آخر تحديث :الثلاثاء-16 أبريل 2024-10:21ص

ملفات وتحقيقات


تحليل: كيف ستعالج القضية الجنوبية في مشاورات التسوية السياسية النهائية؟

الخميس - 16 مارس 2023 - 06:20 ص بتوقيت عدن

تحليل: كيف ستعالج القضية الجنوبية في مشاورات التسوية السياسية النهائية؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل يقرأ في الجهات التي ستمثل الجنوب وقضيته في مفاوضات الحل النهائي للأزمة اليمنية..

(عدن الغد) القسم السياسي:

يرجح كثيرون أن يكون التقارب السعودي الإيراني وعودة العلاقات الدبلوماسية الثنائية بين البلدين، بداية لقرب حلحلة الأزمة اليمنية ووضع حد للحرب الدائرة في البلاد منذ ثماني سنوات.

غير أن الأزمة اليمنية ليست بتلك السهولة التي يمكن تعليق آمال حلها على مجرد توافق الداعمين الرئيسيين لأطراف الصراع المحلية، كون الأزمة في اليمن "أزمة مركبة" ومعقدة للغاية، تتداخل فيها العديد من القضايا والملفات الساخنة.

ولعل أبرز تلك القضايا يكمن في القضية الجنوبية، التي تصاعدت وتيرة مطالبها خلال السنوات الأخيرة، وخاصة عقب حرب عام 2015، ثم تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي مطلع مايو/ أيار عام 2017 الذي نصب نفسه مفوضًا وممثلًا للقضية الجنوبية.

غير أن المجلس الانتقالي الجنوبي ليس وحده من تحدث عن القضية الجنوبية في أدبياته وتبناها، فهناك مكونات وكيانات الحراك الجنوبي التي تؤكد أنها الأحق بقيادة الدفاع عن القضية الجنوبية، منذ عام 2007، حين انطلق الحراك الجنوبي السلمي، وليس مكونات مستحدثة مؤخرًا.

ومن هنا، تبدأ النقطة الأساسية التي يمكن الانطلاق منها لبحث حقيقة وهوية المفوض والممثل الوحيد الذي يمكن أن يمثل الجنوب برمته في أية مفاوضات ومشاورات للحل السياسي اليمني النهائي للحرب، خاصةً وأن التوافقات الإقليمية تدفع بكل تأكيد نحو هذه المفاوضات.

لكن البحث عن أحقية الكيان السياسي الذي يمكن أن يمثل الجنوب وقضيته في المشاورات المرتقبة قد تصطدم بالعديد من العوامل والمشكلات وحتى الخلافات بين مكونات الجنوب عمومًا، الأمر الذي قد يهدد مصير القضية الجنوبية برمتها.

> تحديد الطرف الممثل

يسعى العالم إلى رؤية جنوب متحد، حتى يعمل على التحدث مع جبهة موحدة معروفة، ويمنحها مطالبها التي تنادي بها منذ عقود، ولا يمكن للعالم أن يمنح بقعة من الأرض مشتتة ومتشظية ومختلفة ومنقسمة على نفسها.

هذا ما عملته بريطانيا قبيل جلائها من الجنوب أواخر عام 1967، حيث لم تسلمه إلا للطرف الأقوى، المتواجد على الأرض والممسك بزمام الأمور بكل هيبة وقوة، بعد أن قضى هذا الطرف على خصومه السياسيين كافة وانفرد بالسيطرة.

وما حدث بالأمس قبيل تأسيس دولة مستقلة في جنوب اليمن، يتكرر اليوم لاستعادة هذه الدولة، والتاريخ يعيد نفسه، هذه حقيقة أجانب من يزعم أن التاريخ لا يعيد نفسه، وإن بصور وأشكال مختلفة شيئًا ما.

فبريطانيا طالبت بكيان تسلمه السلطة بعد خروجها من عدن والجنوب، وكان الخيار حينها بين جبهة تحرير جنوب اليمن، وبين الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن، ورغم أن الأخيرة استطاعت فرض نفسهم بعد إقصاء جبهة التحرير بالقوة والعنف، إلا أن هذا ما كانت تريده كافة الدولة المتحكمة بالأمور.

ذات الأمر يتكرر اليوم مع المكونات الجنوبية التي تسعى لاستعادة تلك الدولة، وإن بطريقة وصورة ناعمة، وليست عنيفة كمان كان في الماضي.

ويتم ذلك من خلال ضغوط دولية لتوحيد وجهة المكونات الجنوبية السياسية ومطالبها وتحديد ممثلها الذي يتبنى القضية الجنوبية، وهذا ما يفسر إقبال المجلس الانتقالي الجنوبي على الحوار والانفتاح على كافة المكونات والقوى السياسية الجنوبية، سواءً في اليمن أو في الخارج.

لكن ما يحسب للمجلس الانتقالي الجنوبي، لجوؤه للحوار، وليس للعنف كما فعلت الجبهة القومية، وقيام الانتقالي باستيعابه لبقية المكونات السياسية الجنوبية الأحرى، رغم أن بعضها لا تعترف بسطوة الانتقالي وفرضيته كمفوض وممثل وحيد للشعب الجنوبي في تقرير مصيره.

> مصير القضية الجنوبية

الاجتهاد الذي قام به المجلس الانتقالي الجنوبي بالتقارب من أشقائه المكونات الحراكية الجنوبية الأخرى والحوار معهم، يؤكد وجود ضغط إقليمي ودولي للخروج بتمثيل موحد للجنوبيين في مشاورات الحل النهائي للأزمة اليمنية.

