آخر تحديث :الجمعة-24 مايو 2024-02:49ص

ملفات وتحقيقات


تقرير: ما أبرز التحديات التي تحدق بالوحدة اليمنية.. وهل يمكن أن تستمر؟

الثلاثاء - 23 مايو 2023 - 07:25 ص بتوقيت عدن

تقرير: ما أبرز التحديات التي تحدق بالوحدة اليمنية.. وهل يمكن أن تستمر؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يبحث في مستقبل الوحدة اليمنية والتحديات التي تواجهها بعد أكثر من ثلاثة عقود على تحقيقها..

هل يمكن أن يتحقق الانفصال بحسب مطالب الجنوبيين.. وما هي مبرراته؟

ما الحلول التوافقية التي يمكن أن تحفظ بقاء الوحدة.. أم أنها باتت من الماضي؟

الدولة المركزية.. هل ما تزال قابلة للاستمرار أم أنها لم تعد صالحة للمرحلة؟

الدولة الاتحادية.. هل ستكون هي الحل.. وما ملامح تحققها الراهنة؟

المستقبل الغامض

(عدن الغد) القسم السياسي:

نشأ الجيل الحالي الذي قارب الخمسين والستين عامًا من عمره في المحافظات الجنوبية على شعارات مدرسية ونقابية ومؤسسية لم تكن تفارق "لنناضل من أجل الدفاع عن الثورة اليمنية.. وتنفيذ الخطة الخمسية.. وتحقيق الوحدة اليمنية".

وهذه العبارة الأخيرة لم تكن مجرد شعار تلوكه الألسن، ولكنه كان هاجسًا سيطر على كافة أدبيات النظام السياسي والاجتماعي والعلمي للدولة في الجنوب، منذ نيل استقلالها الوطني من بريطانيا أواخر العام 1967، وحتى منتصف العام 1990، حين تحققت الوحدة اليمنية بين شطري اليمن، الشمالي والجنوبي.

مثّل التوجه نحو الوحدة في الجنوب خلال تلك الفترة خيارًا استراتيجيًا لم يكن يمكن التنازل عنه، بل إن هذا التوجه كان يمكن أن يتحقق عسكريًا وبالقوة، من خلال التبريرات التي رافقت حروب الشطرين الشمالي والجنوبي، في عامي 1972، و 1979.

وسخرت الدولة في الجنوب كل إمكانياتها وقدراتها لتحقيق هذا الهدف الذي لم يكن سوى انعكاس للإيمان بالفكر الأيديولوجي اليساري والقومي، وكانت "الوحدة" كقيمة مجردة إحدى أهم بنود ذلك الفكر، تحركه سياسات وآليات عملية، حتى أنها كانت معيارًا لتوجهات التخوين والإقصاء والإبعاد التي غرق فيها الرفاق في الجنوب.

ومقابل هذا التوجه المحموم في الجنوب نحو الوحدة، كان الشمال متوجسًا منها؛ وكانت الخشية من القوة العسكرية التي كانت يتمتع بها الجنوب المدعوم من السوڤييت، القطب الشرقي حينذاك، بالإضافة إلى الفكر الاشتراكي الذي تبناه النظام في الجنوب، والذي كان يراه الشمال بأنه فكر معادٍ لقيم المجتمع اليمني.

غير أن المستجدات الدولية التي شهدها العالم والمنطقة العربية تحديدًا أواخر ثمانينات القرن الماضي، وبداية التسعينات، سرّعت نحو تحقيق الوحدة اليمنية بين شطري البلاد شماله وجنوبه، فكان سقوط الاتحاد السوڤييتي، ورغبة أنظمة عربية في تحقيق الوحدة لغايات استحواذية معينة خلقت كيانًا سياسيًا جديدًا، ممثلًا بالوحدة اليمنية.

وحتى عند تحقق الوحدة، كان الجنوب بمثابة المهرول نحو الوحدة بكل مقدراته، خاصةً وأنه وجد فيها ملاذًا لمشاكله الاقتصادية والاجتماعية والخلافات السياسية بين الرفاق، غير أن الشمال كان متثاقلًا للغاية، في ظل وجود كيانات رافضة لهذه الوحدة.

