسعينيات القرن الماضي، لأسباب عديدة.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ البداية الحقيقية والصحيحة، في مجال الإنتاج السينمائي، كانت مع إنشاء المؤسسة العامة للسينما في جنوب اليمن عام 1972م، أي بعد الاستقلال من الاستعمار البريطاني بخمس سنوات، وتزامن ذلك مع إيفاد العديد من الشباب لدراسة فن السينما بجميع تخصصاته خارج البلاد، ودارت العجلة حينها وأنجزت المؤسسة 45 فيلمًا تسجيليًّا وعددًا من المجلات السينمائية الإخبارية، مستعينة في إنتاج بعضها بخبرات عربية فلسطينية وعراقية، وكانت تعرض في دُور السينما بالمحافظات، كما شاركت بعضها في عدة مهرجانات دولية بفئة الأفلام الوثائقية والتسجيلية، وحصلت على جوائز هامّة.
ورغم البداية بإمكانات فنية متواضعة فإن استمرارية العمل قد وضعت اللبنات الصحيحة لخلق سينما وطنية يمنية خالصة، حينها، وأُنشئت دائرة الإنتاج السينمائي في المؤسسة، وبدأ مع مطلع الثمانينيات الترتيب لإنتاج الأفلام الروائية، كما وُضع مشروعٌ لبناء إستوديو لإنتاج الأفلام الوثائقية.
خلال ثمانينيات القرن الماضي حضّرت المؤسسة العامة للسينما في عدن، لإنتاج فيلم روائي، للتوثيق لثورة 14 أكتوبر، وفعلًا جاء بعضٌ من الفنّانين العرب، مثل: المخرج المصري صلاح أبو سيف، ويوسف شاهين، والمؤلفة فتحية العسال، والفنان عبدالرحمن أبو زهرة، وسينمائيين من الاتحاد السوفييتي، آنذاك، إلى عدن لهذا الغرض ولكن تعثر الأمر، بسبب وضع البلاد حينها، وهو ما أكّده لي الإعلامي شكيب عوض والمخرج السينمائي خليل غانم، في أحاديث صحفية سابقة أجريتها معهما، فيما طرحت فكرة، لإنتاج فيلم عن رواية (الرهينة) للروائي اليمني زيد مطيع دماج، وكان من المفترض أن يخرجه المخرج المصري الشهير صلاح أبو سيف.
كانت آخر جهود المؤسسة العامة للسينما في عدن، قبل عام 1990م، حصولها على موافقة الحكومة، بمنح المؤسسة أرضية واسعة في منطقة العريش بضواحي عدن، لإنشاء مدينة إنتاج سينمائي، وهو الأمر الذي كشفه مدير المؤسسة، حسين محمد عبدالله، الذي تحمّل مسؤولية المؤسسة في دولة الوحدة.
ومثّل نهاية النصف الأول لتسعينيات القرن الماضي، بداية الانهيار في اليمن للدور الرسمي تجاه فن السينما، وخاصة بعد حرب العام 1994م، حيث تخلت الحكومة عن هذا الدور، رغم الوجود الشكلي للمؤسسة، التي لم تمنح أية موازنة للإنتاج، بالتزامن مع هجمة تطرف ديني تجاه الفنون، ومنها السينما، وإغلاق دُور السينما في المحافظات.
إزاء وضع كهذا، برز الدور الفردي لعاشقي السينما في اليمن، فيما تبنّت منظمات مدنية، غير حكومية، محاولات إنتاج الأفلام التسجيلية والوثائقية، منخفضة التكلفة، بدعم مؤسسات دولية مانحة، ما خلق قاعدة لانطلاق مواهب عديدة في مسار فن السينما، غير أنّ إنتاج الأفلام الروائية السينمائية ظل بعيدًا عن ذلك، حتى بدأ قلة من الفنّانين مرحلة جديدة لإنتاج سينما روائية -ساعدهم التطور التقني في ذلك- وفق ما تيسر من إمكانيات، لتظهر، لاحقًا، أفلام يمنية، مثل فيلم (الحنين) للمخرج د. سمير العفيف، ولاحقًا (عشرة أيام قبل الزفة) للمخرج والمؤلف عمرو جمال.
