آخر تحديث :الأربعاء-12 يونيو 2024-09:54م

ملفات وتحقيقات


الرئيس علي ناصر يروي تفاصيل العلاقات بين اليمن الديمقراطية والجزائر وجامعة الدول العربية

الأحد - 04 يونيو 2023 - 03:02 م بتوقيت عدن

الرئيس علي ناصر يروي تفاصيل العلاقات بين اليمن الديمقراطية  والجزائر وجامعة الدول العربية

إعداد / د. الخضر عبدالله :

الصديق بو تفليقة

حدث الرئيس علي ناصر محمد الرئيس السابق  لجمهورية لليمن الديمقراطية الشعبية  في هذا العدد حول  العلاقة مع الرئيس الجزائري عبدالغزيز بوتلفيقة  وقال في حديثه :" عرفت الصديق العزيز عبد العزيز بو تفليقة منذ أكثر من 40 عاماً عند لقائنا إياه في قمة بغداد، ثم في الجزائر عشية وفاة الرئيس بو مدين عام 1978. كنا قد وصلنا مع عدد من زعماء العالم والعالم العربي، من بينهم الرئيس حافظ الأسد ومعمر القذافي وجعفر النميري وغيرهم للمشاركة في تشييع جنازة القائد الجزائري، وبينما كنا نستعد للتحرك نحو الضريح وصل الرئيس جعفر النميري، كنت جالساً بين الرئيس حافظ الأسد ومعمر القذافي الذي صرخ ما إن رأى النميري والشرر يتطاير من عينيه: وصل «العميل الخائن»، وطلب منا ألّا نقف للسلام عليه، ولكن الرئيس الأسد ابتسم ونظر نحوي ووقف للسلام عليه وقمت بدوري لتحيته، وذلك احتراماً للموقف والمناسبة، لكن القائد الليبي التفت إلى الخلف حتى لا يقف ولا يشاهده، وكان ذلك تعبيراً عن بلوغ الأزمة ذروتها بين مؤيدي كامب ديفيد ومعارضيه، إضافة إلى التعبير عن الانتقاد لدوره في ترحيل الفلاشا عبر السودان إلى إسرائيل.

تجمّع القادة حول قبر القائد لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، وتقدم عبد العزيز بوتفليقة  وتحدث عن القائد بومدين ومواقفه الوطنية والقومية والدولية، وقال: «وداعاً يا هواري بومدين، وداعاً يا من علمتنا كيف يموت الإنسان العظيم في صمت وكيف يحترق إلى النهاية كي يبدد الظلام». وأضاف أنه يشاهد بومدين في عيون الحاضرين وفي عيون الشعب الجزائري الذي سيقف وفياً للأهداف الكبيرة التي ناضل من أجلها هذا المجاهد الكبير، وكان يتحدث والعرق يتصبّب من جبينه وعيناه الزرقاوان تقطران بالدمع من شدة الحزن والتعب والإرهاق، واعتقد بعضنا أن إلقاءه الكلمة نيابة عن القيادة الجزائرية وعلى قبره تعميد له ومباركة لقيادته للجزائر. وانصرف الجميع واعتبر المراقبون السياسيون أن خليفة بومدين قد أُعلِن.

الخلاف على الخلافة!

ويواصل  الرئيس  ناصر  حديثه مستدركا  :" في مساء اليوم نفسه الذي أقيمت فيه مراسم الدفن، فوجئت ببوتفليقة يزورني في مقر إقامتي في الساعة الثانية صباحاً يشرح لي عن مرض الرئيس بومدين الذي أودى بحياته، وكيف فوجئوا بخبر وفاته في القيادة. وعاب على السوفيات أنهم أخفوا عن القيادة الجزائرية المعلومات عن حقيقة مرض بومدين، واكتفوا بإشعار زوجته فقط بذلك التي اتهمها بالعمل مع المخابرات الفرنسية وتسميمه، وقال إنها التي سببت قتل محمد صالح مدغري وزير الداخلية، وبدورها أخفت تلك المعلومات عن الآخرين! وقال إنها أدت دوراً سلبياً في إثارة الخلاف والشكوك بينه وبين الرئيس بومدين الذي كان يفتح له باب بيته في أي وقت. ومضى قائلاً: لو علمنا أن علاجه مستعصٍ، وأنه لن يتماثل للشفاء، لكان بإمكاننا فعل شيء ما، إلا أنه بسبب إخفاء السوفيات كل الحقائق عن مرضه لم نستطع القيام بأيِّ من الإجراءات التي كان الموقف يتطلب القيام بها.. وكان الجانب المهم في الحديث قوله: «يبدو أن السوفيات لديهم تحفظات تجاهي، ويعدّونني مع الغرب، لكنني في الواقع مع الجزائر». وأضاف: «أرجوك يا سي علي، أن تتصل بنائب رئيس هيئة الرئاسة السوفياتي «كوزنتسوف» المشارك في تشييع الجنازة... وأريدك أن تعرف منه تقييمهم لي».