وما هي إلا سنوات قليلة، لم تتجاوز الثلاث، حتى انقلبت تلك القناعات رأسًا على عقب، وبات الجنوبيون الراغبون والمتوجهون إلى الوحدة يعلنون ندمهم على الاندماج مع الشمال، وأصبح هذا الأخير مدافعًا عن قيم الوحدة معتبرًا إياها خيارًا لا رجعة عنه، جعل الشماليين يقرنونه بالموت، غير مستعدين للتنازل عنه، وتجسد ذلك في حرب صيف عام 1994.

وهي حرب نتج عنها واقع مغاير لما كان قبل تحقيق الوحدة، وأضحت الانتهاكات التي أسفرت عنها الحرب بنظر الجنوبيين سببًا لتغيير نظرتهم إلى خيار الوحدة، خاصة وأن النظام المنتصر في الحرب أقصى الكثير من القيادات السياسية والعسكرية من المشهد، دفعها للخروج منتصف العام 2007 للحديث عن مظالمها وحقوقها، التي كانت منطلقًا للحراك الجنوبي السلمي.

> تحديات أمام الوحدة

يحتفل اليمن اليوم بالعيد الثالث والثلاثين لتحقيق الوحدة اليمنية، وسط تحديات جمة تواجهها هذه الوحدة، التي حُمّلت فوق طاقتها، وأُلبست رداء الاتهام وراء كل الممارسات التي مارستها أنظمة وشخصيات، والوحدة منها براء، باعتبارها خيارًا وطنيًا ناضل من أجله كبار القادة والشخصيات اليمنية، وحتى البسطاء من المواطنين الذين رأوا فيها حلمًا ورديًا.

غير أن ما تعيشه الوحدة اليمنية اليوم يهدد بقاءها، ويجعل منها وكأنها تعيش آخر أيامها، في ظل مطالب فصائل جنوبية بالانفصال واستعادة دولة الجنوب ما قبل عام 1990، بالإضافة إلى العديد من التحديات الاقتصادية والسياسية والإقليمية والدولية المحدقة بها.

وهذه التحديات تضع الوحدة اليمنية أمام مفترق طرق، يهدد استمرارها، على الأقل بشكلها الاندماجي التقليدي الذي بدأت عليه، وهي تحديات تتعلق أولًا بالشق الحقوقي الذي جعل الوحدة في موقف الاتهام، بالإضافة إلى ما تعيشه البلاد حاليًا من أوضاع اقتصادية ومعيشية، يتهم فيها متنفذون وسياسيون حققوا ثراءً من وراء ممارسات الفساد الممنهجة، والتي أعادت الحنين الى زمن الدولة والنظام والقانون في الجنوب قبيل تحقيق الوحدة.

الأمر الذي يجعل من إمكانية استمرار الوحدة اليمنية صعبًا إن لم يكن مستحيلًا، خاصة وسط تطورات وصفها سياسيون يمنيون بأنها "خطيرة"، وآخرها التوافقات والتحركات التي تقوم بها مكونات جنوبية وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي مؤخرًا في التأسيس والترتيب لاستعادة دولة الجنوب.

ورغم أن البعض يرى أن توجهات ورغبات الجنوبيين بالانفصال مبررة؛ نتيجة ما يؤكدون أنهم عانوه من سياسة التهميش والإقصاء من الأنظمة السياسية، التي مارستها ضد الجنوبيين، لكن تحقق الانفصال يحتاج ربما إلى الكثير من المبررات الأخرى سياسيًا وقانونيًا حتى يتحقق على الواقع.

> مبررات الانفصال

الخطوات الأخيرة التي قام بها المجلس الانتقالي الجنوبي تجعل من خيارات الانفصال وإنهاء الوحدة اليمنية أقرب من أي وقت مضى، وهي إجراءات تسير بثبات ورزانة، بحسب مراقبين مقربين من الانتقالي، وعززها انعقاد أعمال الجمعية الوطنية للانتقالي في حضرموت، واستقطاب الحضارم لمثل هذا الخيار.

