آخر تحديث :الثلاثاء-18 يونيو 2024-07:34ص

ملفات وتحقيقات


تقرير: هل تهديدات الحوثي وحدها هي السبب في عجز الحكومة.. أم أن هناك أسباباً أخرى؟

الخميس - 01 يونيو 2023 - 06:37 ص بتوقيت عدن

تقرير: هل تهديدات الحوثي وحدها هي السبب في عجز الحكومة.. أم أن هناك أسباباً أخرى؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول وضع سعر صرف العملة المحلية في ظل تراجعها المستمر وانعكاسات ذلك على التزامات الدولة والحكومة..

ما أسباب استمرار انهيار الريال في مناطق سيطرة الحكومة؟

لماذا استمر التراجع الاقتصادي دون أية معالجات حقيقية من الدولة؟

هل ستعجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها.. وما مصير مرتبات موظفي الدولة؟

كيف سيؤثر توقف تصدير النفط على قدرة الدولة في صرف مرتبات الموظفين؟

ما التداعيات المتوقعة من استمرار تدهور الاقتصاد الوطني وتردي الخدمات؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

لا يخفى على أحد مدى التدهور القياسي وغير المسبوق الذي وصل إليه سعر الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، والتراجع الذي قارب المستويات الخطرة المهددة للاستقرار المعيشي، بعد أن تجاوزت العملة المحلية خلال الأيام الماضية حاجز الـ1300 ريال يمني للدولار الأمريكي الواحد، الأمر الذي ينذر بكوارث اقتصادية على المدى المنظور.

قد تكون العملة المحلية لم تصل بعد إلى حاجز الـ1700 ريال يمني مقابل الدولار الأمريكي الواحد، والذي بلغته أواخر العام 2021، وبناءً عليه وبسببه تم تغيير قيادة البنك المركزي اليمني في عدن بالقيادة الحالية، والتي ما فتئت تتفاخر بالحفاظ على سعر صرف الريال منذ تلك الفترة في مستويات دون الـ1200 ريال كأبرز إنجاز قامت به.

غير أن الارتفاعات الأخيرة من شأنها أن تدق ناقوس الخطر المحدق بالشعب اليمني الصابر، خاصة في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية أو ما تسمى بـ"المناطق المحررة"، التي استبدلت احتلالها العسكري من مليشيات الحوثي بقيود اقتصادية ومعيشية قاسية للغاية، قد ترتقي إلى مستوى العجز الحكومي الكامل عن صرف مرتبات موظفي الدولة في كافة قطاعاتها ومؤسساتها.

يأتي ذلك في ظل غياب التحركات والإجراءات الحكومية التي كان من المفترض أن تتخذها المؤسسات المالية الرسمية لمواجهة هذا التردي الخطير في سعر صرف العملة المحلية، خاصة وأن مثل هذه الإجراءات تعتبر خطوات سيادية لإنقاذ تهديد محدق بأهم ما يتعلق بحياة الناس اليومية، والمتمثل الرواتب التي تشكل أساسيات البقاء بالنسبة للبسطاء من الناس والسواد الأعظم من اليمنيين.

لكن ما يفترض أن تقوم به الحكومة لمعالجة وضع سعر صرف الريال، لا يرتقي وغاياتها التي وضعها رئيس الوزراء اليمني في تصريحات أعلنها غداة تعيينه على رأس حكومة المناصفة التي ولدت في 18 ديسمبر/كانون أول عام 2020 من داخل العاصمة السعودية الرياض، والتي قال فيها إن أولويات حكومته "اقتصادية ومعيشية" في المقام الأول، وستنأى بنفسها عن أية مماحكات سياسية أو حتى أعمال عسكرية؛ حتى تتفرغ لمهمتها الأساسية.

غير أن هذه المهمة الأساسية التي تركزت حول الوضع المعيشي والاقتصادي ظلت بلا معالجات أو حلول حكومية حتى قفز سعر العملة المحلية مقابل الدولار الأمريكي من أقل من 800 ريال يمني عند تشكيل حكومة المناصفة في 2020، إلى أكثر من 1300 ريال يمني خلال اليومين الماضيين، مع عدم إغفال أن سعر الصرف وصل في أواخر عام 2021 إلى حدود 1700 ريال.

