آخر تحديث :السبت-25 مايو 2024-10:54ص

فن


زرياب عدن جميل غانم.. موسيقار بارز وفنان قدير

الأربعاء - 24 أغسطس 2022 - 02:29 م بتوقيت عدن

زرياب عدن جميل غانم.. موسيقار بارز وفنان قدير

((عدن الغد)) خاص

كتب..  فهمي غانم

بين بغداد وعدن فضاء ملئ بالتاريخ والإحتياجات الروحية وخط بياني حريري ملئ بالمشترك الثقافي والفني  فكانت الموسيقى إحدى شواهد العصر بتجلياته التي رفعت قامة هاتين المدينتين العريقتين وصارتا كأكسير حياة للنفس الباحثة في شتات الروح عن مرسئ دافئ يحتضنها ويحجب عنها انفعالات العواطف الشاردة  فيضبطها ومن هنا كانت الرحلات العلمية والثقافية والفنية في الستينات لسان تعبيري جميل يشئ إلى ماتختزنه المدينتان من كنوز معرفية وتشابه ثقافي تنساب من قنواتهما باتجاه تحديث مجتمعي وارتقاء ذوقي لمعطيات وافرازات المجتمع المدني في البلدين وقد كانت لرحلة الشاب العدني الفنان جميل عثمان غانم ودراسته في عاصمة الرشيد بغداد مساراتها في تأصيل علم موسيقي ببعد ثقافي وفني وبأصول وتقاليد عريقة وقد استفاد الشاب جميل من رحلته العلمية هذه في بلاد الرافدين ونهل من موسيقاها وتقاليدها الفنية ومدرستها العريقة وحضارتها التي استوطنها التاريخ فازدهرت بشواهدها الثابتة على نحو غير مسبوق  كإمتداد طبيعي للريادة الزمنية والمكانية التي تمتع بها العراق في عصوره الذهبية..وبعد عودة الشاب اليافع جميل من بلاد الكلمة الشعرية والموسيقى الطربية الأصيلة عاد ليسامر الخيال باليقين والحلم باليقظة والموسيقى بالإبتكار يحمل أنفاس أنغامها الجميلة ورنين موشحاتها العربية الاصيلة بمقاماتها المتنوعة وتلك الإضافات النوعية لقواعد السلم الموسيقي وماأحدثه هذا التراكم والخبرة الحياتية من إنتاج عظيم الجودة في الشكل والمضمون وأصبح للعود صوتا متفردا لايجيده إلا جميل..
هضم الشاب العدني والموسيقار البارز الفنان القدير جميل غانم تلك المهارات الإبداعية بروح مشعة ونفس صادحة قابلة للتمدد فوق الأبحر النغمية والمسطحات اللحنية وبسقف عالي الوصال مع كل العطاءات الفنية ساعده في ذالك إمكانياته الذاتية وبيئته الأسرية الولاّدة بمختلف أنواع وأشكال الفن وتلويناته المتعددة والمتجذرة في البيئة المحلية لعدن وقد مكنّه ذالك من الوصول إلى خزائن  التنظير وإخراج المفهوم من التجريد وحالة السكون والإسترخاء بتفكيك عناصره وضخ الحياة والحركة فيه فأخرجه من جدران الدراسة والتلقين إلى وسع الحياة والتجربة وخلق قدرة على رسم تفاصيل خارطته الموسيقية الهارمونية وتفعيل أداء الجمل الموسيقية واللعب على اوتار اللحن بكل مهارة وحرفية صاغ من خلالها منظومات لحنية ومقطوعات أثرتْ المكتبة الموسيقية وخاصة تميزه بالعزف على العود فجعل منه حديثه النغمي وصوته الموسيقي وقناته المتصلة بالناس كما برع وابدع في التعامل  مع التراث الموسيقي وخاصة تراث عدن الغنائي وتراث السواحل الشرقية لأفريقيا فاستعان بالهاجر والسمسمية والقنبوس (عود قديم) والمزمار والطمبرة (إيقاع افريقي) والصحن النحاسي ليذيب تلك الطقطقات في وعاء موسيقي جديد لم تألفه الاذن من قبل لتنويع المصادر الصوتية السمعية وتشكيل حالات إبداعية لتخليق نشوة راقصة تنشر الفرحة وتعيد التوازن والحيوية والمتعة  لتفاصيل الجسد أثناء تأديتها بكل مرونة وأريحية فقدم لوحاتٍ فنيةً والحاناً مازال صداها وفعاليتها وتأثيرها يحدث جللاً وصخباً حتى الآن..بمعنى آخر أعاد الموسيقار غانم إكتشاف التراث الموسيقي وصاغه بصورة مطوّرة وبتوزيع موسيقي حديث..