لماذا لم أذكر أفلامًا (يمنية) أخرى، مثل: (يوم جديد في صنعاء القديمة) للمخرج البريطاني يمني الأصل بدر بن الحرسي؟ لأن فيلمه من إنتاج بريطاني أوروبي، وفيلم (الرهان الخاسر)، هو فيلم تلفزيوني كذلك، فيلم (القارب) من إنتاج التلفزيون اليمني، إلى جانب أعمال سينمائية أخرى لا يمكن تصنيفها كأفلام روائية أو حسبانها إنتاجًا يمنيًّا.
جاء اختيار المخرج عمرو جمال، مايو 2023م، كأول مخرج من اليمن، ضمن قائمة 101 للأكثر تأثيرًا في صناعة السينما العربية، يطلقها مركز السينما العربية سنويًّا على هامش مهرجان (كان) السينمائي، وهو الذي فاز في فبراير 2023م بفيلمه الروائي (المرهقون) بجائزتين من منظمة العفو الدولية ضمن فعاليات النسخة الـ73 من مهرجان برلين السينمائي الدولي، وحصل على جائزة الفيلم الأكثر تأثيرًا، كما حصل أيضًا على المركز الثاني كأفضل فيلم روائي في قسم البانوراما بتصويت الجمهور، خلال المهرجان نفسه.
إنجازات الفنان عمرو جمال تضعه اليوم واجهة مبشرة في مسار العمل السينمائي باليمن؛ نظرًا لموهبته اللافتة ونشاطه الفني الدؤوب، وعنايته باختيار موضوعاته ومعالجتها فنيًّا، وكذلك بأبطال أعماله من الممثلين، فهو يتسم، عادة، بالتأني والحذر الإيجابي، والاعتماد على نصوصه هو، قبل أن يُقدم على أي من أعماله الفنية، والاشتغال على متطلبات تلك الأعمال بفنية احترافية ورقي ملحوظ، والاستعانة بكوادر فنية أجنبية، ومشاركة إنتاجية خارجية، كما في فيلمه (المرهقون).
ليس ببساطة أن يترك الفرد أثرًا في مجتمعه، غير أنّ الفنان عمرو جمال، استطاع، خلال أقل من عقدين، بإدراكٍ واعٍ وفنّي، أن يلفت أنظار أفراد المجتمع في وضع صعب ومعقّد تعيشه البلاد، ويقدم نفسه كقدوة للشباب المثابر، عندما وضع قدمه في مسار فن الدراما باليمن، خاصة في فن المسرح، والدراما التلفزيونية والسينما الآن، بعد إبعادٍ قسري للفنون شهدته البلاد، وإحباط شديد نال من كبار المشتغلين في الدراما، فكان أن ملأ الفراغ بجدارة، فقدّم قصة نجاح شاب استثنائي، يعمل بصمت، ودون ضجيج، انطلاقًا مع (فرقة خليج عدن)، التي أسّسها في مدينة عدن عام 2005م.
اشتغال الكثير من الشباب المبدعين، خاصة في إنتاج الأفلام القصيرة، وباحترافية ملحوظة، مستفيدين من صناديق الدعم الفني العالمية، أمرٌ يبشر بمستقبل جيد للسينما، وخطوة أولى جادة لإنتاج سينما يمنية روائية، غير أنّ الأمر يتطلب إنشاء بنية تحتية، تعتمد العمل المؤسسي، سواء أكان في القطاع العام الحكومي أم في القطاع الخاص، ما لم فسيظل الأمر عملًا فرديًّا، ينطلق مبدعوه من (كوخ) المصور جعفر محمد علي.

 

عبد الرحمن أحمد عبده