وقبل أن يسمع رأيي، أخذ نفساً عميقاً من سيجاره الكوهيبا، وكان شعره الكثيف الأسود يتدلى على كتفه، وفاجأني بقوله: 

أنا أعرف أن السوفيات منحازون إلى اليحياوي ، وعناصر أخرى في القيادة الجزائرية!

قلت له: إذا كنت تريد رأيي صراحة، فإنني أرى أن تُبحّث كل المشاكل التي ربما لم تفصح لي إلا عن جزء يسير منها، في إطاركم الداخلي، وبغضّ النظر عن تقييم الأطراف الخارجية لهذا أو ذاك من أعضاء القيادة، فالمسألة تبقى مسألة داخلية بحتة. وسأقول لك منذ الآن، ما الذي سيقوله السوفيات ومهما كانت تقييماتهم، سيقولون مثلما قلت لك الآن: هذه مسألة تخصكم أنتم، أعني الجزائريين، فهم لم ينفعوا ولم يشفعوا لعلي صبري الذي كان محسوباً على عبد الناصر وعليهم، فقد أبعده الرئيس السادات وأبعد كل المحسوبين عليهم بجرة قلم واحدة.

الروس تحترم بوتفليقة 

ويقول الرئيس ناصر :" بالفعل، عندما تحدثت مع نائب الرئيس السوفياتي «كوزنتسوف» أثناء جولة في حديقة القصر بناءً على طلب عبد العزيز بوتفلقية حول الأمر قال لي: «نحن نحترم بوتفليقة، وليس لنا رأي في ما يتعلق بخليفة الرئيس الراحل بومدين. هذه قضية داخلية بحتة، نحن لا نفرض أحداً، وسنبارك أي قرار يتخذونه أو أية شخصية يتفقون عليها».

في اليوم التالي عندما زارني بو تفليقة نقلت له ما قاله لي في حديقة القصر المسؤول السوفياتي عندما كنا نسير في الحديقة، تحسباً للحديث داخل القصر نفسه. اتقاءً لأية أجهزة تنصت، قمنا بخمس جولات في الحديقة، حتى شاهدت العرق يتصبّب من وجه ذلك الرجل النحيف كوزنتسوف.

كذلك فوجئت أيضاً بمحمد صالح اليحياوي، يزورني هو الآخر في مساء اليوم التالي. في بداية اللقاء تحدث عمّا سبق أن حدثني عنه عبد العزيز بو تفليقة حول مرض الرئيس بومدين، وموته المفاجئ، وسرعان ما انتقل إلى الموضوع الذي يشغله والذي جاء من أجله عندما قال:

تناهى إلى سمعي أن بوتفليقة جاء إلى هنا وقابلك!

استغربت علمه بأمر الزيارة، واعتقدت أنهم ربما سجلوا المقابلة، وأنه يعرف ما دار فيها بيني وبين بوتفليقة، وأنه جاء فقط ليتحقق مني، فاكتفيت بالاستماع إليه دون أن أخبره بشيء مما دار بيني وبين بو تفليقة أو بيني وبين «كوزنتسوف». لم يكن من الصعب أن أكتشف أن هناك مشاكل وحساسيات فيما بين القيادة الجزائرية، وأنهم لم يستطيعوا أن يحسموا بعد من يخلف بومدين ويكون الرئيس. وبالطبع، فقد نصحته بمثل ما نصحت بوتفليقة من قبله، وهو أن يحلوا مشاكلهم داخلياً، وألّا يسمحوا لغيرهم بالتدخل فيها، وخاصة ما يتعلق باختيار الرئيس الجديد. 