إستخدم الفنان جميل غانم مهاراته في تحشيد هذا النوع من التجانس والتوافق والتلازم والموائمة الفنية بين كل هذه المخرجات الطربية واعاد تنشيطها على قواعد السلم الموسيقي المكون من سبعة أحرف وهو من أبجديات النوتة الموسيقية والمقام الصوتي وعلى نحو أجاد فيه التصرف الممتع للجواب والقرار كلازمة فنية يكتمل العمل بهما..
عمل جميل غانم على تقديم تلك المعارف وفعّلها بشكل مؤسسي وغذّاءها من جهده وسعة علمه وقدمها بصورة شهية قابلة للتذوق..
هذه هي الأرضية الفنية التي إتكأ عليها الموسيقار جميل غانم فجعلت منه علما من أعلام الفن في الموسيقى والسماع الطربي الأصيل إذ تلقى علومه من مدرسة زرياب الفنية وعندما نقول زرياب فهو إتجاه وإبتكار ولون وتجسيد إبداعي جميل إذ أضاف زرياب المغني التاريخي المشهور الوتر الخامس للعود بعد أن كان أربعة اوتار منذ عرفه من استاذه إسحاق الموصلي وذالك في زمن هارون الرشيد  وقد تشرب الفنان الماهر جميل هذه الصنعة الفنية ووفقا للقواعد الأصولية للعزف فشكل بذالك إحدى إرهاصات التجلي وعنصراً من عناصر الإبهار والتجديد إنطلق به في فضاءات وعوالم بلغت مداها في أنه أصبح بصمة متفردة في العزف والأداء وأستاذ يُشار له بالبنان بعد أن حول تلك الإستلهمات والإشارات الرمزية في الموسيقى إلى معرفة ووعي فخلق قابلية  جيدة ومناخ رائع  للتذوق والتعامل مع الموسيقى كمتنفس روحي وطاقة متجددة طوعها بذكاء إلى أن تصبح عادة ثقافية ونمط سلوكي ورواحٍ نفسي كان محل إعجاب مجتمعه كله وقد  أثمرت هذه القدرة واعطت حصادها لمن يهواهها وتحولت إلى مايشبه دوحة للسمر يلتقي عندها المحبون..
كانت أنامله لاتعزف بل قل إنّها تحكي فصل من فصول الإبداع والتجلي وحوّل السلّم الموسيقي إلى ىسلّم للعبور نحو فضاءات ومآلات تثير فينا الخيال فنعيش اللحظة الإبداعية بكل تفاصيلها المسكونة داخلها..إنه الموسيقار جميل عثمان غانم أو زرياب عدن المجدّد الذي تماه مع  النص الموسيقي وصاغه صياغة بعيدا عن التعقيد والرتابة فجعل منه السهل الممتنع الذي يستلزم شرط العيش في ثناياه إعادة تخليق المشاعر ورسم الإحساس السمعي والبصري على نحو بالغ الجمال فهي عملية إبداعية شأنها شأن أي عمل إبداعي تتوفر فيه الموهبة والقدرة والتجربة الحياتية والثقافة الإنسانية التي تسمح بتوليد مشاهد فنية متعددة..كان الموسيقي جميل ينفر من قولبة الموسيقى وإختزالها بشكل عشوائي أوحبسها في إطار ضيق يفسد المتعة..ولهذا كان يؤمن بأن لاوصاية على الفنان إلاّ ضميره المهني الذي يحرك بوصلة الأداء عنده
