آخر تحديث :الأحد-23 يونيو 2024-09:03ص

ملفات وتحقيقات


تحليل: ما الذي تسعى إليه القيادات الجنوبية في القاهرة.. وهل تهدف إلى تأسيس كيان سياسي جديد؟

الثلاثاء - 30 مايو 2023 - 06:35 ص بتوقيت عدن

تحليل: ما الذي تسعى إليه القيادات الجنوبية في القاهرة.. وهل تهدف إلى تأسيس كيان سياسي جديد؟

(عدن الغد)خاص:

قراءة في ما وراء المشاورات الجارية بالقاهرة بين مكونات سياسية جنوبية..

ما هي حدود هذا الكيان.. وهل يستطيع أن ينافس المجلس الانتقالي؟

ما قدرة الكيان الجديد على الفوز بشعبية الجنوبيين.. وما غاياته؟

هل يستطيع الكيان الجديد العيش في ظل حالة الفوضى السياسية الراهنة؟

هل يحتاج الجنوب فعلاً إلى كيانات سياسية جديدة.. أم أن الوضع لا يحتمل؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

شهد الجنوب خلال تاريخه السياسي صراعات عديدة، نتج عنها إقصاء نسبة كبيرة من القيادات السياسية والعسكرية من المشهد؛ غالبًا ما فضلت اعتزال العمل السياسي والتفرغ لمهام وانشغالات أخرى، بعد أن يئست من الوضع العام في الجنوب ورأت أنه من الصعب إصلاحه.

لكن صراعات الأعوام القريبة الماضية، التي أسفرت عن تغييب قيادات بحجم رجل الأعمال أحمد العيسي، والمهندس أحمد الميسري، والسياسي محمد بن عديو وصالح الجبواني، وقبلهم الخبير في دهاليز السياسة محمد علي أحمد، وغيرهم من الشخصيات الجنوبية عن المشهد الجنوبي السياسي نتيجة أحداث عام يناير/كانون الثاني عام 2018، ومواجهات أغسطس/آب عام 2019، وقبلها أحداث عام 2011، تختلف تمامًا عن صراعات سبعينيات وثمانينات القرن الماضي العنيفة.

فالشخصيات المذكورة أعلاه، والتي غادرت المشهد قريبًا على العكس تمامًا من القيادات التي فرّت بجلدها منذ سبعينيات وثمانينات القرن الماضي، بل وتختلف عنها، حيث أنها بدأت بالتفكير في العودة مجددًا إلى المشهد السياسي الجنوبي مرة أخرى، دون الخوف من الانتقام أو التصفية كمان كان عليه الوضع سابقًا في الجنوب.

ولعل ما يُغري تلك القيادات بالعودة إلى العمل السياسي في الجنوب هو أن الأمور لم تستقر بعد لأحد الأطراف المتحكمة بالمشهد، وما زال الجدال متواصلًا حول مصير المحافظات الجنوبية التي تتجاذبها الانتماءات وكثرة الكيانات السياسية والقوى التي لم تستقر بالوضع.

الأمر الذي دفع بتلك القيادات والشخصيات السياسية الجنوبية المتواجدة خارج البلاد إلى التفكير بالعودة من الباب الكبير عبر تشكيل كيان سياسي جديد، ينضم إلى القوى السياسية المتكاثرة الموجود على الساحة الجنوبية، وهو ما تعمل عليه تلك الأسماء، عبر مشاوراتها الجارية حاليًا في العاصمة المصرية القاهرة، واللقاءات التي تجريها بشكل جماعي مع بعضها البعض.

فالتطورات السياسية الأخيرة التي عاشها الجنوب خلال الشهور الماضية، لعلها فرضت على السياسيين الجنوبيين المتشاورين حاليًا في القاهرة الجلوس للتفكير بالعودة إلى الجنوب عبر كيان سياسي مستحدث، يتجاوز ما قد تواجد من كيانات وقوى جنوبية متواجدة من قبل، أو بالأحرى مواجهتها والدخول معها في تنافس سياسي، لكن هناك الكثير من التساؤلات حول هذا الكيان الجديد المتوقع تأسيسه، تحتاج للوقوف أمامها.

> حدود الكيان الجديد وفرص نجاحة

الوضع الحالي الذي يشهده الجنوب والمستجدات على الساحة التي تصاعدت مؤخرًا، خاصة فيما يتعلق بالخطوات المتخذة من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي، والترتيبات التي يجريها في سبيل استعادة دولته الجنوبية، جعلت من القادة السياسيين الذين غادروا الجنوب نتيجة أحداث السنوات الأخيرة يفكرون بالعودة إلى الساحة وبدء العمل السياسي مجددًا.

ومن هنا تتدفق الكثير من التساؤلات حول مصير هذا الكيان الجديد الذي يعمل القادة الجنوبيون على تأسيسه وفرص نجاحه في ظل زخم جنوبي وشعبية متصاعدة لعمل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يبدو أنه يسير نحو تهيئة الأجواء للإمساك بزمام السيطرة على كافة الجنوب، خاصة مع استقطاب واستمالة الانتقالي لمحافظة حضرموت بثقلها السياسي والاقتصادي وأهميتها الاستراتيجية بما تمثله من مكانة على مستوى الجنوب.