والملاحظ في الإجراءات التي يقوم بها المجلس الانتقالي الجنوبي أنها تسير وفق رؤية وخطط مدروسة ومدعومة، في ظل تواجد ما يبرر الانفصال من وجهة نظر الجنوبيين، خاصة في الجوانب السياسية والعسكرية، مع سيطرة مليشيات الحوثي على الشمال واستئثاره بتلك المناطق، ما يجعل من سيطرة الجنوبيين والقوات الموالية للانتقالي أمرا مبررا، يدفع نحو الانفصال.

وفي رأي المراقبين، فإن هذه المبررات تقوي رؤى الجنوبيين وتساند رغبتهم في الانفصال، خاصة وأنهم يرون في الحوثيين سببًا مقنعًا للانفصال بعد أن ألقوا الجمهورية والدولة وارتهنوا لإيران، ويقودون اليمن إلى الهاوية بممارساتهم الطائفية والمذهبية الكهنوتية، ولا يمكن أن يجتمع معهم أحد في وحدة سياسية.

غير ذلك، هناك مبررات أخرى اقتصادية ومعيشية واجتماعية بحسب بعض الجنوبيين، يرون أن الوحدة اليمنية تسببت بها، وأدت إلى تدهور الوضع الاقتصادي والتسبب بتغيير هوية الجنوب طيلة ثلاثة عقود، وحان الأوان لاستعادتها وتصحيح مسارها.

لكن هناك من الجنوبيين أنفسهم من يعتقد أن تصحيح مسار الوحدة يمكن أن يتحقق داخل إطارها وفي نطاقها، وليس بالتخلي عنها وإنهائها، وذلك من خلال العديد من الصيغ والحلول الوحدوية الأخرى، التي رفضها الجنوبيون في عام 1990 وفضلوا عليها الوحدة الاندماجية، وها هم اليوم يفكرون في صيغ أخرى، في حالة اقتناعهم بوحدة مغايرة، مع الاحتفاظ بهوية الجنوب.

> حلول توافقية

يرى بعض الجنوبيين أن الوحدة اليمنية يمكن لها أن تستمر في حالة واحدة، تمثل تنازلًا من قبل الكيانات السياسية الكبرى مثل الانتقالي، وقبولًا برغبة بعض اللاعبين الإقليميين والدوليين باستمرار الوحدة اليمنية.

ومن تلك الصيغ التوافقية للوحدة اليمنية التخلي عن خيار الدولة المركزية الواحدة، والتي أثبتت فشلها بكل ما تحمله كلمة "الفشل" من معنى، وفق ما أكده الواقع الراهن معيشيًا وسياسيًا وعسكريًا، والذي أثبت أن الدولة المركزية التي ارتضاها القادة الجنوبيون عام 1990، لم تعد صالحة اليوم في المرحلة الحالية وباتت جزءًا من الماضي.

ومقابل هذا الرفض لخيار الدولة المركزية يمكن للجنوبيين وضع شروطهم للقبول بخيار دولة الوحدة، شروط يمكن أن تجعلهم يتمتعون بالاستقلالية والحفاظ على ثرواتهم وسلطاتهم داخل نطاق المحافظات الجنوبية، وهذا الخيار متمثل في الدولة الاتحادية الفيدرالية متعددة الأقاليم.

وبرأي سياسيين، فإن هذا الخيار يمكن أن يشكل توافقًا سياسيًا وعقدًا جديدًا بين الشمال والجنوب برعاية إقليمية ودولية وأممية، يحفظ للوحدة اليمنية بقاءها، وفي ذات الوقت يحفظ للجنوبيين خصوصيتهم وهويتهم، وفي المقام الأول ثرواتهم ويسمح لهم بالتحكم بالسلطة.

ويمكن لهذا الخيار أن يتحقق في ظل قبوله من أطراف دولية وأممية، ومساندته من قبل بعض دول الإقليم، والتي بدورها يمكن أن يتم الضغط على أطراف الصراع للقبول بهذه التوافقات، وهي توافقات بدأت مع مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي استمر بين عامي 2013 و2014.

كما أن الواقع الدولي يدفع أيضًا نحو هذا الخيار التوافقي، باعتباره خيارًا يحفظ حقوق الجميع، ورغبة الجنوبيين بالاستئثار بثرواتهم وهويتهم، وفي نفس الوقت يحفظ رغبة الشماليين بالبقاء على الوحدة اليمنية.