ويضيف قائلا :"  ما إن ودعت اليحياوي، حتى جاءني كل من خالد مُحيي الدين وياسر عرفات، وفتحا معي نقاشاً في الأزمة الحاصلة داخل القيادة الجزائرية، واستمررنا نتحاور بشأنها حتى وقت متأخر من الليل. حينذاك عرفت أن مشاكل القيادة الجزائرية قد خرجت من إطارها الداخلي، وصارت في متناول الجميع. وخشيت أن يعطى هذا الحق لأكثر من طرف خارجي للعب على هذه المسألة، وأن يحدث للثورة الجزائرية ما كان بومدين يخشاه، أي أن يكون مصيرها كمصير الثورة المصرية! كان يحيرني ويعذبني ما أراه يحدث، وكان خالد مُحيي الدين وياسر عرفات يحدثانني بألم عن ذلك الذي يحدث داخل القيادة الجزائرية.. وكنا ثلاثتنا ننطلق من حرص شديد على الجزائر وثورتها وقيادتها... وفي الأخير، لا اليحياوي ولا بوتفليقة خلفا بومدين في رئاسة الجزائر، بل إن الذي جاء خليفة له كان أبعد من كل تصور، إذ جاء إلى زعامة الدولة الجزائرية الشاذلي بن جديد، قادماً من صفوف جيش جبهة التحرير، كما جاء قبله وبعده عدد من الرؤساء صنعهم الجيش أو هم محسوبون عليه، حتى وإن ارتدوا ملابس مدنية، وقد غادر الاثنان الحزب والسلطة وحلت محلهما قيادات جديدة، فلا مكان للفراغ في السلطة حتى ولو جيء بأصغر ضابط إلى الرئاسة.

مغادرة الجزائر 

ويستطرد الرئيس ناصر في حديثه وقال :" شعرت وأنا أغادر هذا البلد الشقيق بأن الجزائر لا لون لها ولا طعم ولا رائحة في غياب الزعيم بومدين، وغياب المؤسسات، كما أشرت آنفاً، التي يمكن الاحتكام إليها. وقلت إن المؤسسة العسكرية هي الضامن للحفاظ على الجزائر وأصبحت هي التي تختار بعد ذلك الرؤساء الشاذلي بن جديد ومحمد بو ضياف وعلي كافي والأمين زروال، وقبلهم أحمد بن بيلا الذي جاء إلى السلطة بعد الصراع بين الحكومة الموقتة والجيش الوطني الجزائري، كما أشرت آنفاً.

وبعد الحرب الأهلية في الجزائر التي أنهكت الشعب الجزائري، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والجرحى واستمرت سنوات، وأدت إلى إضعاف القوى كافة في السلطة والمعارضة وأمراء الحرب، كنت ألتقي في أبوظبي الصديق عبد العزيز بوتفليقة  وغيره من الشخصيات التي كانت تترد إلى الإمارات في منزل الصديق أحمد خليفة السويدي وزير خارجية الإمارات الأسبق الذي كانت تربطه علاقات بعبد العزيز بوتفليقة والأخضر الإبراهيمي وعدنان الباجه جي، وكنا نتحدث في ما يجري في الجزائر وحاجة البلد إلى عودته لإخراجها من دوامة الصراعات والحرب الأهلية. وأتذكر أنه عاد دون توديع بعض المسؤولين في دولة الإمارات، وذلك في نوع من العتاب على موقفهم السلبي منه أثناء إقامته في الدولة، حيث عاد عام 1998 كمرشح للسلطة الحاكمة لرئاسة البلاد خليفة للأمين زروال الذي قرر الاستقالة ليعتلي سدة الحكم في شهر نيسان/أبريل 1999. 

ويتابع الرئيس علي ناصر محمد  حديثه بدأ بوتفليقة ولايته الأولى في شهر نيسان/أبريل من عام 1999، وأطلق مع وصوله، الحكم مشروعين بارزين: الأول للمصالحة الوطنية لحلّ أزمة أمنية وسياسية عاشتها البلاد خلال التسعينيات، وكان وراء نزول آلاف المسلحين من الجبال، والثاني إعادة البلاد التي كانت محاصرة بسبب الأزمة إلى الساحة الدولية. وهنا أستشهد بما أوردته بعض وسائل الإعلام (تموز/يوليو 2016) نقلاً عن رئيس الحكومة الجزائرية السابق علي بن فليس الذي قال ما يأتي: 

في أحد الأيام استدعاني الرئيس بوتفليقة إلى مقرّه، فوجدت عنده السفير الأميركي ومعه ثلاثة أشخاص آخرين، تبيّن أنهم من دائرة السي آي إيه الأميركية.