من هنا برز  الفنان جميل غانم وبحساسيته الطربية العالية في وضع هذا  التخادم المنهجي القائم على أصوليات العلم  بالمثلت الموسيقي.. (العزف والأسلوب وطريقة الإخراج)  لتسويق فكر فني ثقافي وجمالي  وبفرضية إستباقية تريد ان تحدث الدهشة والمتعة معاً وإنجاز تفاعلات اللحظة الإبداعية بانفعالاتها وحساسيتها الراقية في منظومة الأداء الموسيقي الفنتازي الماتع الرائع..
جميل غانم درس دراسة منهجية أصول الموسيقى ومن مصادرها إهتم  بالمقامات والتي هي أساس بناء اللحن  فعلم بالضرورة أنواعها ومقدار المسافات الصوتية بينها ولعل أشهرها مقام الصبا المائل للحزن وباعتقادي أن هذا المقام ربما عكس طبيعة جميل الحزينة بعض الشئ والبياتي وهو مقام شعبي يميل إلى الفرح ومقامات أخرى كالحجازي والراست ومن الممكن القول أن الأستاذ الماهر الحاذق بالصنعة جميل غانم أعاد اكتشاف المقامات وتوطينها في البيئة المحلية ولكن بشكل احترافي بعيد عن التحريف أو التجريف المشوة للعمل..
كلما كانت البيئة تدفع بحوافزها في محيط  يسمح بإنتاج أعمال خلاقة تنشر البهجة  وتعيد التوافق إلى تموضعات الحالة النفسية واقترابها من الإشباع الروحي الذي بالضرورة يعمل على ترقية الحاسة الذوقية والجمالية لمدركات العقل في الإستجابة لتلك الحوافز وعملت معزوفات المايسترو جميل على خلخلة الداخل بشكل طردي إيجابي نافع يسمح بمرور نعومة إنسيابية إلى تفاصيل الجسد فيملئ  بالنشوة.. 
من المهم معرفة أن جميل غانم أتى على واقع فني مزدهر في السبيعنات وكان يتمتع بنوع من الحرفية والمهارة
الإبداعية والترف التنظيري المصاحب بشئ
من الضبابية الفنية في تحديد المصطلحات والمفاهيم الفنية بشكل منهجي فالفن في مدينة عدن تأسس على أساس الموهبة والخيال وبعض المطالعات الثقافية والدراسات المنهجية التخصصية لبعض الفنانين في القاهرة وبيروت وبغداد وهذا ثراء في معطيات الواقع الفني بعدن وقد ساعد ذالك كثيرا الأستاذ جميل غانم وزملاء كثر في إعداد تصوّر لمأسسة الإتجاهات الفنية بشكل أصولي وإجراء تطويرات منهجية عليها وفقاً لقواعد علمية وموضوعية لصياغة فناً راقياً أفضت فيما بعد إلى تأسيس مداميك فعلية على الأرض لمعهد سُمي باسمه معهد (جميل غانم) وهو الشاهد على عصر جميل غانم الفني واسسهاماته في تأطير العمل الفني منهجيا وحفظ كل التراث التاريخي الفني والموسيقي وصيانته وحفظه للأجيال القادمة للإطلاع عليه وهو مايحسب للأستاذ جميل عثمان غانم أنه كان يروم لتأسيس مظلة فنية عريضة يخرج من تحتها أبناءه واحفاده ومريدوه   ليشيعوا قيمه الفنية والإبداعية وخلقه العالي وإرثه الذي إستوعبَ مرحلة من المراحل التاريخ الفني لعدن..
كان لدي جميل حدس أن الموسيقى تعيد توازن الطاقة داخل الإنسان بالاتجاه الإيجابي اي أنها تستفرغ طاقتها السلبية لإحلال طاقة إيجابية نافعة نجح من خلالها أيضا إلى إحداث فرز نوعي لذالك التراكم المعرفي والفني لحصاد السنين وعبر دراسته لعلم الموسيقى وخبرته الحياتية وقراءاته الثقافية لماهية الفن ووظيفته وإقترابه من الإنسان كثيرا ليداعب خياله الذي هو مرأة لحياته..إذن الفنان القدير المايسترو جميل أحدث فارقا في الواقع الفني فصنع متحوره الخاص به وجينته الفنية  وبصمتة التي لاتشبه غيرها وهو يعد بذالك سجلا مفتوحا لتاريخ الجميل  جميل..

##انتهى..

اغسطس2022م