ولهذا فإن كيانًا جديدًا كهذا يحتاج إلى الكثير من الإجراءات ليأخذ مكانه وسط الفوضى السياسية والمكونات والقوى الجنوبية المتشظية والمُفرخة والمتناثرة اليوم على الساحة الجنوبية، ولها مشاريعها الخاصة بها، سواء في إطار الجنوب أو تلك التي تفكر بالإبقاء على خيار الوحدة مع منح القضية الجنوبية حقوقها العادلة.

وهي مهمة ليست بالسهلة، تنتظر هذا الكيان، حتى وإن كان مؤسسوه يحظون بشيء من الشعبية والمكانة السياسية لدى عدد من جماهير الجنوب، إلا أن المشروع بحد ذاته هو من سيفرض شعبية ومكانة هذا المكون أو ذاك، في ظل تصاعد النزعات الانفصالية المتزامنة مع تصعيد إجراءات المجلس الانتقالي الأخيرة، حيث لا يمكن إغفال أن الشخصيات المتشاورة في القاهرة ذات ميول وحدوية، رغم انتماءاتها وطرحها الجنوبي.

ولعل في هذه الجزئية الأخيرة ما يهدد شعبية هذا الكيان الجديد المرتقب، وسط سيل من التوجهات الانفصالية وتفاقم المزاج الشعبي المناهض لبقاء الوحدة اليمنية بشكل القديم، وهي تحديات وتهديدات يجب أن يضعها الكيان الجديد والشخصيات السياسية التي تقف خلفه في الحسبان، إذا ما أرادوا إحداث توازن أو تنافس مع مكون بحجم المجلس الانتقالي الجنوبي وشعبيته الراهنة.

كما أن الفوضى السياسية في الجنوب تحمل في طياتها الكثير من المخاطر عند تأسيس كيان جديد ينضم إلى القائمة المتناثرة التي تزخر بها الساحة الجنوبية، والتي ربما قد تؤثر على عمل هذا الكيان في ظل وضع غير صحي تنتشر فيه المكونات والقوى السياسية الجنوبية، وسط استمالات وتجاذبات إقليمية ودولية، أفرغت القضية الجنوبية من مضمونها، وقد تؤثر على عدالتها أيضًا.

بالإضافة إلى أن كيانًا كهذا يحتاج إلى الكثير من العمل الميداني لمنافسة بقية المكونات السياسية الموجودة، وليس فقط المجلس الانتقالي بجبروته ومكانته السياسية التي وصل إليها بفضل دعم إطراف إقليمية، ما يفرض على الكيان الجديد الذي يعمل القادة المُبعدون على تأسيسه مسئولية مواجهة تحديات ومصاعب تواجهه قبل أن يولد أصلًا.

> احتمالات النجاح

في المقابل، يرى البعض أن الكيان الجديد الذي تسعى الشخصيات السياسية الجنوبية إلى تشكيله، يمتلك أيضًا مقومات النجاح الممكنة، وحتى المنافسة السياسية على مستوى الجنوب، وذلك لاعتبارات عديدة، وعوامل سياسية وشخصية.

حيث إن المكانة التي تتمتع بها الشخصيات الجنوبية التي تعمل على التشاور في القاهرة، وما تمتلكه من شهرة وشعبية سياسية اكتسبتها بمواقفها الوطنية خلال الأحداث والمواجهات التي عاشها المحافظات الجنوبية خلال الأعوام الأخيرة، يمنح الكيان المرتقب فرصة جيدة للمنافسة.

كما أن هذه الشخصيات لا ينقصها التوازن السياسي الذي اشتهرت به، وهذا ما يرجح أنه سينعكس على توجه وطبيعة عمل الكيان الذي ستعمل على إنشائه، والموازنة بين عدالة القضية الجنوبية، والفوز بمكاسب تعزز من هذه القضية على مستوى الثروة والسلطة والمشاركة الندية، في إطار نظام سياسي اتحادي.

وما يزيد من فرص نجاح هذا الكيان أن قياداته معروفة لدى الشعب الجنوبي، وتحظى باحترام، صحيح ليس على كافة المستويات الشعبية، ولكن هناك قطاعا كبيرا من الناس تتذكر تاريخ هؤلاء وفاعليتهم السياسية والاقتصادية أيضًا، القائمة أساسًا على خبرات كبيرة في العمل السياسي والدراية الكافية للتأثير في المشهد، ولعب دور فاعل في تحديد مسار القضية الجنوبية.

بالإضافة إلى العلاقات الدولية والإقليمية التي تتميز بها الشخصيات السياسية الجنوبية المتشاورة في القاهرة، وهو ما سينعكس على الأثر الذي قد يحمله الكيان الجديد الذي تعمل على تأسيسه، خاصة وأن عددا من هذه القيادات سبق وأن أسس كيانات سياسية ما زالت حاضرة في الجنوب، كالمؤتمر الشعبي العام فرع الجنوب، والائتلاف الجنوبي الوطني، ومؤتمر شعب الجنوب.

ويجب عدم إغفال أن التنافس السياسي مؤشر صحي وطبيعي على التعددية السياسية التي ينبغي أن تكون هي الأساس والهدف والغاية من أي عمل سياسي يتم وفق تنافس تحكمه الرؤى والبرامج السياسية، بدلًا من الصراعات العنيفة عسكريًا، والتي اكتفى منها الجنوب طيلة عقود طويلة وآن الأوان لإنهائها وتغيير أسلوب التنافس، بطريقة ناعمة وحضارية.