 طلب مني بوتفليقة الاستماع إلى ما سيقولون. بدأ السفير الأميركي بالكلام قائلاً: 

هل ترغبون يا سادة في أن تنتهي حالة العنف والقتل السائدة لديكم في الجزائر؟

 فأجابه الرئيس بوتفليقة: طبعاً ومن دون شك.

 استطرد السفير قائلاً: حسناً، نستطيع أن ننهي لكم هذا الوضع بسرعة، لكن حتى نكون واضحين، لدينا شروط واضحة يجب أن توافقوا عليها مسبقاً.

أشعره بوتفليقة بالموافقة وطلب منه أن يكمل.

 قال السفير:

أولاً: عليكم إيداع عائدات مبيعاتكم من النفط لدينا في أميركا.

 ثانياً: عليكم إيداع عائدات مبيعات الغاز في فرنسا.

ثالثاً: عدم مناصرة المقاومة الفلسطينية.

رابعاً: عدم مناصرة إيران وحزب الله.

خامساً: لا مانع من تشكيل حكومة إسلامية، على أن تكون شبيهة بما لدى تركيا.

 وافق الرئيس بوتفليقة على هذه الشروط متأملاً إخراج الجزائر من حالة القتل والفوضى التي كانت تعصف بالبلاد.

 استطرد السفير الأميركي:

حسناً، سنتحدث بدورنا مع الأطراف المعنية كافة لإعلامها باتفاقنا.

سأل بوتفليقة:

ومن هي تلك الأطراف؟

فأجاب السفير:

فرنسا وإسرائيل والسعودية!

صعقنا من ذلك وتساءل بوتفليقة: وما علاقة هذه الدول بما يجري لدينا؟

أجاب السفير والابتسامة الصفراوية على وجهه:

السعودية هي التي تموّل شراء السلاح من إسرائيل، وتقوم إسرائيل بإرساله إلى فرنسا، وفرنسا بدورها ومن طريق بعض ضباط الجيش الجزائري المرتشين الذين يتعاملون معها، يوصلونها إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة.

واستطرد السفير وسط دهشتنا:

سنُبلغ فرنسا وإسرائيل باتفاقنا، وعليكم إرسال شخص من طرفكم للتحدث إلى الملك عبد الله ملك السعودية، حيث سيكون أسهل إبلاغه من طريقكم، نظراً إلى صعوبة التفاهم معه.

على أثر ذلك طلب مني بوتفليقة السفر إلى السعودية لأجل هذه الغاية.

وصلت إلى السعودية بعد ترتيبات مسبقة، والقول لبن فليس، والتقيت الملك عبد الله وشرحت له ما تمّ من اتفاق مع الجانب الأميركي، وأنهم أي الأميركان طلبوا من بقية الأطراف وقف الدعم للمسلحين، والآن على السعودية وقف تمويل السلاح.

استغرق حديثي مع ملك السعودية عدة ساعات دون أن يوافق، وأصرّ على موقفه. عندها اتصلت بالسفير الأميركي وأعلمته بتشدد الملك السعودي وعدم موافقته على هذا الاتفاق.

أجابني السفير: 

لا بأس، انتظر قليلاً، سأهاتف الملك شخصياً. لم تمضِ بضع دقائق حتى استدعاني الملك وهو يربت صدره قائلاً: 

ابشر ابشر.

 تابع حديثه  قائلا :" كانت تربطني بالصديق بوتفليقة علاقة اخوية ونضالية وقد التقيت معه أكثر من مرة في أبوظبي التي كان يقيم فيها وقبل عشرين عاماً ودعته وهو في طريقه الى الجزائر لاستلام كرسي الرئاسة وهو في كامل صحته وقواه العقلية وقد حزنت لما آل اليه وضعه حيث تدهورت صحته وسمعته وهو في آخر مشواره الطويل.

اليمن الجنوبي وجامعة الدول العربية

وتطرق الرئيس علي ناصر محمد إلى ذكر   العلاقات بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وجامعة الدول العربية وقال مستدركا في حديثه :" ترافق خروج المستعمر البريطاني من عدن مع كارثة حرب 5 حزيران/يونيو 1967 التي أدت نتيجة إغلاق قناة السويس إلى تحول السفن عن استعمال ميناء عدن، والتحول إلى طريق رأس الرجاء الصالح، كذلك إن مقاطعة العمال العرب في الميناء للبواخر الأميركية والبريطانية والالمانية الغربية قد أدى إلى اجتناب السفن المرور بميناء عدن.