وهو ما يؤكد تخلي الحكومة اليمنية عن تعهداتها، المتعلقة بمعالجة وضع الريال اليمني، وتحسين الحياة المعيشية للمواطنين، بل وفشلها في إحداث أي تعافي حقيقي وملموس في هذا الشأن، فلم تضع حلولًا لتدهور العملة، ولم تحد حتى من التوتر السياسي بين المكونات والقوى السياسية في معسكر الشرعية، والتي يمكن لهذه المكونات أن تستغل الحالة المعيشية في تصعيد هذا التوتر، واستثماره سياسيًا.

وفي حقيقة الأمر، فإن ما تعيشه البلاد من أوضاع معيشية واقتصادية متردية بشكل غير مسبوق، لا يرتبط فقط بعوامل اقتصادية ومالية، بل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعديد من العوامل والأسباب السياسية والعسكرية أيضًا، ولا يمكن الفصل بينها وبين ما تعانيه العملة المحلية، وهذه المعاناة من المؤكد أنها ستقود نحو مشاكل ومواجهات سياسية وعسكرية تحت مبرر اوجاع الناس ومعاناتهم من الأوضاع الاقتصادية.

> أسباب انهيار الريال

ما يعيشه الريال اليمني اليوم، ما هو إلا نتاج لما اقترفته أيادي المليشيات الحوثية بحق موارد اليمنيين الأساسية، وعلى رأسها إيقاف تصدير النفط عبر موانئ التصدير في المحافظات المحررة، عبر تهديد وقصف الموانئ، وهذه الرؤية قد تكون منطقية في توصيف جزء من أسباب مشكلة تدهور العملة المحلية، لكنها ليست الصورة الكاملة لهذا التراجع المخيف.

خاصة وأن اقتصاديين تحدثوا عن استمرار أسعار الصرف في عملية انهيارها وسط حالة عجز حكومية شاملة لم تقم بواجبها في معالجة الأوضاع أو تحقيق أي تقدم يذكر في مجال ضبط الموارد، وعدم قدرتها على تعويض توقف صادرات النفط وإيراداتها التي كانت تغطي نحو 77 % من التزامات الحكومة اليمنية تجاه مواطنيها، وعلى رأس تلك الالتزامات صرف مرتبات موظفي الدولة.

مصادر أخرى تحدثت لـ(عدن الغد) عن أن جزءا من أسباب حالة الانهيار التي تعيشها العملة المحلية، تتجسد في قيام الحكومة مؤخرًا بتحويل جزء كبير من الإيرادات المحلية لشراء عملة أجنبية بهدف تأمين دفع رواتب كبار مسئولي الدولة والتي تُدفع بالعملة الصعبة، وكان مصدر دفعها يأتي من إيرادات مبيعات النفط، التي توقفت صادراته.

كما أن المعالجات التي اتخذتها الحكومة الشرعية لمواجهة توقف إيرادات النفط لم تحل المشكلة أبدًا، ولم تؤد إلى إيقاف تدهور العملة، بل إنه أدى إلى زيادة تراجعها، وهي إجراءات حكومية عديمة الجدوى لم تنجح بالحد من التردي الاقتصادي، فالقيام برفع سعر الدولار الجمركي وزيادة تعرفة الكهرباء والمياه، ورفع الضرائب، وما ارتبط بها من ارتفاع أسعار النقل الثقيل بين المحافظات، كلها أسباب فاقمت التردي الحاصل في العملة والحالة المعيشية.

وبدلًا من مراجعة الحكومة لممارساتها وقراراتها تلك، إلا أنها عملت عكس ذلك تمامًا، من خلال تبذير ما تمتلكه من إيرادات على تأمين احتياجات ومرتبات كبار موظفيها في المناصب العليا، وبالعملة الصعبة، وإغفال حاجة البسطاء من الموظفين لما يؤمن استقرار صرف مرتباتهم.

كل ذلك سيساهم في إيصال الدولة إلى حالة من العجز الكامل عن الوفاء بأهم التزاماتها، فالمرتبات خط أحمر بالنسبة للمواطنين المنتسبين لقطاعات الدولة الرسمية، ولا يمكن الاقتراب منها أو المساس بها أو التأخر في صرفها، في ظل مخاوف من تصاعد موجات غضب شعبي في حالة التلكؤ أو إعلان العجز عن صرف المرتبات.