كما يؤكد أن العالم والإقليم قد لا يكون مقتنعًا لما يقوم به المجلس الانتقالي الجنوبي من الترويج لنفسه كمفوض وحيد للجنوب والقضية الجنوبية، ولهذا مارس ضغوطاته للجلوس مع قوى الحراك والتحاور معها، وهو ما كان يرفضه الانتقالي سابقًا وبنرجسيته المعهودة، وقبِلَ به مؤخرًا.

وكأن الأمر أشبه بشروط مسبقة للقبول بالقضية الجنوبية كإحدى القضايا التي ستتم مناقشتها خلال مفاوضات التسوية الشاملة والنهائية، وما دون تنفيذ هذه الشروط المسبقة قد يؤدي في النهاية مصير غير واضح المعالم للقضية الجنوبية.

فهناك من المكونات والقوى الحراكية الجنوبية من انخرط بفاعلية مع دعوات الانتقالي للحوار، غير أن هناك من يرفض تلك الدعاوي بحجة استقواء الانتقالي وأسلوب البابوية التي يمارسها على أشقائه الجنوبية من قوى الحراك الجنوبي أثناء الحوار.

وهذا بالفعل ما تحقق في توجه عدد كبير من القوى السياسية الجنوبية التي اضطرت وأُجبرت إلى رفض الحوار الخاص بعد أن شاهدت من الانتقالي ما شاهدت من ممارسات الإقصاء والتهميش والتحدث باستعلاء مع الآخر.

وفي النهاية فإن هذا الانقسام بين الجنوبيين وعدم التوصل إلى كيان يوحدهم لمخاطبة العالم بمطالبهم، ويهدد القضية الجنوبية بشكل عام؛ نظرًا لعدم الاتفاق على كلمة سواء فيما بين الجنوبيين أنفسهم، ولهذا فإن مصير القضية مرهون بمدى توافق كافة المكونات الحراكية والجنوبية على ما يريدونه.

وبغض النظر عن مطالب الجنوبيين وما الذي يريدونه، إلا أن الشيء المؤكد أن المجلس الانتقالي الجنوبي لن يكون الممثل الوحيد للجنوب وقضيته في المفاوضات القادمة، بل سيكون أحدها، وجزءًا من الوفد الممثل للجنوب، والذي قد يضم أعضاءً من ممثلين آخرين.

فالتحالف العربي، وعلى رأسهم السعودية لن تقبل بأن يكون الانتقالي الممثل الوحيد للجنوبيين والقضية الجنوبية، عطفًا على علاقة (الحديد والنار) بين الجانبين، وسيسعى إلى إشراك بقية القوى إلى جانبه، كحل للإخلال بتوازن السيطرة الانتقالية على المكونات الجنوبية.

> مطالب الجنوب

ثمة عقبة أخرى قد تقف أمام اختيار المفوض الأمثل للقضية الجنوبية في مشاورات السلام، تتمثل في طبيعة المطالب التي يمكن أن يتمسك بها أو يعرضها الجنوبيون في مفاوضات الحل النهائي للأزمة اليمنية.

فمن المؤكد أن الانفصال وفك الارتباط يأتي على رأس أولويات الخيارات المطروحة أمام ممثل الجنوب -أيًا كان هذا الممثل- بينما تأتي الخيارات الأخرى تاليًا، ومن بينها الإبقاء على دولة الوحدة لكن ليس بصيغتها الاندماجية الكاملة التي كانت عليها.

كما أن الوفد الممثل للجنوب من المؤكد أن يكون متضمنًا كيانات جنوبية وحراكية قد ترى في تعديل صيغة الوحدة ملاذًا أفضل من خيار الانفصال الكامل، وقد يكون أحد الخيارات الانصهار في نظام فيدرالي اتحادي يمنح الجنوب إقليمًا كامل، بحسب مطالب بعض القوى، مقابل الإبقاء على مصالح الجميع، شمالًا وجنوبًا.

وفي الوقت الذي يسعى الجنوبيون إلى توحيد صفوفهم لفرض مطالبهم، هناك من يرفض هذه المطالب بالانفصال أو حتى منح الجنوبيين حكمًا ذاتيًا واسع الصلاحيات، أو إقليما كاملا على أرض الجنوب.

فكثير من الكيانات السياسية اليمنية كحزب المؤتمر الشعبي العام مثلا، أو الحوثيين أو حزب الإصلاح، لا يرى في انفصال الجنوبيين أمرًا ممكنًا، بل إنه يرفض حتى منحهم إقليمًا كاملًا، وهنا تكمن المشكلة الرئيسية في المفاوضات.

حتى وإن تم التوافق على طبيعة وهوية ممثل الجنوب، تبقى المطالب السياسية وتحديد طبيعتها بمثابة التفاصيل التي يكمن فيها السرطان، والتي سيدور حولها التفكير مليًا، وستتصاعد بشأنها النقاشات وربما ستكون سببًا في أن تعصف بمصير الاتفاق.

فما بين الانفصال، والقبول بدولة فيدرالية اتحادية، يكون فيها الجنوب إقليمًا مستقلًا أو من عدة أقاليم، خيارات تتأرجح فيها المعالجات السياسية للقضية الجنوبية، خلال مشاورات التسوية السياسية النهائية للأزمة اليمنية، وجميعها محددات تحددها شخصية الطرف المفاوض ومدى قوة طرحه وتمسكه بمطالب الشعب الجنوبي.