وهكذا ورثت البلاد الخارجة من فورها من معركة التحرير أعباء وضع اقتصادي محطم ومنهار، وتركة ثقيلة من التخلف الاجتماعي والثقافي.

وكانت بريطانيا قد التزمت تقديم معونة مالية على مدى ثلاث سنوات، إلا أن تنصلها فيما بعد من هذا الالتزام قد ترك البلاد الحديثة العهد بالاستقلال مفلسة تقريباً. وكانت جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية قد تقدمت بطلب انضمام إلى الجامعة منذ اليوم الأول للاستقلال (30/11/1967)، وتواصلت المساعي في هذا الاتجاه بإرسال وفد - وصل إلى القاهرة يوم 9/12/1967 - مخول التوقيع على كل ما يتطلبه موضوع انضمام الجمهورية المستقلة حديثاً إلى جامعة الدول العربية.

ولهذا سعت الجمهورية الوليدة إلى طلب العون المادي العاجل من حكومات الدول العربية الشقيقة، وتلقت بهذا الخصوص الأمانة العامة مذكرة بتاريخ 29/2/1968 تتعلق بالوضع المالي المتعسّر لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، وملتحقاً بها فيه بيان تفصيلي عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن إغلاق قناة السويس وتعطل الصناعة البترولية قدرت بما يقرب من 16 مليون جنيه إسترليني، وكذلك تصفية القاعدة العسكرية البريطانية وتسريح نحو ثمانية عشر ألف عامل قدرت الخسائر فيها بمبلغ 16 مليون جنيه أخرى، وطالبت المذكرة بعرض الوضع على مجلس الجامعة لتقديم العون العاجل إلى اليمن الجنوبي أسوة بالدول المتضررة من أحداث 5 حزيران/يونيو 1967.

الوفد السعودي يتعرض 

ويكمل حديثه مسترسلا :" وقد وجهت الأمانة العامة مذكرة بهذا الشأن إلى المجلس بتاريخ 3/3/1968، وتجاوب مجلس جامعة الدول العربية مع المذكرة، وأصدر القرار (ق2387/د 49/جـ4- 7/3/1968)، حيث أوصى بإحالة الموضوع على حكومات الدول الأعضاء استطلاعاً لآرائها في ما تستطيع تقديمه من عون، وتمهيداً لإعادة النظر في الموضوع، وقد اعترض على هذا القرار رئيس وفد المملكة العربية السعودية فقط مع الأسف.

وبإعادة عرض الموضوع على المجلس الاقتصادي في دور الانعقاد الثالث عشر، اتخذ بشأنه القرار (ق350/د13/جـ 3-18/5/1968) حيث أوصى المجلس بأن يعرض على حكومات الدول العربية الوضع الحالي في جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية على أثر تخلي بريطانيا عن التزاماتها، وقد تحفظ عن هذا القرار رئيس الوفد السعودي أيضاً.

قرار تقديم المساعدة لليمن 

ويضيف قائلا :" وأُعيد عرض الموضوع مرة أخرى على المجلس الاقتصادي في دور الانعقاد الرابع عشر، فاتخذ بشأنه القرار (ق 409/د14/جـ 2- 25/1/1969) الذي أوصى بإدراج هذا الموضوع على جدول أعمال مجلس جامعة الدول العربية في دور انعقاده المقبل، ولم يتحفظ عن هذه التوصية سوى رئيس الوفد السعودي للمرة الثالثة.

وتقديراً للأوضاع الاقتصادية الصعبة لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، قررت جامعة الدول العربية إعفاءها من دفع حصتها في ميزانية الأمانة العامة (قُدِّرَت حصة اليمن الجنوبي بنسبة 1% من الميزانية)، وقد ظل هذا التقليد معمولاً به منذ عام 1968 وحتى قيام الوحدة في عام 1990.