وما يرجح تحقق هذا العجز، التوقعات التي ساقها اقتصاديون يمنيون حول إمكانية استمرار انهيار العملة المحلية، وبالتالي مزيد من التدهور في الاقتصاد اليمني؛ نتيجة التهور الذي تمارسه الحكومة، ومن ثَمّ انعكاسات هذا الوضع على الحياة المعيشية، بل وحتى تداعياته على الحياة السياسية، حيث يمكن أن تدفع القوى والمكونات السياسية المحلية لاستغلال هذه الفوضى الاقتصادية من قبل الحكومة لتحقيق مآرب شخصية وحزبية.

وإذا حدث أمر كهذا، فإن الحكومة هي وحدها من تتحمل مسئوليات كل هذا التصعيد، من خلال تقديم مصلحة موظفيها في المناصب العليا وتوفير مرتباتهم على حساب مصلحة السواد الأعظم من المواطنين المهددين بتوقف مرتباتهم مع استمرار العجز الحكومي في إيجاد بدائل لإيرادات النفط المتوقفة، وتبذير ما يتوفر لديها من إمكانيات دنيا على المقربين من السلطة.

> تداعيات مرعبة

من المؤكد أن التهديدات الحوثية التي أوقفت تصدير النفط المسئول عن أكثر من ثلثي إيرادات الدولة، هي سبب تفاقم الحالة المعيشية الراهنة، وتراجع سعر صرف الريال، لكن من المؤكد أن هذا السبب ليس الوحيد إطلاقًا.

فأي مصير يهدد مرتبات موظفي الدولة، وأي عجز قد يحدث في صرف المرتبات ستتحمل الحكومة الشرعية مسئوليته أيضًا؛ عطفًا على ما قامت به من تخصيص اهتمامها لكبار موظفيها في المناصب العليا، وفشل معالجتها التي اقتصرت على "إدخال يدها في جيب المواطن", بحسب وصف أحد الاقتصاديين.

الأمر الذي يجعل مصير المرتبات في مهب الريح، وبالتالي التوقع بانفراط عقد الاستقرار السياسي والاقتصادي والمعيشي، الذي ما زالت المناطق المحررة تعيش حدوده الدنيا، غير أن هذا الحد الأدنى من الاستقرار مهدد بعدم الاستمرار خلال الفترة القادمة، خاصة في ظل عدم إغفال الفوضى التي يعيشها الوضع السياسي في المناطق المحررة التي تتركز معظمها في المحافظات الجنوبية.

وهذه المحافظات، تعيش على صفيح ساخن، من انعدام الخدمات وتدهور أسعار لصرف وبالتالي أسعار السلع الأساسية، بالتوازي مع مطالب الانفصال التي تتبناها قوى سياسية انضمت مؤخرًا إلى معسكر الشرعية وتنتظر الفرصة والمبرر لتعزيز مطالبها وتحقيق أهداف مشاريعها السياسية.

وحتى تصل تلك القوى إلى غاياتها، لا بد من استثمار واستغلال الأوضاع الاقتصادية والمعيشي كرافعة للوصول إلى مرادها، وهي تداعيات متوقعة ومنطقية لما تقوم به الحكومة اليمنية من إجراءات ظالمة بحق مواطنيها البسطاء في سبيل إرضاء كبار مسئوليها المترفين أصلًا والغارقين في حياة الترف وبالعملة الصعبة، كما أن لا أحد يستطيع أن يتوقع مدى حجم الرعب الذي قد ينتج في حالة قيام "ثورة الجياع" في حالة المساس بمرتبات الموظفين وقوتهم الأساسي.

وهي مخاوف مشروعة لدى عامة الناس، مع استمرار صمت التحالف العربي عن القيام بمسؤولياته في دعم الاقتصاد اليمني وإعادة الاستقرار المالي في المناطق المحررة من اليمن، بعد ثماني سنوات من انعدام التنمية؛ نتيجة استمرار الحرب وتوقف حركة الحياة التجارية والاقتصادية والاستثمارات، وما ينتج عنها من شح في الموارد والإيرادات.