وبعد أن هدأ القتال ضد إسرائيل على الجبهتين السورية والمصرية عقب حرب 6 تشرين الأول/أكتوبر التحريرية 1973، تقلص الدعم المالي العربي لدول المواجهة لمصلحة الدول الناشئة الأكثر فقراً، وفي عام 1974 قرر مجلس جامعة الدول العربية الموافقة على تقديم عون اقتصادي إلى جمهوريتي اليمن الجنوبي والشمالي – (ق ق 76 /د7/-29/10/1974)، وقد تحفظ وفدا السعودية وعُمان عن هذه التوصية، وكان لهذا (التمنُّع) عن مدّ يد العون لليمن الجنوبي من الدول الشقيقة المقتدرة مالياً آثاره السلبية البعيدة المدى في التحالف العربي- العربي.

مشروع السد العالي 

ويردف الرئيس ناصر ويقول :" وكلنا نعلم أن مصر جمال عبد الناصر سعت في الستينيات من القرن الماضي إلى بناء السد العالي على نهر النيل، لوقاية الوادي الخصيب من الفيضانات، ولتوفير الطاقة الكهرومائية لشعب مصر، وسعى جمال عبد الناصر إلى طلب المساعدة الفنية والأموال لتمويل المشروع من الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، ما اضطره إلى التقرب من الاتحاد السوفياتي والتحالف معه، وهو ما أحدث تغييرات سياسية عميقة في المنطقة العربية دامت عقوداً عديدة، وكان الدرس المستفاد أنه لا أحد يقدر على أن يلوي ذراع الشعوب، وأن الإرادة المصرية - رغم العراقيل الهائلة - نجحت في إنجاز مشروع السد العالي، وصار الحلم حقيقة واضحة للعيان.

البحث عن مخرج للازمة المالية 

ويسترسل  الرئيس ناصر  ويقول :" وعلى المنوال نفسه سارت الأمور مع اليمن الجنوبي، فهذا البلد الخارج تواً من الاحتلال البريطاني، كان في طور تأسيس الدولة ومؤسساتها، ويبحث عن مخرج لأزمته المالية الناشئة عن أسباب خارجة عن إرادته – إغلاق قناة السويس وتضاؤل حركة الملاحة البحرية نتيجة لأحداث 5 حزيران/يونيو 1967 – وكان لرفض الدول العربية الشقيقة تقديم العون المالي إلى اليمن الجنوبي في هذه الظروف الحرجة دور كبير في الاتجاه نحو الكتلة الشرقية، وعقد تحالف استراتيجي وثيق مع الاتحاد السوفياتي. وبالتالي حدث شرخ سياسي عميق بين النظام في اليمن الجنوبي والأنظمة العربية الأخرى في شبه الجزيرة العربية، وهو ما عاق بصورة مؤسفة أوجه التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي زمناً طويلاً، وخلق جواً من العداء لا مبرر له، وكان يمكن منذ البداية لو صَلُحت النيات أن تحلّ المشاكل داخل البيت العربي، وهذا الحلّ كان دائماً أوضح من الشمس في رابعة النهار، وخلاصته وضع (التضامن العربي) موضع التطبيق.

وعلى كل حال، لم تقتصر عضوية اليمن الجنوبي في جامعة الدول العربية على هذا الجانب فقط، فهي أيضاً أسهمت بفاعلية في الصراع العربي – الصهيوني المحتدم عقب حرب 5 حزيران/يونيو 1967، ويمكننا أن نسوّق مثالاً على ذلك المذكرة برقم د 58/2/12 وتاريخ 23/8/1972 التي بعثت بها وزارة خارجية اليمن الديمقراطية الشعبية إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة تنبه إلى خطورة الوضع في جنوب البحر الأحمر الناجم عن النشاط العدواني على الجزر اليمنية فيها، وتطلب إدراج الموضوع على جدول أعمال الدورة الثامنة والخمسين لمجلس الجامعة. وتجدر الإشارة إلى أن الموضوع سبق أن عرض على مجلس الجامعة خلال ثلاث دورات تحت عنوان: زيارة بعثات عسكرية إسرائيلية لبعض الجزر الإثيوبية جنوب البحر الأحمر، واتخذ المجلس عدة قرارات كان آخرها القرار رقم 2876 في الدورة السابعة والخمسين الذي يحثّ الدول الأعضاء ذات العلاقات الطيبة مع إثيوبيا على بذل مساعيها للعمل على الحدّ من تغلغل النفوذ الصهيوني في جزر البحر الأحمر، مع بيان خطورته على العلاقات الإثيوبية العربية. 


( للحديث بقية )